لم يقتصر الحديث عن قضية مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني، على الجانبين المصري والإيطالي فقط، فبعد قرار البرلمان الأوربي الذي أدان الواقعة، تدخلت أطراف أُخرى، كالولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا، وألمانيا، وفرنسا؛ للحديث عن القضية التي بات واضحًا كيف أنّها مُزعجة للنظام المصري.

فبالإضافة إلى تناول الصحف الأجنبية للقضية، مع تسليط الضوء، على آليات «قمع» النظام المصري لمعارضيه، امتد الأمر للحديث الرسمي من دول وبرلمانات غربية تبدو أنها حليفة لكلا الجانبين المصري والإيطالي، وسط شكوك حول حدود ذلك التصعيد، وكيفية تأثر النظام المصري به، الذي بدأ هو الآخر بمطالبة دولٍ غربية، بسرعة الكشف عن ملابسات مقتل مصريين هناك.

أمريكا تطالب بتحقيق شامل ومُحايد

بعد حوالي أسبوع من قرار البرلمان الأوروبي بإدانة مقتل جوليو ريجيني، أعرب وزير الخارجية الأمريكي جون كيري عن «قلقه العميق إزاء التدهور في وضع حقوق الإنسان في مصر»، ففي بيان أصدرته وزارة الخارجية الأمريكية، في 18 مارس (آذار) 2016، وصفت تحقيقات النظام المصري مع منظمات المجتمع المدني الحقوقية، بالقرار الذي «يأتي في سياق أوسع من الاعتقالات وترهيب المُعارضة السياسية، والصحافيين والناشطين وآخرين».

وبعد تجاهل أمريكي طويل للحديث عن قضية ريجيني بشكل مباشر، دعت الولايات المتحدة في 20 أبريل (نيسان) الماضي، على لسان جون كيربي المتحدث باسم الخارجية الأمريكية، إلى إجراء تحقيق «شامل ومحايد»، في مقتل ريجيني. مؤكدًا، في تصريحات صحافية، على أن التفاصيل التي تكشفّت منذ مقتله، «أثارت تساؤلات بشأن ملابسات وفاته يمكننا فقط معرفتها من خلال تحقيق محايد وشامل».

من جانبها أعلنت السلطات المصرية، في اليوم التالي لذلك البيان الأمريكي، مقتل المواطن المصري محمد محمود رشدي، في ولاية إنديانا الأمريكية، بعد العثور على جثته بإحدى صناديق النفايات الكبيرة، وعليها آثار تعذيب، بعد يوم من اختفائه. وبعد حوالي أسبوع من كشف مقتله، استدعت وزارة الخارجية المصرية في  28 أبريل (نيسان) الماضي، المسؤول عن القسم القنصلي بالسفارة الأمريكية في القاهرة، لـ«التأكيد على أهمية الشفافية، وسرعة الكشف عن الجناة»، في النفس اليوم الذي أمر فيه النائب العام المصري، بفتح التحقيق في قضية رشدي.

الضغوط أكبر في بريطانيا

عاش ريجيني في بريطانيا عشر سنوات، ودرس في جامعة كامبريدج البريطانية، تلك العوامل، ساعدت على أن تكون الضغوط الشعبية كبيرة نسبيًا في بريطانيا، إذ قادت آن أليكسند، صديقة ريجيني في جامعة كامبريدج، حملة توقيعات لعريضة تدعو الحكومة البريطانية إلى العمل على ضمان إجراء «تحقيق موثوق به في جريمة قتل ريجيني». ونجحت الحملة في جمع أكثر من عشرة آلاف توقيع، وهو ما يُلزم الحكومة البريطانية بالرد على العريضة.

وبعد أكثر من شهرين على مقتل ريجيني، عبّرت وزارة الخارجية البريطانية، في 12 أبريل (نيسان) الماضي، عن «اهتمام بالغ»، بشأن تعرض ريجيني للتعذيب، داعيًة إلى إجراء تحقيق «شامل وشفاف»، في القضية. وأضافت الخارجية البريطانية في بيانها الرسمي: «أثرنا القضية مع السلطات المصرية في لندن والقاهرة، وشددنا على الحاجة إلى إجراء تحقيق شامل وشفاف، ومازلنا نجري اتصالات مع السلطات الإيطالية والمصرية».

وأدانت صديقة ريجيني تحرك الحكومة البريطانية بعد جمع عشرة آلاف توقيع، على اعتبار أن «الأمر لا يحتاج كل ذلك كي تتحدث بريطانيا عن قضية ريجيني». وأكدت أن أصدقاء ريجيني، وداعميه، يعتبرون البيان «رقيقًا»، ولا يمس السلطات المصرية بطريقة «حاسمة»، مُتوقعة أن تتبع الحكومة البريطانية ذلك، بخطوة جديدة، «وأفضل بكثير».

اقرأ أيضًا: مقتل ريجيني يوجه نظر العالم إلى قمع النظام المصري لمعارضيه

وبعد حوالي أسبوعين من البيان الأول، جاء بيان بريطاني آخر بلغة أكثر شدة، وذلك في 26 أبريل (نيسان) الماضي، عندما عبّرت الخارجية البريطانية عن شعورها بـ«خيبة أمل من التقدم المحدود»، في قضية ريجيني، بعد ثلاثة أشهر من وفاته، مُعربةً عن قلقها من أن إيطاليا وجدت التعاون مع السلطات المصرية «غير كاف». ودعت بريطانيا السلطات المصرية، إلى دراسة «كل السيناريوهات» أثناء التحقيق»، في إشارة ضمنية إلى ضرورة التحقيق في سيناريو، قد يُدين أجهزة الأمن المصرية ذاتها.

وبعد بياني الحكومة البريطانية عن قضية ريجيني، يبدو أن الضغوط الشعبية والحقوقية، لازالت مُستمرة عليها في هذا الصدد، إذ دعت مُنظمة العفو الدولية في بريطانيا، إلى تنظيم وقفة احتجاجية في الأول من مايو (أيار)الجاري؛ للتضامن مع قضية ريجيني.

في المقابل، وبعد يوم من البيان البريطاني الأخير، طالبت مصر بريطانيا، بتكثيف جهودها وتحرياتها لكشف ملابسات مقتل المواطن المصري عادل حبيب ميخائيل، الذي وُجد يوم 27 أبريل (نيسان) الماضي، محروقًا في أحد شوارع العاصمة البريطانية لندن، وهو ما أكدت الخارجية البريطانية عليه. وأمر النائب العام المصري أيضًا في التحقيق في قضية ميخائيل.

ألمانيا: قضية ريجيني تشغل أوروبا بأكملها

لم تُعلق الحكومة الألمانية بعد على قضية ريجيني، لكن نائب رئيس البرلمان الألماني كلاوديا روث، طالبت في مؤتمر صحافي عقدته يوم 22 أبريل (نيسان) الماضي وزير الداخلية المصرية مجدي عبد الغفار، بسرعة الكشف عن ملابسات قضية ريجيني، «التي أصبحت تشغل أوروبا بأكملها»، على حد تعبير روث، التي أكدت تناول القضية مع عبدالغفار الذي تعهد بالكشف عن ملابسات القضية، كما قالت.

وتحدثت روث مع وزير الداخلية المصرية، عن قضايا منظمات المجتمع المدني، وحرية الرأي وحرية الصحافة، وحقوق الإنسان، مُشيرة إلى أن «ميثاق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، قد وضع قوانين خاصة بحقوق الإنسان، وهي تلائم جميع المجتمعات والشعوب، ولا بد من تحقيق التوازن بين المحافظة على الأمن والمحافظة على الحريات»، على حد قولها.

ويُذكر أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، يشمل موادًا تُعزز من الحريات وحقوق الإنسان، وترفض انتهاكها. وتضع أسس قانونية قوية تُمكن أوروبا من وقف المُساعدات المقدمة إلى مصر.

اقرأ أيضًا: كيف استقبلت ألمانيا «السيسي»؟

وتجدر الإشارة إلى أن رئيس البرلمان الألماني، نوربيرت لامرت، كان قد رفض لقاء الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، عند زيارة الأخير لألمانيا، مطلع يونيو (حزيران) الماضي؛ بسبب انتهاكات حقوق الإنسان في مصر، وكثرة أحكام الإعدام، التي شملت الرئيس المعزول محمد مرسي، ورئيس البرلمان السابق محمد سعد الكتاتني، مُعتبرةً أن لقاء السيسي «لا جدوى منه». وكانت صُحفٌ ألمانية، قد وصفت السيسي بـ«الضيف ثقيل الظل في برلين».

فرنسا: ملف الإرهاب أولى من حالتي «ريجيني» و«لانج»

رغم مقتل المواطن الفرنسي، إريك لانج في مصر قبل عامين، في واقعة يبدو أنها شبيهة بواقعة ريجيني، إلا أن موقف فرنسا الرسمي، الذي اقترب من موقف النظام المصري، بوصف تلك الحالات بـ«الفردية»، كان أقل المواقف الغربية «شدة»، في تلك القضية.

ففي مؤتمر صحافي بالقاهرة، سُئل الرئيس الفرنسي فرنسوا أولاند، أثناء زيارته إلى مصر، عن قلق منظمات حقوق الإنسان، من ملف مصر الحقوقي، واتهامات التعذيب في قضيتي لانج وريجيني، لافتًا إلى مناقشته القضيتين مع الجانب المصري، وواصفًا إياهما بـ«الحالات الفردية»، التي لم تستطع مصر كشف ملابساتها. وأضاف أن «التطرق لملفات بعينها وترك ملفات أخرى، تهدد أمن العالم مثل الإرهاب، يعتبر خيانة لفرنسا وأوروبا»، مؤكدًا على ضرورة التنسيق بين البلدين في «ملف الإرهاب».

https://www.youtube.com/watch?v=9q_9Z2tI-_o

ويُرجع محللون، التماهي الفرنسي النسبي مع الموقف المصري، في التعامل مع قضيتي ريجيني ولانج، إلى قوة علاقة البلدين الاقتصادية والعسكرية، البادية في إبرام الجانب المصري مع نظيره الفرنسي، صفقات ضخمة بمليارات الدولارات. ففي الزيارة الأخيرة لأولاند بالقاهرة، خرجت فرنسا بعقود في مجالات الطاقة المتجددة والمواصلات والتصنيع العسكري، بلغت قيمتها 2.3 مليار يورو (2.6 مليار دولار).

لتُضاف الصفقات الأخيرة إلى صفقات أقدم وأضخم، من أبرزها شراء مصر في 16 فبراير (شباط) 2015، 24 طائرة رافال، وسفن حربية، وصواريخ، في صفقة بلغت قيمتها 5.2 مليار دولار. وفي 24 سبتمبر (أيلول) من نفس العام، أبرمت مصر صفقة مع فرنسا بلغت قيمتها 950 مليون يورو، تحصل بموجبها مصر على حاملتي سفن من طراز ميسترال، كانت طلبتها روسيا من فرنسا قبل أن تتعطل الصفقة بين موسكو وباريس، إثر العقوبات الغربية على موسكو في أزمة أوكرانيا وجزيرة القرم.

اقرأ أيضًا: هل تستفيد مصر حقًّا من صفقة السفن البحرية «ميسترال»؟ 8 أسئلة تشرح لك الأمر

إلى أي مدى يُمكن أن يصل التصعيد الغربي ضد مصر؟

للإجابة على هذا السؤال، تحدث «ساسة بوست»، إلى الباحث المصري، مصطفى عبده، الذي أعرب عن اعتقاده، بأن التصعيد، «لن يرقى إلى قطع العلاقات، سواء الدبلوماسية أو الاقتصادية»، مُوضحًا أنه رغم كثرة الانتقادات الأوروبية الحكومية والبرلمانية، لوضع حقوق الإنسان في مصر، « لكن عندما يأتي الأمر إلى مرحلة الأفعال، الكل يتوقف لأن مصالحه الاقتصادية أولى لديه من حقوق الإنسان»، نافيًا «الاهتمام الغربي بحقوق الإنسان، كما يظن البعض، وإلا كانوا قد اتخذوا أي خطوات جادة لسوريا، أو بورما»، كما قال.

ونفى عبده، أن يتأثر النظام المصري بتلك الانتقادات، بتحسين أوضاع حقوق الإنسان في مصر، مُوضحًا أن الحكومات الأوروبية، ترى أن نظام السيسي، «فرصة ذهبية، قد يستغلونها، بعيدًا عن شعارات حقوق الإنسان، بخاصة في ظل الحاجة الملحة إلى السيسي، في ملف مكافحة الإرهاب»، مُفسرًا تراجع بعض الشركات الأجنبية عن الاستثمار في مصر، إلى «الفساد المستشري في البلاد، وبيروقراطية الحكومة، وعدم الشفافية، وليس بسبب انتهاكات حقوق الإنسان»، على حد قوله.

عرض التعليقات
تحميل المزيد