لا يكف إسماعيل عن القيء قبيل التمرين، في البداية اعتقدت والدته أن ابنها مريض جسديًّا، وأن أمرًا ما يتعلق بمعدته هو السبب، لكن عقب سلسلة طويل من الكشف الطبي، تبين لها أنه مجرد رد فعل عصبي لكراهيته التمرين؛ ما جعلها تتعامل معه بصفته جزءًا من خطوات التمرين، قيء، فوقت مستقطع تتجاهله فيه عن عمد، فإحماء، فتمرين.

هكذا ينتهي الأمر ويحصل إسماعيل على الميدالية الذهبية مع كل مسابقة، وتسعد أمه التي تؤكد خلال حديثها مع «ساسة بوست»: «حاولت إلهاءه كثيرًا، وإقناعه كثيرًا، وحاولت فهم السبب لكن طبيب الباطنة أخبرني بألا أكترث وأن أواصل التمرين»، ثم ختمت حديثها ضاحكة: «قال إن ابنته تفعل ذلك معه أيضًا».

داخل صالة الجمباز كانت غادة تعاني من معضلة أخلاقية: «هل من الطبيعي أن أدع طفلي يبكي أمامي، وهو يتألم أثناء التمرين؟ هل أمكث أم أرحل؟ أم نكف عن التمرين كليًّا؟» في الواقع كانت تلك هي الأكاديمية الرياضية الثالثة التي تشترك فيها غادة لأطفالها الثلاثة، ثلاثتهم يبكون، ويحيلون المنزل جحيمًا، بين انعدام رغبتهم في التمرين لما يتركه في أجسادهم الصغيرة من ألم، وبين رغبتها في أن يتمتع ثلاثتهم بجسد رياضي قوي يقاوم الأمراض وينمو بشكل صحي.

هل من الطبيعي أن يتألم طفلك خلال التمرينات الرياضية؟ وما الذي يجب عليك فعله؟

اختارت غادة الاستمرار وفضلت الابتعاد أثناء التمرين حين تتحول صالة الجمباز إلى مبكى جماعي للأطفال، مكتفية بالأثر الطيب الذي تراه في جسد أطفالها، حيث صار ابنها الأكبر يتحكم في عضلاته بشكل أكبر، حتى إنه كف عن تسريب البول في ملابسه، وصارت ابنتها قادرة على النوم بشكل أفضل عقب التمارين، فيما تهذب سلوك الطفل الأصغر كثيرًا منذ بدأ في تمارينه الرياضية بصحبة أشقائه، في الصالة نفسها كان السؤال الذي يتردد أغلب الوقت «هل نستكمل التمارين؟ أم أنها ستشكل ضغطًا نفسيا على الأطفال مع الدراسة؟». 

هل من الضروري للأطفال ممارسة الرياضة؟

«تربية العقل مصحوبة بتربية الجسم، لأنهما متصاحبان صحة واعتلالًا» *عبد الرحمن الكواكبي

يضع مركز الخدمة الوطنية في المملكة المتحدة، دليلًا لممارسة الأطفال الرياضة، ينص على ضرورة قيام الأطفال والشباب الذين تتراوح أعمارهم بين خمسة أعوام و18 عامًا بنشاط بدني يحافظ على صحتهم، وبحسب الدليل: «يحتاج الأطفال والشباب إلى القيام بنوعين من النشاط البدني كل أسبوع، واستهداف ما لا يقل عن 60 دقيقة من النشاط البدني معتدل الشدة يوميًّا، على مدار الأسبوع، مع تقليل الوقت الذي يقضونه في الجلوس أو الاستلقاء، وقطع فترات عدم النشاط ببعض الحركة»، ومن بين الأنشطة متوسطة الشدة:

  1. المشي إلى المدرسة. 
  2. أنشطة الملعب. 
  3. ركوب سكوتر. 
  4. جولة مع الكلب. 
  5. ركوب الدراجة. 

 أما الأنشطة التي تقوي العظام والعضلات، فمنها:

  1. المشي. 
  2. ألعاب مثل شد الحبل. 
  3. القفز بحبل. 
  4. الجمباز. 
  5. التسلق. 
  6. كرة السلة. 
  7. كرة القدم. 
  8. كرة القدم الأمريكية. 
  9. التنس. 
  10. الرقص. 

تُظهر الأبحاث أن ممارسة الأطفال للرياضة ليست رفاهية أو أمرًا اختياريًّا، فهي بحسب موقع «هيلث لاين» تقوي عضلات الطفل وعظامه، وتمنع الزيادة المفرطة في الوزن، وتقلل من خطر الإصابة بمرض السكري، فضلًا عن أهميتها للصحة العقلية لدى الطفل، وأن النشاط البدني المبذول في الرياضة يسمح للأطفال بالحصول على نظرة أفضل إلى الحياة من خلال بناء الثقة وإدارة القلق والاكتئاب، وزيادة احترام الذات، فضلًا عن المهارات المعرفية التي تترتب عليها.

وبحسب كتاب كتبه لين سوندرز بعنوان «الحفاظ على لياقة الأطفال» فإن التمارين تساهم في إفراز الإندروفين في جسد الأطفال، وهو ما يرتبط بالسعادة؛ فالطفل الذي يمارس الرياضة هو طفل سعيد، ناهيك عن الدور الذي تلعبه الرياضة في تحسين الحالة المزاجية والسلوك لدى الأطفال، مع التقليل من مخاطر الأمراض المزمنة.

متلازمات طبية مرتبطة بالتمارين قد لا يعرفها الأهل

ربما لا تعلم والدة الطفل إسماعيل الذي يتأوه قبيل كافة التمرينات أن صغيرها يعاني متلازمة (ETAP)، أو ألم البطن العابر المرتبط بالتمارين الرياضية، وهو عبارة عن شعور بالطعن الحاد في البطن، عادة تكون حادة، وشديدة أو مؤلمة، وتتسبب في تشنجات مؤلمة بالبطن، كما أنها تكون مقاومة للعلاج بحسب دراسة أشارت لتأثير تلك الآلام في أداء الشخص الرياضي مع عدم وجود سبب واضح لها.

متلازمة ألم البطن العابر المرتبط بالتمارين الرياضية، ليست الحالة الطبية الوحيدة المرتبطة بممارسة الرياضة والتي تصيب بعض الأطفال وليس جميعهم، فهناك أيضًا متلازمة (EIA) أو الربو الناجم عن ممارسة الرياضة، ويسمى أيضًا تضييق القصبات الهوائية الناجم عن التمرين، وتشمل أعراضه، بحسب الموقع التابع لمنظمة «صحة الأطفال»، صفيرًا في الصدر عند التنفس وضيقًا أو ألمًا في الصدر والسعال، وفي بعض الحالات ضيق تنفس دائمًا.

ويتسبب استنشاق الهواء البارد الجاف أثناء التمرين في الإصابة التي تؤثر في اللاعب فتجعله يتعب بسهولة أثناء التمرين أو بعده، وتجعله غير قادر على الجري لأكثر من بضع دقائق دون توقف، وغالبًا ما تبدأ الأعراض في الظهور على الأطفال المصابين بـ(EIA) عقب خمس أو 10 دقائق من بدء التمرين، لكن الخبر الجيد أن مواصلة التمرين هي الحل؛ إذ يساهم في تقوية الجهاز التنفسي مع إبقاء الأعراض تحت السيطرة، ويعد البكاء أثناء رياضة الجري أحد الأعراض الشائعة التي يختبرها اللاعبون مع الوقت.

Embed from Getty Images

هل من الطبيعي أن يبكي الأطفال خلال التمارين الرياضية؟

«لدى الأمهات قدرة على التقاط المعاناة في عيون أبنائهن، دون أن تكون الملابس الجديدة، أو التمارين الخفيفة حائلًا» *حجي جابر

لا تؤثر الرياضات جميعًا في جسم الطفل بالقدر نفسه، فبحسب دراسة حول التأثيرات الفسيولوجية لممارسة الرياضة، توصل مجموعة من الباحثين إلى أن الاستجابة الفسيولوجية للتمارين تتوقف على شدة التمرين ومدته، وتواتره، بالإضافة إلى الظروف البيئية أثناء التمرين البدني؛ إذ تزداد متطلبات الأكسجين في جسم الشخص، سواء كان طفلًا أو راشدًا، ومن الطبيعي أن يبكي الرياضيون عمومًا والأطفال خصوصًا خلال التمارين، ومن غير الطبيعي أيضًا أن يبكوا، تبدو الإجابة محيرة، لكن الإجابة الحقيقية تتوقف على طريقة البكاء.

المعضلة التي سبق للأمهات في صالة الجمباز الواقعة بمنطقة الهرم في مصر الوقوع بها، والتي تحدثنا عنها في بداية التقرير، وقعت فيها أم على الجانب الآخر من الكرة الأرضية، فدخلت إلى منتديات تجمعات الآباء الإلكترونية لتوجه سؤالًا بشأن بكاء طفلتها أثناء تمرين الجمباز، لكن تعليقات الآباء لم تزدها سوى حيرة؛ إذ بدا أنها مشكلة عامة لدى الأطفال خلال التمرينات الرياضية المختلفة.

تقول آن جوزيفسن، مدربة الجمباز، بصالة «جاج جيم»، والتي كتبت عبر المدونة الإلكترونية الخاصة بالصالة الرياضية، تتحدث عن الأمر من واقع خبرتها كمدربة، تقول: «ضغط الأطفال حتى يصلوا إلى درجة البكاء يحدث في كثير من النوادي الرياضية، لكن هل يجب أن يكون جزءًا روتينيًّا من التدريب؟ الإجابة أن الأطفال يبكون لأسباب طبيعية ومقبولة، وربما جيدة أيضًا؛ فمثلًا يبكي الطفل للتعبير عن التوتر، أو الخوف، لكنه قد يكون علامة لنا نحن الكبار أن الطفل بحاجة إلى الراحة، أو ربما بعض التوجيه»، ويمكن التفريق بين الدموع الطبيعية والدموع التحذيرية من خلال الملاحظة:

Embed from Getty Images

  1. تواتر البكاء: هل يبكي الطفل معتدل المزاج في كل الممارسات الخاصة بالتمرين من البداية للنهاية؟ أم في بعض المواضع خلال التمرين؟ إذا كان البكاء مستمرًّا ولا يتعلق بحركة بعينها ومصحوبًا بعلامات أخرى مثل اضطراب النوم، أو تغير الشهية، أو تغير المزاج، هنا يكون مدعاة للقلق.
  2. البكاء من الألم: يجب معالجته سريعًا، فالجمباز مثلًا لعبة صعبة، وستكون هناك أوقات يكون فيها التكيف معه مرهقًا ومؤلمًا، مع ذلك، وإن كانت الدموع طبيعية، فمن الطبيعي أيضًا معالجتها سريعًا، لضمان عدم إصابة الطفل، وذلك بالتوقف وعدم الإفراط في التدريب المؤلم، كذلك الترويح عنه لاحقًا.
  3. البكاء بسبب الإحباط: إن كانت الرياضة التي يمارسها الطفل تدفعه للبكاء يوميًّا نتيجة صعوبتها وليس نتيجة سوء المعاملة، فبالتأكيد سوف يحتاج الطفل دعمًا من أجل تقليل مستوى التوتر وإيجاد آلية للتأقلم مع الرياضة، وطريقة للتعامل مع مشاعر خيبة الأمل.
  4. التقدم في اللعبة: إذ يرتبط بمزيد من الخوف، وكلما زادت المهارات التي على اللاعب أن يتقنها زادت مخاوفه من إمكانية عدم إتقانها؛ ما يدفعه أحيانًا إلى البكاء.
  5. البكاء بسبب المدرب: مثلما يحتاج الآباء إلى تأديب أطفالهم، يحتاج المدرب في مرحلة ما إلى تأديب الطفل إذا فعل شيئًا خاطئًا، لكن للأمر حدودًا، فمن المقبول أن يقوم المدرب بالتصحيح ولكن بطريقة غير مهينة، وهنا قد يبكي الطفل كرد فعل طبيعي، لكن من غير المقبول أن يحدث ذلك بطريقة فيها إذلال علني أو شتائم أو سلوك تنمر من قبل المدرب.
  6. عدد الأطفال الباكين: إذا كان الفريق بالكامل يبكي؛ فهذا جرس إنذار يجب الانتباه له، من المألوف أن يكون هناك طفل أو اثنان يبكون كثيرًا، قد يتعلق الأمر بمزاجهم، أو مشكلة شخصية لدى الطفل، لكن إن كان الفريق بأكمله يبكي في اللحظة ذاتها هنا يجب مراجعة الموقف.
  7. كيف يتعامل المدرب مع البكاء؟ في بعض النوادي هناك قواعد صارمة تقول لا بكاء، وأي طفل يذرف الدموع يستبعد عن الممارسة فورًا، هذا أمر مقلق، ففي النهاية هم مجرد أطفال يلعبون رياضة، هذه ليست وظيفة وهم ليسوا رياضيين محترفين.
  8. البكاء في الطريق إلى التمرين: إن كان الطفل يبكي في الطريق إلى التمرين، هنا يجب أن يقلق الوالدان، من الطبيعي أن يعاني الطفل من قلق الانفصال في البداية، لكن من غير الطبيعي أن يعاني الطفل عقب تعوده من الخوف أثناء الذهاب إلى التمرين.

عمومًا يعد دور الآباء مهمًّا جدًّا لتجهيز أبنائهم للتعامل مع الانزعاج والإحباط وخيبة الأمل والألم بوصفهم جزءًا من الحياة، ومن الواجب الأخلاقي تربية الأطفال الذين يتعلمون تهدئة أنفسهم والتعامل مع تقلبات الحياة وتقلباتهم.

إذن.. ما الحل؟

الأمر ليس حكرًا على لعبة الجمباز فلكل لعبة متاعبها، حتى السباحة التي تبدو الأهدأ والألطف، تضم قائمة متاعب وآلام، بل إصابات أيضًا يجب للأمهات الانتباه لها، أبرزها متاعب الكتفين والعينين، والرقبة.

تربية

منذ شهرين
الطفل الحركي.. عندما تكون الحركة المفرطة علامة على تفوق طفلك العقلي

الحق أن الأبحاث ركزت بشكل عام على الألم الطبي، لكن الألم المرتبط بالرياضة لم يُدرس على نطاق واسع عند الأطفال، ولم تفحص الأبحاث حدوث الحوادث المؤلمة خلال التمرينات الرياضية، لكن تلك الدراسة حول الألم الذي يصيب لاعبي الجمباز بالذات، لاحظ خلالها الباحثون 61 طفلًا تتراوح أعمارهم بين خمس و10 سنوات في نادٍ للجمباز، واستُخدمت قائمة مرجعية لتسجيل الحوادث المؤلمة، وكذلك ردود فعل المدرب تجاه الألم، وقد خلصت الدراسة إلى أن 40% من الأطفال عانوا من تجربة مؤلمة خفيفة إلى متوسطة، واستجاب المدربون لأكثر من 60% من الحوادث المؤلمة.

تختلف الإصابات والمتاعب المتعلقة بكل لعبة، ويبقى سؤال الأمهات واحدًا، متى أتوقف كي لا أؤذي طفلي؟ ومتى أستمر حتى لا أحرمه فوائد الرياضة؟ في الواقع لا توجد إجابة قاطعة عن السؤال، فالأم هي الأقدر على معرفة الرياضة الأنسب لطفلها ومدى احتماله لها، مع الوضع في الحسبان أن الأمر ليس سهلًا، لكنه أيضًا يجب ألا يكون غير محتمل أو مزعجًا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد