بعد صمت طويل، جاءت قضية مقتل ريجيني، الشاب الإيطالي، لتصعَد الحديث الغربي عن قمع النظام المصري لمعارضيه، بشكل ملحوظ، شاملًا قرارات برلمانية وتصريحات رسمية وتقارير صحافية ضد القمع المصري، وسط سياق قانوني يسمح بذلك، ليكشف ما وصفه محللون بـ«عنصرية الغرب».

الغرب يتذكر انتهاكات النظام المصري بعد مقتل ريجيني

في 10 مارس (آذار)، أقر البرلمان الأوروبي بموافقة أغلبيته، قرارًا يوصي فيه بوقف المساعدات العسكرية، وتصدير الأسلحة لمصر، وعلى الرغم من أن القرار جاء ارتباطًا بقضية الطالب الإيطالي جوليو ريجيني، إلا أن نصه لم يخلُ من الحديث عن انتهاكات حقوق الإنسان في مصر، عندما أكد القرار على «القلق البالغ من أن قضية جوليو ريجيني ليست بالحادث  المنعزل، لكنه يأتي في سياق من حالات التعذيب والموت في السجون، والاختفاءات القسرية، عبر أنحاء مصر في السنوات الأخيرة».

ولفت القرار إلى تنفيذ الحكومة المصرية الحالية، ما أسماها بالحملة واسعة النطاق، من الاعتقالات «التعسفية» بحق مُعارضي الحكومة، مُطالبًا بالإفراج الفوري وغير المشروط عن كافة المُحتجزين، والصادر ضدهم أحكام، لأنهم فقط مارسوا «حقهم في التعبير والتجمع السلمي».

وبعد حوالي أسبوع من قرار البرلمان الأوروبي، أعرب وزير الخارجية الأمريكي جون كيري عن قلقه «العميق إزاء التدهور في وضع حقوق الإنسان في مصر»، ففي بيان أصدرته وزارة الخارجية الأمريكية، في 18 مارس (آذار) 2016، وصف تحقيقات النظام المصري مع منظمات المجتمع المدني الحقوقية، بالقرار الذي «يأتي في سياق أوسع من الاعتقالات وترهيب المُعارضة السياسية، والصحافيين والناشطين وآخرين».

سياق قانوني لفرض العقوبات على مصر

يوجد أسس قانونية قوية يُمكن من خلالها أن توقف أوروبا وأمريكا، المُساعدات المُقدمة لمصر، وبالأخص العسكرية منها، ومن أهم هذه الأسس، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والذي يشمل موادًا تُعزز من الحريات وحقوق الإنسان، وترفض انتهاكها.

وكان البرلمان الأوروبي قد استند بالفعل إلى هذا الإعلان، في إطار انتقاده لانتهاكات حقوق الإنسان في مصر، على خلفية مقتل ريجيني، لافتًا إلى أن العلاقات بين أوروبا ومصر، تعتمد اعتمادًا كبيرًا، على احترام مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان، وذلك وفقًا للمادة الثانية من اتفاقية الشراكة بينهما.

مقتل ريجيني

القانون الأمريكي يحظر التعاون العسكري مع دول تنتهك حقوق الإنسان

وفي الولايات المتحدة، هناك قانون «ليهي لحقوق الإنسان»، الذي يحظر استخدام برنامج التدريب العسكري المُشترك للقوات الأمريكية، مع دولٍ تنتهك قواتها الأمنية حقوق الإنسان، ما يستوجب الفحص والدراسة لممارسات قوات الأمن المصرية، كي لا تدعم الجهود والتدريبات العسكرية الأمريكية، الدول والأنظمة القمعية. وقد استعان معارضون بهذا القانون، لمطالبة الولايات المتحدة بعدم إعادتها المساعدات العسكرية للجانب المصري. إذًا، بإمكان الدولة الغربية استخدام مثل تلك القوانين ضد السلطات المصرية، إلا أن صفقات مصر الاقتصادية مع عددٍ من دول أوروبا، غالبًا ما كانت تحول دون ذلك.

تصعيد صحف غربية ضد النظام المصري

« مصر.. ديكتاتورية مُتوحشة من قائد محدود المواهب»، هكذا وصفت مجلة إنترناسيونالي الإيطالية، النظام المصري، واضعة صورة للرئيس عبدالفتاح السيسي، على غلاف المجلة. على هذا النحو احتدت لهجة الصحافة الغربية ضد السيسي، بالتزامن مع التصعيد الرسمي للاتحاد الأوروبي.

مقتل ريجيني

صورة غلاف المجلة (المصدر: الصفحة الرسمية للمجلة)

في بريطانيا، أفردت صحيفة الإنبندنت البريطانية، تقريرًا عن الإخفاء القسري في مصر، نقلته شبكة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» حيث جاء في التقرير المُعنون بـ«عار مصر الجديد: وباء حالات الاختفاء القسري باسم الأمن»، أن المصريين باتوا يخافون من حكومتهم خوفًا متزايدًا، بخاصة مع وصول عدد المُختفين قسريًّا العام الماضي، إلى حوالي 1840 شخصًا، في إطار ما وصفته الصحيفة بـ«عمليات الخطب العقابية»، التي تنفذها الدولة.

وفي الولايات المتحدة، نشرت صحيفة واشنطن بوست في 17 مارس (آذار)، تقريرًا بعنوان «لا تُكافئ مصر على سجن الأبرياء»، في رسالة واضحة إلى الرئيس الأمريكي باراك أوباما. ونقلت الصحيفة عن مركز النديم لحقوق الإنسان، عددًا من الإحصاءات المرتبطة بانتهاكات حقوق الإنسان، مثل وجود 464 حالةً موثقةً لعمليات خطفٍ من جانب قوات الأمن، العام الماضي، بالإضافة إلى 676 حالة تعذيب على الأقل، ونحو 500 حالة وفاة لمعتقلين.

لفتت الصحيفة، إلى أن من أسمتهم الحلفاء الغربيين لمصر، تجاهلوا تلك الانتهاكات إلى حد كبير. وأن حادثة الطالب الإيطالي أدت إلى بعض التدقيق، الذي اعتبرته متأخرًا، في «السجل المروع لنظام السيسي في مجال حقوق الإنسان».

وانتقدت الصحيفة طلب أوباما من الكونجرس، إزالة شرط يربط 15% من المساعدة، بسجل الحكومة في مجال حقوق الإنسان، وذلك في سياق طلب الإدارة الأمريكية، منح مُساعدة عسكرية أخرى للقاهرة، بقيمة 1.3 مليار دولار، في ميزانية العام المقبل، وقد اعتبرت الصحيفة أن ذلك الطلب بمثابة «رسالة حصانة للانتهاكات» التي يُمارسها النظام المصري بحق مُعارضيه، أو من يُشتبه في مُعارضته.

من جانبها، أفردت صحيفة نيويورك تايمز، مساحة لحادثة الطالب الإيطالي جوليو ريجيني، في تقرير بعنوان «مقتل الطالب الإيطالي يُسلط الضوء على استقرار مصر»، وكما يتضح من عنوانه، فإن التقرير يُشير إلى أنّ حادثة ريجيني كانت سببًا في اهتمام مسؤولين غربيين بقضايا حقوق الإنسان في مصر.

الصحيفة نفسها، اعتبرت أن وضع حقوق الإنسان في تدهور منذ وصول السيسي إلى السلطة في 2013، إلا أنها اعتبرته في أسوأ مراحله في الآونة الأخيرة، لافتة إلى حالات الاختفاء القسري والتعذيب.

محاولات لتفسير التصعيد المُفاجئ

ما اعتبره البعض تصعيدًا غربيًا مُفاجئًا ضد مصر، اعتبره الباحث الحقوق أحمد مفرح، تعاملًا تدريجيًّا من جهة المجتمع الدولي، تجاه انتهاكات النظام المصري. يُوضّح مِفرح لـ«ساسة بوست»، أن المجتمع الدولي حاول بدايةً لفت نظر النظام المصري إلى الانتهاكات التي ارتكبها عبر توثيقها من قبل خبراء مستقلين في الأمم المتحدة.

لكن، عندما لم تُقابل خطوات لفت النظر الدولي، باهتمام من النظام المصري، كان لا بد من التصعيد، بخاصة وأن مُؤشرات الانتهاكات وصلت إلى «مُستوياتٍ غير مسبوقة»، كما يقول مفرح، الذي يرى أنه على النظام المصري أن يخفف من إجراءاته «القمعية» ضد المعارضين، كي لا يتعرض لمزيدٍ من التصعيد ضده من قبل المجتمع الدولي.

المفكر القومي، ومستشار الرئيس المعزول محمد مُرسي، قبل أن يتقدم باستقالته احتجاجًا على الإعلان الدستوري المُكمّل، محمد سيف الدولة، أعرب عن رفضه الانتهاكات التي يتعرض لها المصريون في الداخل، وفي نفس الوقت رفضه ما أسماه التدخلات الأجنبية في الشؤون المصرية.

وفي حديثه لـ«ساسة بوست»، وصف سيف الدولة، القادة الغربيين بـ«العنصريين»، وذلك بسبب صمتهم خلال السنوات الماضية، تجاه الانتهاكات بحق المواطن المصري، لكنهم في المُقابل تحركوا حين مست الانتهاكات «واحدًا منهم»، على حد تعبيره.

يقول سيف الدولة: «إنه موقف قديم، ينتمي إلى العقلية العنصرية الأوروبية الغربية البيضاء، ضد كل شعوب العالم»، مُؤكدًا على أنه «من ثوابت السياسة الخارجية الأمريكية والأوروبية، استخدام تقارير حقوق الإنسان، كورقة للضغط والتفاوض مع الأنظمة الحاكمة العربية؛ بُغية الحصول على مزيدٍ من المكاسب».

عرض التعليقات
تحميل المزيد