لن يكون الأمر غريبًا عندما نعلم أن شخصًا ما سُرق أثناء تجوله في أحد البلاد الأفريقية الفقيرة؛ ربما يكون الخبر مزعجًا ولكنه لا يثير الدهشة، لكن عندما تعلم أن الشيء المسروق هو ذراع الرجل أو قدمه، عندما تدرك أن هناك من أوقفوا إنسانًا في تلك المنطقة المظلمة، وأرهبوه نفسيًّا حتى لا يطلب النجدة، وبسلاح أبيض حاد قطعوا ذراعه وتركوه ملقى على الأرض ينزف حتى يجده أحد أو يصل إليه الموت أولًا، فهذا ما قد يثر الدهشة حقًا.

تجارة الأعضاء، مصطلح اعتادته الأذن في الفترة الأخيرة، خاصة في ما يخص أعضاء الأطفال في العالم العربي، ولكن الأمر يختلف هُنا، فهؤلاء -من تُسرق أطرافهم ويقتلون ويمثل بجثثهم- هم المصابون بالمهق في تنزانيا. وتلك الأفعال ليست بغرض إنقاذ طرف آخر في حاجة ماسة للعضو وإلا توفي، بل الأمر متعلق بالسحر الأسود والمصالح الشخصية، التي حوّلت حياتهم إلى جحيم صُنع من الخوف والألم والحسرة.

فما قصة قتل المصابين بالمهق وتعذيبهم في تنزانيا؟ هذا ما نحكيه لكم في هذا التقرير.

«الموت الصغير» يغزو أفريقيا.. كيف يهدد الـ«كيفافا» مستقبل البشر؟

«يصطادون المصابين مثل الحيوانات»

بعد حصول السارق على هذه الذراع؛ كل ما عليه فعله الآن هو إتمام الصفقة المتفق عليها، وها هو يتجه للساحر الأسود الذي كلفه بالمهمة، ويناوله الذراع الذي يمكنك أن تتخيل الدماء المتساقطة منه وهي تغطي ملابس السارق وحذاءه.

يلتقطها الساحر بعيون لامعة، ويناول السارق مغلفًا أبيض به ما لا يقل عن 3 آلاف دولار ثمن هذا الجزء من جسد الشخص المُصاب بالمهق، ينظر السارق للمال ويفرح قليلًا، ثم يتمنى لو أنه أحضر الجثة كاملة؛ فقد تصل المكافأة إلى 75 ألف دولار.

على مدار سبعة سنوات، عكف المخرج هاري فريلاند على تتبع قصة المصابين بالمهق في تنزانيا وما يتعرضون له من جرائم واضطهاد، وقدم للعالم قصتهم الحزينة في فيلمه التسجيلي «In The Shadow Of The Sun» في عام 2012، ما لفت نظر العالم لتلك القلة المضطهدة في هذا البلد الأفريقي الفقير.

«هناك من يصطاد المصابين بالمهق في تنزانيا مثلهم مثل الحيوانات»، هكذا وصف الأمر مواطن شارك في هذا الفيلم التسجيلي، موضحًا أن الأكثرية يفضلون سرقة الأذرع حتى لا يتورطون في جريمة قتل كاملة، أحيانًا يلجأ أحدهم للتجارة بأقاربه من أجل تحسين دخله؛ فهناك من ضحى بأبنائه، ومنهم من سمح بقطع ذراع زوجته حتى يتمكن من إعالة أسرته، وفي تقرير نشرته الأمم المتحدة عن اضطهاد المصابين بالمهق في أفريقيا، كانت تنزانيا على رأس هذه القائمة.

وأوضح التقرير أن معظم الهجمات الموثقة شملت تقطيع أطراف الضحية؛ مما يؤدي إلى وفاتها في أكثر من حالة، وقطع رؤوس ضحايا آخرين، وسرقة الأعضاء التناسلية والأذنين وسلخ قطع من الجلد، وقطع اللسان، وسرقة العينين والقلب أيضًا.

وعلى الرغم من انتشار تلك الجرائم في حق المصابين بالمهق في تنزانيا، إلا أن مساعي الحكومة هُناك لا ترقى لحجم الأزمة وفقًا لما تراه جماعات حقوق الإنسان، وعدد القتلة والسارقين الذين يقدمون للعدالة نتيجة تلك الأفعال قليلة للغاية، ولا يعترف أحد منهم على مُحرضه، ما يجعل عقابه هو المكسب الوحيد من الإمساك به، ولكنه أيضًا لا يساعد الشرطة على الوصول إلى أصل المشكلة من ممارسي السحر الأسود.

موسم صيد «الأشباح البيضاء»

بيندو نوندي ذات الأربعة أعوام إحدى المصابات بالمهق، تلك الطفلة التي ادعت أسرتها أنها اختفت في عام 2015، لم تظهر حتى الآن، وقد قبض على والدها وأعمامها لكونهم المتهمين الأساسيين في القضية؛ نظرًا إلى تأخرهم في التبليغ عن اختطافها، وكأنهم يمنحون الخاطف الوقت الكافي للابتعاد، ولكن الشرطة لم تستطع إثبات التهمة عليهم.

لقطة من الفيلم التسجيلي «In The Shadow Of The Sun»

الشخص المُصاب بالمهق في تنزانيا يتعرض للاضطهاد منذ ولادته، في منزله تعتبره أسرته فألًا سيئًا بسبب اختلاف لون بشرته، ولكن في عوالم السحر الأسود يُطلق عليهم «الأشباح البيضاء»، وتؤمن القبائل التي تمارس السحر الأسود في أفريقيا أن الطقوس التي تتطلب تضحية بشرية من المصابين بالمهق، لها تأثير فعال وسريع لجلب الحظ والثروة والنجاح لصاحب العمل السحري.

ولكن السؤال الذي يطرحه المهتمون بهذا الشأن: من أين يأتي هؤلاء السحرة الفقراء بتلك المبالغ الخيالية؟

اتضح في ما بعد أن تلك التجارة تزدهر، وتزيد حوادث القتل والبتر مع اقتراب موعد الانتخابات العامة. «المصابون بالمهق يختبئون وقت الانتخابات خوفًا من الموت»، تصريح لبيتر آش أحد المدافعين عن حقوق المصابين بالمهق في تنزانيا، وحذرت الأمم المتحدة من أن المرشحين السياسيين يلجأون للسحرة والمشعوذين مستخدمي السحر الأسود؛ حتى يساعدوهم بالأعمال السحرية على الفوز في الانتخابات، وهم على استعداد لدفع مبالغ طائلة لهذا الغرض.

ووصول هؤلاء إلى تلك المكانة الاجتماعية والسياسية، لم يغير المعتقدات التي تربوا عليها في تلك المناطق الفقيرة في أفريقيا، فهؤلاء السياسيون سمعوا حكايات منذ صغرهم عن «الأشباح البيضاء» الذين خلقوا ليعذبوا من أجل سعادة البشر الطبيعيين سود البشرة.

بيندو سينجرما بعد تعرضها للحادث. مصدر الصورة «Underthesamesun»

وقد حاولت الشرطة السيطرة على تلك الممارسات السحرية، ومنعت السحرة من ممارسة نشاطهم -على الأقل في العلن-، ولكن من قبض عليه من السحرة لم يعترف باسم أي من عملائه من السياسيين أو رجال الأعمال الناجحين الباحثين عن مزيد من النشاطات التجارية الناجحة، ولذلك اضطرت الشرطة في تنزانيا لإقامة مُجمع صغير مثل محمية أو مخيم، بأسوار عالية، وحجزت فيه كل المصابين بالمهق لحمايتهم، لتكون الضحية سجينة، والجناة طلقاء ينعمون بحياتهم.

«أنا أطلب من الشرطة أن تحجزني في المكان الآمن» هكذا صرحت بيندو سينجرما المراهقة المصابة بالمهق للإعلام، بعد أن هجم عليها في منزلها مجموعة من الرجال، وأمام أعين أسرتها على مائدة العشاء، قطعوا ذراعها وهربوا، ولجأت بيندو للشرطة بغرض نقلها إلى هذا المُجمع المعزول، خوفًا من يأتي هؤلاء الرجال للحصول على ما تبقى من جسدها.

مرضى المهق: «نريد أن نكون جزءًا من المجتمع»

لمن لا يعرف، فالمهق هو اضطراب خلقي وراثي نادر غير معد، ولا يمكن الشفاء منه، ولكنه أيضًا لا يزداد سوءًا مع الوقت، ويحدث المهق بسبب طفرة في الجينات تؤدي لانعدام مادة الميلانين في الجسم، وهي المادة التي تمنحه لونًا للجلد والشعر؛ ولذلك نجد بشرة كل المصابين بالمهق شاحبة ولون شعرهم يكاد لا يُرى.

أحد المصابين بالمهق في المخيمات المعزولة

وقد يولد طفل مصاب بالمهق لآباء لا يعانون من العرض نفسه، وفي تنزانيا بعد بناء تلك المجمعات والمخيمات المخصصة لهم، بدأ الأهالي في التخلي عن أبنائهم وإرسالهم إلى تلك المخيمات، مخبرين إياهم أنها المكان الآمن لهم.

وهناك أطفال عاشوا ما يزيد على سبع سنوات دون العودة إلى منازلهم مرة أخرى، وفي معظم الحالات يكون هذا بناء على رغبة الأهل أنفسهم، ويقول بيتر آش للإعلام -والذي يعاني من الخلل الجيني نفسه: «نحن نريد أن نكون جزءًا من المجتمع»، ولكن في تنزانيا عزل المصابين بالمهق هو الحل الوحيد الآن لحمايتهم من تلك التجارة التي لا زلت رائجة حتى الآن.

كيف يمكننا تتبع تاريخ العنصرية من خلال اللوحات الفنية؟

المصادر

تحميل المزيد