يذكرني كيم جونغ إل بـ Dr. Evil، الشخصية التي نراها في سلسلة أفلام Austin Powers؛ دائمًا يحاول أن يجعل الناس يأخذونه على محمل الجد، لكنّه يقابل بسخرية وضحك الجميع.

متبخترًا، منفوش الشعر، يصف نفسه بذواقة النبيذ والسيجار الفاخر، ويصفه إعلامه – المبدع دومًا – بالمخترع العبقري، والرياضي الذي حقق أقل عدد من الضربات في مرته الأولى للعب الجولف. كان كيم ليصبح شخصية هزلية بامتياز، لو تمكنّا من التغاضي عن البؤس الذي سببه لملايين البشر، والخطر العظيم الذي كاد أن يسببه لملايين آخرين بسعيه الطائش نحو امتلاك السلاح النووي. كيم جونغ إل، في عمر يناهز التسعة وستين عامًا، كان زعيمًا لآخر دكتاتورية حقيقية على الأرض، وخلفه ابنه كيم جونغ أون، ليكمل المسيرة القمعية. ورغم أن الديمقراطية تزدهر في أغلب البلدان الأخرى، فإن الأسرة الحاكمة التي دامت لخمسة وستين عامًا من القمع والقتل في كوريا الشمالية لا يبدو أنها تأثرت كثيرًا بوفاته.

كانت بداية اقتناعي برسوخ النظام الكوري عندما تمكنت من رؤية كيم جونغ إل عن قرب. كان اليوم هو الثاني والعشرون من أكتوبر، عام 2000. كنّا مجموعة من المراسلين في صحبة وزيرة الخارجية – آنذاك – مادلين أولبرايت، في زيارتها التاريخية لكوريا الشمالية. وفي وقت غروب الشمس على بيونجيانج، عاصمة دولة كيم المنغلقة، تم اقتيادنا إلى ملعبٍ دائريٍ واسع. أخبرونا أننا سنشاهد استعراضًا رياضيًا من نوع ما هناك. كانت الأجواء صامتة تمامًا عندما دخلنا، كما لو كانت المدرجات فارغة. ولكن عندما نظرنا حولنا، وجدنا أن كل المقاعد ممتلئة. قدّر المسئولون العدد فيما بعد بمائة ألف. وفي الساحة، احتشد عشرات الآلاف من المشاركين في الاستعراض، بثياب زاهية ملونة، حاملين الأعلام الحمراء. لا ينطقون، لا يتحركون، كقطع جامدة على رقعة شطرنج.

ثم فجأة. دخلت أولبرايت ومعها كيم جونغ إل، القائد المعظّم للدولة الشيوعية ذات الواحد وعشرين مليون نسمة  كان شكل كيم غريبًا، بقصره وبدانته، وجسده الذي لم يختلف كثيرًا عن أولبرايت الصغيرة. شعره مفرود إلى الأعلى ليطيل قامته بوصة أو اثنتين. لكن رد فعل الجمهور كان مذهلًا: وقف كل الحضور مندفعين في تصفيق حاد وصيحات ترحاب. آلاف الكوريين بملابسهم السوداء يحاول كل منهم أن يصفّق أفضل من الآخر. أما من في الملعب فقد تحركوا ككتلة واحدة إلى الأمام، يهتفون ويتقافزون أمامه.

ثمّ فجأة توقف الكلّ كأنما بعصا ساحر. خفتت الأضواء، وجلس كيم وأولبرايت. ما تلا ذلك كان مذهلًا، وبدرجة ما مخيفًا. بتناسق حركي يجعل أي مصمم رقصات ببرودواي يشعر بالحسد، أدّى مائة ألف لاعب أكروبات، لساعة كاملة، استعراضات مستوحاة من تاريخ ثورتهم التي تعود لعام 1945، والتي كانت في الواقع عبارة عن تنصيب سوفييتي لكيم إل سونج، والد كيم جونغ إل. آلاف الأرجل والأيدي تتحرك في انسجام تام. أطفال لا تتجاوز أعمارهم السابعة أو الثامنة يستعرضون على أنغام الأغاني الوطنية. ساروا على حبال على ارتفاع مئات الأقدام، وتم قذفهم بالمنجنيق لمسافة تقدر بنصف طول الملعب ليستقروا في شباك مجهزة. بالكاد أخطأ أحدهم في حركة واحدة.

وفي أقصى الملعب، عُرضت صور عملاقة للحظات ثورية عظيمة. أدركنا بعد بضعة دقائق أن هذا الجزء من الملعب مكون من خمسين ألفًا من البشر يحمل كل منهم كتابًا من اللافتات الملونة.  يبدل الصفحة بإشارة متفق عليها، ليخرج هذا الجمع الغفير بصور مذهلة: موجات بحر عملاقة وومضات رعد ليرمزوا إلى “بحر الصعاب الهائج” الذي واجهته الثورة. جرارات تحرث الأرض للتغلب على مجاعة 1997، وخريطة تظهر زيارات كيم إل سونج الأربعة والخمسين إلى زملائه الشيوعيين الذين لم يبق منهم أحد الآن. كانت موضوعات سخيفة، لكن البصريات كانت عبقرية.

كان العرض يهدف إلى إبهار أولبرايت التي لم يسبق لمسئول أمريكي أرفع منها في المكانة أن زار كوريا الشمالية. أرادوا أن يوصلوا الفكرة بأن الشيوعية حية ترزق، حتى وإن كان هذا في هذه المنارة الآسيوية الوحيدة. وقد نجحوا في ذلك بقدر ما. همست لأحد رفاقي بعد انتهاء العرض: “فقط نظام شمولي يستطيع أن يخرج بمثل هذا العرض”.

تذكرت هذا المشهد لاحقًا عندما سمعت مسئولي الولايات المتحدة يتنبؤون بقرب سقوط الدكتاتورية الشمولية بكوريا الشمالية كما سقط غيرها من قبل. تذكرته مرة أخرى عندما أعلن الإعلام الكوري – المخلص إلى النهاية – أن كيم إل سونج مات باعتلال في القلب داخل القطار في يوم 17 ديسمبر 2011، بسبب الضغط العقلي والجسدي الشديد الذي تعرض له إثر جولة ميدانية متوترة.

استمتع الغرب إلى حد ما بمجهودات كيم جونغ إل للفت الانتباه، وظل منتظرًا الإطاحة به. كان كيم رجلًا مثيرًا للاحتقار، عديم الأخلاق، يغرق في الكونياك والسجائر الفاخرة بينما شعبه يتضور جوعًا. اختطف ذات مرة نجومًا سينمائيين من كوريا الجنوبية ليبدأ صناعة السينما في كوريا الشمالية. في اجتماع سري لجورج بوش مع سياسيين جمهوريين عام 2002، وصف الرئيس الأمريكي رئيس كوريا الشمالية بالقزم الكريه الذي يتصرف كطفل مدلل على مائدة طعام. وأعلن باول وولفويتز، نائب وزير الدفاع في حكومة بوش، عام 2004 أن كوريا الشمالية على شفا حفرة من الانهيار الاقتصادي، وأن سحب الدعم عن الحكومة سيؤدي إلى الانهيار السياسي كذلك.

لكن هذا لم يحدث، ومن غير المحتمل حدوثه قريبًا. لا يجود في العالم كله دولة شمولية منغلقة بهذا القدر. نظام كهذا لم يوجد منذ وفاة ستالين؛ وحاشيته التي تشبه حاشية كيم جونغ إل كثيرًا. لقد أمضيت بعض الوقت في دول بوليسية قمعية أخرى، ولكن حتى في المناطق التي يستشري فيها القمع إلى أقصى الحدود، يسري تيار – ولو خفي – من المعارضة. تسمع صوتًا مكتومًا من المطاعم، الحانات وأماكن التجمعات الخاصة. سائقو التاكسي في العراق كانوا ينتهزون الفرصة حينما يشعرون بالقهر ولا أحد يراهم، ليصبوا لعناتهم على الدكتاتور صدام. المتمردون في ميانمار، في أعتى لحظات الانكسار، كانوا يتهامسون بدعمهم للقائد الديمقراطي أونغ سان سو كيي. يحتقر سكان سايغون الفييتنامية صناع القرار في الشمال. أما في الصين، بعد وفاة ماو، فقد أعاد الناس تقييم سياساته، واعترف الحزب الشيوعي في النهاية بعدم نجاح بعض سياسات ماو تسي تونغ، مثل ثورة الستينات الثقافية.

ولكن في كوريا الشمالية، وبعد فترة طويلة من نظام ستالين الذي أصبح صفحة مطوية في كتب التاريخ، وعلى الرغم من تواتر أنباء عن صراعات داخلية في النظام الكوري، فإنه لا بوادر تشير إلى وجود أي نوع من العصيان داخل المجتمع على الإطلاق. طالت بعض آثار الربيع العربي الصين، وربما روسيا، ولكن لا تحرك ديمقراطي على الإطلاق في كوريا الشمالية، اللهم إلا قليلون جدًا ممن يثيرون تساؤلاتٍ حول مدى مسئولية الأسرة الحاكمة عن التعثر الاقتصادي الذي أخر كوريا الشمالية، لتصبح – بعد أن كانت على قدم المساواة مع كوريا الجنوبية في الستينات، واحدة من أعلى الدول في معدلات سوء التغذية والمجاعة التي أودت بحياة مئات الآلاف.

من البديهي أن نعزي هذا الصمت الذي يعتري المجتمع هناك إلى الخوف من القمع والإسكات الجبري، ولكن يظلّ هذا تبسيطًا مخلًا للأمور. صحيح أن هناك معسكرات عمل (للمنحرفين فكريًا) في مناطق نائية، طبقًا لتقارير منظمات حقوق الإنسان، وللقليلين الذين استطاعوا الهرب من جحيم بيونجيانج. ولكن حينما سألنا أحد الأجانب المقيمين في بيونجيانج عام 2000 إذا ما كان قد قابل أي نوع من بوادر العصيان والتذمر، حتى على المستوى الشخصي مع زملائه في العمل أو جيرانه أجاب بحسم: “أبدًا، لا شيء”.

النظام بكوريا الشمالية هو الأقرب لما تخيله جورج أورويل في 1984، ليخلق مجتمعًا لا يستطيع تصور فكرة غير مقدسة. لو تغاضينا عن حقيقة أن الاقتصاد في حالة سيئة للغاية، وأن الدول الداعمة للديمقراطية تطبق على كوريا الشمالية من كل جانب، يمكن أن نعتبر كوريا الشمالية أنجح دولة شمولية في التاريخ الحديث.

يرد الأمريكيون بتلقائية أن هذا لابد أن يتغير، وسيتغير. لكن في هذا استهانة بالمقدرة العجيبة لهذا النظام الشمولي على البقاء. لم تبقَ عائلة كيم من فراغ بينما تفكك الاتحاد السوفييتي وانفتح الصينيون من حولها.  أيديولوجية النظام، المسمّاة بالجوتشي، يمكن تعريفها ببساطة على أنها الاعتماد على النفس، وتُقابل بسخرية من الغرب. لكنها للصفوة بشمال كوريا، ما زالت مزيجًا مسكرًا يداعب المشاعر العنصرية والوطنية الكورية، والاحترام الكونفوشي للسلطة، ورؤية ماركس – لينين المثالية. يعتنق الحزب الحاكم كل هذه الأيديولوجيات. وباستخدامها، تمكن كيم إل سونج ومن بعده كيم جونغ إل من إنشاء “دولة لا يمكن اختراقها مطلقًا، شبهها كثيرون بالجماعات الدينية” كما يقول دون أوبردورفر.

لهذا لم تنكسر الدولة هناك، وصمدت بعد انكسار كل شبيهاتها، رغم محاولات وسياسات غربية تنوعت بين عقوبات صارمة وتجميد للدعم. ولكن كل هذا فشل في إثناء بيونجيانج عن برنامجها النووي. هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية وضعت سياسة “الصبر الإستراتيجي” مع كوريا الشمالية، رافضة أي نوع من الاستفزاز لكوريا الشمالية لحثها على العودة إلى مفاوضات نزع السلاح النووي.

لكن هذه السياسة لم تنجح كسابقاتها، بل زادت الأمور توترًا، خاصة مع الصراع بين كوريا الشمالية والجنوبية عام 2010 في الأشهر الأخيرة، وهو ما دفع الولايات المتحدة إلى العودة إلى الدبلوماسية حيث تواردت تقارير عن انعقاد اجتماعات بين بيونجيانج وواشنطن قبل وفاة كيم جونغ إل، لمناقشة احتماليات العودة إلى محادثات نزع السلاح. لكن للأسف، هذه الجهود لن تؤدي غالبًا إلى شيء طالما ظل النظام كما هو، بدون أن تتغير فلسفته وعقيدته جذريًا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد