في سنة 2018، خرج إلى النور وثائقي أمريكي بعنوان «ثلاثة غرباء متطابقون» الذي صنع ضجّة كبيرة في الإعلام؛ ويحكي قصّة ثلاثة توائم عاشوا لدى أُسر متفرّقة حين تمّ فصلهم عن بعضهم مباشرة بعد الولادة، ليلتقوا فيما بعد صدفة، ويكتشفوا أنّهم كانوا جزءًا من تجربة نفسية.

يبدأ الفيلم الوثائقي بالحديث عن الصدفة العجيبة التي أدّت إلى التقاء التوائم الثلاثة، وذلك بعد 19 سنة عن افتراقهم؛ ومع بعض البحث عن أسباب هذا الافتراق، يتكشّف أنهم كانوا خاضعين لبرنامج سريّ لأحد الأطباء النفسانيين يدعى د. نيوباور الذي أراد دارسة تأثير البيئة على تنشئة الطفل، وذلك من خلال تفرقة التوائم وتربيتهم في عوائل متفاوتة من الناحية الاقتصادية والفكرية وغيرها من الفروقات، لذلك أُرسل الطفل الأول إلى عائلة من الطبقة الكادحة، بينما الثاني عند عائلة من الطبقة الوسطى، والثالث عند عائلة من الطبقة الأعلى اقتصاديًا، كما تفاوتت العائلات من ناحية شخصيات الآباء، إذ كان الوالد المتبنّي للولد الأول صارمًا في تربيته وقد يستخدم حتى الضرب أسلوبًا للتعامل، بينما كان الثاني أكثر حميمية، وهكذا.

وفي العموم أرادت تجربة علم النفس هذه إلى الإجابة عن أحد أقدم الأسئلة في علم النفس وأكثرهم إسالة للحبر في هذا التخصص العلمي: ما الذي يحدد شخصية الانسان: هل هي البيئة (التنشئة) أم طبيعته الشخصية؟ (nature vs nurture).

التوائم الثلاثة

ويذكر الوثائقي أن آباء هؤلاء التوائم قد لجؤوا إلى المؤسسة التي كانت تحتضن الأطفال حينها لمساءلتهم عن سبب تفرقة التوائم الثلاثة، ممّا أثّر على توازنهم النفسي، وبذلك ضاعت 19 سنة من حياتهم وهم بعيدون عن إخوتهم، وكانت إجابة المؤسسة حينها أنّ السبب كان أن الأهالي عادة لا يرغبون في تبنّي ثلاثة توائم؛ لكن الوثائقي يكشف عن حقيقة أكثر سوداويّة وأقلّ براءة، وهي أن هذه المؤسسة تلقت أموالاً طائلة من أجل التفريق بين هؤلاء الإخوة لإشراكهم في تجارب نفسية كانت تشرف عليها الأجهزة المخابراتية الأمريكية كباعتبارهم «فئران تجارب»، فخلال 19 سنة من طفولتهم، كان يأتي في كل مدّة معيّنة طبيب نفسي ليراقب هؤلاء الأطفال ويدوّن ملاحظاته، باعتبار ذلك جزءًا من هذه التجربة التي ستستمر لسنوات طويلة، وقد أدّت هذه التجربة لمشاكل نفسية عميقة لدى هؤلاء التوائم، وشاعت لديهم حالات الاكتئاب وحتى الرغبة في الانتحار. في الوقت ذاته، رفضت المؤسسة المعنيّة إصدار بيانات تلك الأبحاث النفسية، وبقيت ممنوعة من التداول.

هذه التجربة النفسية تعيد إلى الأذهان، تاريخ الاستعمار الأوروبي مع ظاهرة اختطاف الأطفال لأغراض مختلفة، من بينها التجارب النفسية التي أجرتها دوائر علمية تابعة للاستعمار الفرنسي في أطفال الجزائر، قصد محاولة فصل هؤلاء الأطفال عن محيطهم النفسي والديني والفكري؛ وإعادة هندسة وعيهم من أجل استخدامهم موظّفين لدى سلطاتها.

حين اختطف الاحتلال الفرنسي أطفال الجزائر ليغسل دماغهم

شهدت الجزائر طوال تاريخها تحت الاحتلال الفرنسي العديد من الانتهاكات التي نفّذها الاحتلال في وجه الجزائريين، من إبادات جماعية وتعذيب وقمع دموي؛ بل وصل إلى حدّ اختطاف أطفال الجزائريين ونقلهم إلى فرنسا من أجل إخضاعهم لتجارب نفسية تهدف إلى غسيل دماغهم ونقلهم إلى مصاف «المدنية».

في كتابه «تاريخ الجزائر الثقافي» يذكر المؤرّخ أبو القاسم سعد الله حادثة مُشابهة تورّطت فيها سلطات الاحتلال الفرنسي مع أطفال الجزائر، وذلك بعد انهزام ثورة الأمير عبد القادر وسقوط عاصمته «الزمالة». وكانت عاصمة الأمير المتنقّلة تضمّ العديد من نساء وأطفال الجزائر والأهالي الذين يرتحلون مع الأمير أينما ارتحل؛ وبعد سقوطها إثر نهاية مقاومة الأمير عبد القادر سنة 1947؛ عمد الاحتلال الفرنسي إلى اختطاف مجموعة من الأطفال وأخذهم إلى للعيش في فرنسا بعيدًا عن أهاليهم، وإدخالهم في مؤسّسات غامضة لإعادة تأهيلهم وتربيتهم على الولاء لفرنسا؛ ويذكر المؤرخ في كتابه بعض التفاصيل التي يصفها بـ«المأساوية جدًّا» حول نهاية بعض هؤلاء الأطفال الذين أُبعدوا عن أهاليهم قسرًا ليستخدموا «فئران تجارب» في تناقض مع «الرسالة الحضارية» التي رفع شعارها الاستعمار الفرنسي عند غزوه للجزائر.

تاريخ

منذ 3 أسابيع
الأمير عبد القادر.. حين أنقذ مجاهد جزائري مسلم آلاف المسيحيين من الموت المحقَّق

وسط نحيب أمّه وصراخ والده، خطف الجنود الفرنسيّون الطفل أحمد بن قدور بن رويلة سنة 1843، أحد أطفال الجزائر، وعمره لا يتجاوز 13 سنة، وهو ابن قدور بن رويلة الذي كان يعمل كاتبًا لدى الأمير، وبعد «إعادة تأهيله» في المدرسة الغامضة التي كان تشرف عليها شخصية فرنسية تدعى ديمواينكور، جرى نقله إلى «كوليج سان لويس». يقول المؤرّخ إنه وجد بعض رسائل الطفل أحمد إلى والديه، والتي يستجدي فيها ويتوسّل العودة إلى أهله: «وفي إحداها يقول إنه يكاد يجنّ».

وفي تقرير ديمواينكور الذي يعمل منسّقًا بين وزارة الحربية والحاكم العام في الجزائر المارشال بوجو؛ يبدو أنه كان يراقب سلوكيات الأطفال ويعتني بهم ويدوّن ملاحظاته، حول التغيّرات التي تطرأ عليهم بعد نقلهم من بيئتهم التي نشؤوا فيها إلى هذه المؤسسات الفرنسية، التي تهدف إلى غسل عقولهم ودراسة تأثير التنشأة الفرنسية على سلوكياتهم خصوصًا بعد عودتهم إلى الجزائر فيما بعد.

بعد هذه التجربة، تخرّجت الدفعات من هؤلاء الأطفال الذين اختطفوا في صغرهم وجرى غسيل دماغهم في المؤسسات الفرنسية التي تبقى أساليبها غامضة لحدّ الآن، ليعودوا إلى الجزائر معاونين للجيش الفرنسي، يستعين بهم الاستعمار من أجل إحكام قبضته على المجتمعات المحليّة في الجزائر.

عاد ابن رويلة إلى الجزائر وعمل مترجمًا عسكريًا احتياطيًا لدى الجيش الفرنسي ودخل كتيبة الفرسان، ثم اشتغل فيما يسمّى «المكاتب العربية» وهي أجهزة إدارية أنشأتها فرنسا، من أجل السيطرة على القبائل والأملاك الجزائرية، وضمان عدم امتداد الثورات والمقاومات الشعبية إليها ووأدها في مهدها، من خلال تقديم بعض الخدمات الصحية والاجتماعيّة للقبائل.

اختطاف الأطفال.. ظاهرة استعمارية أوروبية

ولم تكن فرنسا وحدها المتورّطة في مثل هذا النوع من الانتهاكات؛ فرغم أنها كانت السبّاقة إلى هذه الممارسات في القرن التاسع عشر، إلا أن ظاهرة اختطاف الأطفال كانت شائعة لدى الاستعمار الأوروبي في أفريقيا لأسباب متنوّعة سواء الاستعمار الفرنسي أو البرتغالي أو البلجيكي. فقبل شهور قليلة؛ قدّم الوزير الأول البلجيكي رسميًا، اعتذارًا إلى أطفال الكونغو الذين جرى اختطافهم من طرف السلطات الاستعمارية البلجيكية.

سياسة

منذ 5 سنوات
حين تقتل 10 ملايين إفريقي لا يدعوك أحد «هتلر»

وتعود تفاصيل هذه الاختطافات إلى فترة الخمسينيات، حين كانت بلجيكا تحتلّ الكونغو وتطبّق فيها نظام الأبارتايد بين البيض والسود، إذ كان يمنع القانون التزاوج بين العرقين، لكن بعض البيض كانوا يقيمون علاقات مع نساء السود أو حتى يغتصبونهم، مما ينتج عنه ولادة أطفال مختلطي العرق، وهو ما تسبّب في مشكلة بالنسبة للبلجيكيين. من أجل حلّ «مشكلة» الأطفال مختلطي العرق الذين مثّلوا عارًا بالنسبة للبلجيكيين البيض، وسط خشية من أن يشكّل هؤلاء طبقة جديدة في المجتمع مستقبلاً أو أن يقوموا بالثورة ضد الاحتلال أو يطالبوا بحقوق مدنيّة، لذلك عملت بلجيكا على اختطافهم ونقلهم من عائلاتهم إلى رواندا وبوروندي، وتربيتهم في بيوت الأيتام والكنائس الكاثوليكية.

وبعد استقلال الكونغو؛ نقلت بلجيكا حوالي 1000 طفل من الأطفال مختلطي العرق إلى بلجيكا بعيدًا عن أهاليهم، وذلك بإجبارهم على التوقيع على وثيقة يتخلّون بموجبها عن أطفالهم، بينما تعرّضت العائلات التي رفضت التخلي عن أطفالها للتهديد بالغرامات الماليّة ودفع تكاليف باهضة. ويعدّ اعتذار رئيس الوزراء البلجيكي هو الأوّل من نوعه المتعلّق بجرائم الاستعمار البلجيكي في الكونغو.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد