في 12 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1537، عمت البهجة أرجاء البلاد بعد ولادة وريث العرش المنتظر في قصر هامبتون كورت، حيث عُلقت الزينة، ودُقت الطبول، ونُفخ في الأبواق التي أحاطت موكب الاحتفال بالوليد الجديد الذي أخذت الألقاب تنهال عليه من المبشرين، الذين أطلقوا عليه دوق كورنوال، ووريث الملك العظيم المظفر هنري الثامن.  

إنه الملك إدوارد السادس، الوريث الذكر الذي فاضت من أجله أرواح ثلاث زوجات للملك هنري الثامن، وغامر من أجله باستقرار البلاد، وهو الملك الذي تمكن من وضع بصماته الخاصة على التاريخ، رغم فترة حكمه التي عاشها طفلًا وحياته القصيرة. 

في السطور التالية، نأخذكم في جولة في أرجاء إنجلترا العصور الوسطى، نشهد خلالها الصراعات التي دارت حول العرش، منسوجةً بالمكر والغدر والاحتيال لفرض السيطرة، والوصول إلى السلطة؛ لتروي لنا قصة الملك الصبي الذي تولى حكم إنجلترا، وأجرى بها تغييرات دينية جذرية رغم صغر سنه.  

انتظار طويل وولادة متعسرة

على مدى أكثر من 25 عامًا، كان الملك هنري الثامن يحاول أن ينجب طفلًا ذكرًا يخلفه في وراثة العرش، ويصبح امتدادًا لسلالة آل تيودور العريقة، فتزوج في البداية من الأميرة الإسبانية كاترين من أراجون، في عام توليه الحكم نفسه 1509، ودام زواجهما 24 عامًا أنجبا خلالها ستة أطفال لم يستمر منهم على قيد الحياة إلا طفلة واحدة، هي ماري.

لكنه كان بحاجة إلى مولود ذكر، فأخذ يخطط للزواج للمرة الثانية، وقرر الانفصال عن كاثرين رغم مخالفة ذلك للمسيحية، وتزوج من سيدة تدعى آن بولين عام 1533، بعد إبطال زواجه من كاترين بذريعة أنها كانت زوجة شقيقه المتوفى، ووفقًا لهذا يكون اتحادها مع هنري «زنا محارم»، وفق المفهوم المسيحي، ولم يكن زواجًا حقيقيًّا؛ وهو الأمر الذي رفضته الكنيسة الكاثوليكية والبابا حينها.

مع ذلك، أصر هنري على فسخ الزواج، وإعلان ابنته ماري ابنةً غير شرعية؛ ليسلبها حقها في وراثة العرش من بعده، وفي عام 1534، انفصل هنري عن روما وقطع علاقته مع كنيستها الكاثوليكية، وأسس كنيسة إنجلترا، وكان ذلك انضمامًا لحركة «الإصلاح» الديني القائمة حينها؛ إذ تحولت إنجلترا إلى دولة بروتستانتية.

ولكن الرياح لم تجر كما كان يشتهي هنري، إذ لم تستطع زوجته الثانية، أن تنجب له الوريث المنشود، ولم يُثمر زواجهما سوى طفلتهما الأولى والوحيدة، إليزابيث، ومع أن آن بولين حملت بعد ذلك عدة مرات، فإنها فقدت جميع مواليدها. 

بدأ هنري يلومها لأنها لم تنجب له وريثًا ذكرًا، وأخذ يفكر في التخلص منها والزواج من أخرى، وبالفعل أمر هنري باعتقالها وإعدامها في برج لندن، بعد أن وجهت لها تُهم الزنا، والسحر، والتخطيط لقتل الملك؛ ليسدل قرار إعدامها الستار على الزيجة الثانية للملك التي استمرت لنحو ثلاثة أعوام فقط.

وفي اليوم التالي لإعدام آن، تقدم هنري لخطبة زوجته الثالثة، جين سيمور، التي كانت إحدى وصيفات آن، وتزوجها بعد 10 أيام فقط، وأخيرًا، وبعد طول انتظار، وضعت جين المولود المنشود، الأمير إدوارد، الابن الشرعي الوحيد للملك هنري الثامن، ووريث عرشه.

وكما كانت رحلة قدوم إدوارد للحياة طويلة ومعقدة، كانت ولادته كذلك شاقة متعسرة؛ فبعد أن بدا أن الملكة جين تتعافى، فإنها أصيبت بما يُعرف اليوم بـ«حمى النفاس» وتوفيت بعد أيام قليلة من ولادة إدوارد، ومع أن الملك هنري قد تزوج بعدها ثلاث زيجات أخرى، فإنه عدها زوجته الحقيقية، ربما لأنها منحته المولود الذكر الذي أراده بشدة، وأوصى أن يُدفن إلى جوارها بعد وفاته في قبره الخاص.

الصبي ذو التسع سنوات يعتلي عرش إنجلترا 

بعد وفاة والدته، نشأ إدوارد في حضانة العديد من المربيات والمعلمين، الذين تلقى على أيديهم تعليمًا ممتازًا، وظهرت بواكر نضوجه الفكري، ونبوغه التعليمي. ومع أن صحته الجسدية لم تكن قوية أبدًا، فإنه كان قوي الشخصية ورياضيًّا، وصاحب موهبة نادرة في إتقان العلوم واللغات، فتعلم الفلسفة، واللاهوت، وأتقن اللغات الإغريقية، واللاتينية، والفرنسية.

وفي 28 يناير (كانون الثاني) عام 1547، توفي الملك هنري الثامن بعد أن ظل على كرسي العرش البريطاني نحو 38 عامًا، وفي العام نفسه، جرى تتويج إدوارد خليفةً له، ليكون أول ملك إنجليزي بروتستانتي من البداية، وخلال حفل التتويج، أشار توماس كرانمر، زعيم عملية «الإصلاح» الإنجليزي وكبير أساقفة كانتربري خلال عهدي هنري الثامن وولده إدوارد السادس، إلى إدوارد على أنه «يوشيا» الثاني (ملك يهوذا، الذي شرع في عملية «إصلاح» تحمل اسمه، وترك بصمة قوية على التقاليد الدينية لبني إسرائيل بحسب العقيدة المسيحية). وحثه على دفع عملية «الإصلاح» في كنيسة إنجلترا، وجعلها محور عهد الملك الطفل.

وقد كان كرانمر من ساعد هنري الثامن في التدبير للحيلة التي حصل بها على الطلاق من زوجته الأولى؛ ما أدى إلى انفصال الكنيسة الإنجليزية عن الكنيسة الكاثوليكية، واستطاع أيضًا بمساعدة توماس كرومويل، تمرير قانون يجعل للملك السيادة المطلقة على الكنيسة في مملكته.

وكان هنري الثامن من عيَّنه كبيرًا لأساقفة كانتربري عام 1533، وهو المنصب الذي جعله مسؤولًا عن تأسيس الهياكل المذهبية والطقوسية «لإصلاحات» كنيسة إنجلترا، لكن كرانمر لم يتمكن من إجراء تغييرات جذرية في الكنيسة خلال فترة حكم هنري الثامن، بسبب الصراع على السلطة بين المحافظين المتدينين و«الإصلاحيين».

محاولات للحكم من وراء الستار

نظرًا إلى صغر سن إدوارد الذي كان يبلغ عمره تسع سنوات فقط، لحظة تتويجه على العرش؛ فقد أعد والده قبل وفاته ما عُرف بـ«مجلس الوصاية»، الذي أوصى بأن يحكم البلاد نيابةً عن إدوارد حتى يبلغ ويصبح قادرًا على الحكم، وقد حاول بعض أعضاء هذا المجلس استغلال منصبهم، والسيطرة على فترة حكم الصبي الصغير.

ومن بين هؤلاء الأعضاء، برز اسم إدوارد سيمور، خال إدوارد ودوق سومرست كما أطلق على نفسه لاحقًا، والذي حاول أن يتولى مقاليد البلاد عبر إعلان نفسه وصيًّا على الملك الصغير، وسمى نفسه «الحامي»، وعلى مدى ما يقرب من ثلاث سنوات، حكم سيمور البلاد في كل شيء من خلف الستار، وقد ساهمت سياساته في تقليل الحكم الاستبدادي الذي فرضه هنري الثامن، وتحسين أوضاع الفقراء، ولكنها من ناحية أخرى أدت إلى اندلاع تمردات واسعة.

وفي عام 1549، اندلعت تمردات في مناطق مختلفة من البلاد احتجاجًا على «كتاب الصلاة المشتركة»، الذي كتبه كرانمر وحاول سيمور من خلاله توحيد أشكال العبادة، وجعل كنيسة إنجلترا بروتستانتية بصورة أوضح، عبر القضاء على جوانب من ممارسات الروم الكاثوليك، مثل التماثيل، والزجاج الملون، والسماح بزواج رجال الدين. 

واندلع تمرد آخر في نورفولك بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، بعد فشل سيمور في إخضاع الإسكتلنديين وتحقيق اتحاد إسكتلندا مع إنجلترا؛ ما ترك الحكومة تعاني من نقص شديد في المال.

ومع قرب نهاية عام 1549، أدت سياسات سيمور وتزايد موقفه الفردي تجاه بقية أعضاء المجلس، إلى نفورهم منه وقيادة جون دودلي، أحد أعضاء المجلس، انقلابًا ضد سيمور وعزله من منصبه بصفته اللورد الحامي، وعمل دادلي على قمع تمرد نورفولك، ثم أمر بالقبض على سيمور وجرى إعدامه لاحقًا.

تغييرات دينية شاملة تطرأ على عقيدة البلاد

«اليوم، قُطع رأس دوق سومرست على تاور هيل». إدوارد السادس

بهذه الكلمات المقتضبة وصف إدوارد واقعة إعدام خاله في مذكراته، ولخص أيضًا التهم الموجهة إليه في سجله التاريخي بـ«الطموح، والسعي نحو المجد الباطل، والدخول في حروب متهورة، والإهمال، وإثراء نفسه من أموالي، واتباع رأيه الخاص، والقيام بكل شيء بسلطته الخاصة».

وبعد سقوط سيمور، تولى دودلي زعامة المجلس خلفًا له، ومع أن دودلي، الذي أطلق على نفسه لاحقًا دوق نورثمبرلاند، لم يُطلق على نفسه لقب «الحامي» مثل سيمور، لكنه لعب الدور نفسه مع الملك الصغير، وبذل عناءً أكبر في إغواء إدوارد والتأثير فيه.

وبالنسبة لسياساته، فلم يُعطِ دودلي فقراء إنجلترا اهتمامًا، وعمل على قمع أي اضطرابات بلا رحمة، وكان داعمًا على الدوام لحقوق الطبقة المالكة المقدمة على حقوق الفقراء، أما عن توجهاته الدينية، فكان دودلي من الداعمين للبروتستانتية؛ لأنها كانت تسمح بالسيطرة على ممتلكات الكنيسة، التي كانت أراضيها ذات قيمة  كبيرة في ذلك الوقت. ووفق أغلب المؤرخين فإن دودلي أراد زيادة ثروته، وقد استفاد من الاستيلاء على قدر كبير من أراضي الكنيسة وازدهرت ثروته من ذلك. 

وتصعيدًا في عملية  «الإصلاح البروتستانتي»، حدث عدد من التغيرات المهمة داخل الكنيسة؛ إذ أمر البرلمان بإزالة جميع الصور من الكنائس في عام 1550، وفي عام 1552، صدرت نسخة جديدة من «كتاب الصلاة الثاني» كتبها كرانمر الذي أصبح قادرًا على إجراء تغييرات رئيسية في عهد إدوارد، وكانت بروتستانتية صريحة جرى على إثرها تحويل المذابح إلى طاولات، وتدمير الصور الدينية، وإزالة أي آثار للكاثوليكية عبر قانون التوحيد الجديد والأكثر صرامة.

ومع أن دودلي جعل إدوارد في سن الرابعة عشر عامًا مؤهلًا لممارسة كل سلطة هنري الثامن، فإنه كان يتخذ من الملك الشاب قناعًا يسيطر من خلفه على الحكومة، ومع ذلك، فقد اتفقت جميع التدابير التي اتخذها كل من سيمور ودودلي لتعزيز ما سمي بالإصلاح الديني الإنجليزي، مع إخلاص إدوارد الشديد للبروتستانتية.

على فراش الموت.. حيلة دودلي لتنصيب زوجة ابنه على العرش

في عام 1553، أخذت صحة إدوارد تتدهور سريعًا، وبدا أن الملك الصغير يعيش أيامه الأخيرة، وبوفاته، ستقع البلاد في أزمة سياسية خطيرة؛ إذ لم يكن هناك أحد من الذكور الشرعيين ليرث عرش إنجلترا من بعده، ولأول مرة في التاريخ الإنجليزي كان جميع المتنافسين على العرش من النساء.

ووفقًا لوصية هنري الثامن، إذا ما مات إدوارد، يُمنح التاج لابنته ماري أولًا، ثم تعقبها إليزابيث. ولكن كانت هناك معضلة، ألا وهي كون إدوارد بروتستانتيًّا متعصبًا، وكانت ماري على النقيض كاثوليكية بالدرجة نفسها، ولم يكن إدوارد مستعدًّا لأن تذهب تغييراته البروتستانتية الجذرية، التي أمضى حياته القصيرة في تطبيقها في البلاد، أدراج الرياح، وتعيد أخته ماري البلاد إلى ظلمات الكاثوليكية حسب اعتقاده؛ فلجأ إلى ثغرة يحتال بها على وصية أبيه.

علم إدوارد أن والده كان قد أعلن ماري وإليزابيث ابنتين غير شرعيتين من قبل، لذلك؛ قرر إدوارد بإيعاز من دودلي إجراء ترتيب جديد للخلافة عبر جعل الملكية البريطانية «شرعية»، وبروتستانتية أيضًا، ليستثني من وراثة العرش كلَّ من هو ابن غير شرعي أو غير بروتستانتي، وأجبر المؤسسات القضائية والسياسية في مملكته على قبول ذلك. 

وكانت الليدي جين جراي، ابنة عم إدوارد الخيار الأمثل من وجهة نظر دودلي، فقد كانت زوجة ابنه، وبروتستانتية مخلصة، ولذلك، أقنع إدوارد بتعيينها وليةً للعهد خلفًا له، وأرسل سفنًا حربية لحماية نهر «التيمز»، وفعل كل ما بوسعه لضمان أن يسير انقلابه كما خطط له.

وفي السادس من يوليو (تموز) عام 1553، لفظ إدوارد أنفاسه الأخيرة، بسبب عدوى رئوية على الأرجح كانت مرض السل، وتوفي عن عمر يناهز 15 عامًا في قصر جرينتش، وقد أبقى دودلي على وفاته سرية لحين تأمين موقع السلطة، واستدعى جين جراي وأعضاء من مجلس الوصاية؛ لإعلان ولائهم لملكة إنجلترا الجديدة.

وبالفعل تولت جين جراي الملك لمدة تسعة أيام فقط، بإخضاع من حماها الذي كان يتوقع أن يصبح ابنه ملكًا حالما تصبح هي ملكة، ولكن قوبل ذلك بغضب شعبي ولم تستمر جين جراي في الحكم، الذي انتقل لماري الأخت غير الشقيقة لإدوارد بدعم شعبي ساحق؛ ليبدأ بعدها عهد جديد من حكم النساء.

وفي عهد ماري، أخذت دفة البلاد تسير بقوة عائدةً نحو الكاثوليكية، وحوكم كرانمر بتهمة الخيانة والهرطقة، وجرى إعدامه حرقًا؛ ليموت مهرطقًا بالنسبة للكاثوليك وشهيدًا عند البروتستانت. وأُعدم جون دودلي بتهمة الخيانة في تاور هيل، المكان ذاته الذي أُعدم فيه سيمور من قبل، في أغسطس (آب) عام 1553.

أما عن إدوارد، فيري فريق من المؤرخين أنه كان حاكمًا ضعيفًا ومريضًا، ولم يكن ليتحمل أن يبقى على قيد الحياة حتى مرحلة الرجولة، ويرى فريق آخر أنه كان دمية يجري التلاعب بها من قبل النبلاء الأقوياء من حوله، في حين يرى فريق ثالث أن إدوارد كان مفكرًا وحاكمًا لامعًا، وبطل «إنجلترا البروتستانتية» في قتالها ضد البابا والكنيسة الكاثوليكية.

تاريخ

منذ 9 شهور
قصة المراهقة التي جلست على عرش إنجلترا 9 أيام قبل أن تُقطع رأسها

المصادر

تحميل المزيد