هل تذكرون هذه القصة الشهيرة عن ذلك الملك الذي يحول كل ما يلمسه إلى ذهب؟ لا. حسنًا، هذه قصته. تحكي الأسطورة عن ذلك الملك وابنته الصغيرة. كان هذا الملك غنيًّا جدًّا، وكان يعشق الذهب لدرجة أنه أطلق على ابنته اسم «ماري الذهبية». كان هذا الملك (ويدعى الملك ميداس) مولعًا كثيرًا بالذهب أكثر من أي شيء، ويسعى إلى المزيد من الثروة والذهب باستمرار.

كان الملك ميداس يخبئ ثروته كلها في قبو قصره؛ إذ يشعر بالسعادة كلما ذهب إلى القبو وجلس هناك بين الذهب والعملات. تقول الأسطورة إنه في أحد الأيام ظهر له جني وطلب من الملك أن يتمنى أمنية كي تكتمل سعادته. هنا أراد الملك أن يتحول العالم كله إلى ذهب، فطلب من الجني أن يمنحه القدرة على تحويل كل ما يلمسه إلى ذهب.

عند شروق شمس اليوم التالي، استيقظ الملك ميداس ليجد بالفعل أن كل ما يلمسه يتحول إلى أفضل أنواع الذهب. جن جنون الملك ميداس وهو يتخيل كم السلطة والنفوذ بسبب هذه القدرة. لكن بالطبع، لم يتمكن الملك من تناول طعام إفطاره لأنه تحول إلى ذهب، لتتحول حياته إلى كابوس غير متوقع كونه لا يستطيع تناول الطعام مثله مثل أي شخص.

ووسط هذا الرعب الذي سيطر عليه، احتضنته ابنته في محاولة للتخفيف عنه وهي لا تفهم ما يجري، وبشكل عفوي احتضنها أباها وقبلها دون أن ينتبه لموهبته الجديدة لتتحول ابنته إلى تمثال ذهبي. ظهر له الجني من جديد، فطلب منه محو هذه الموهبة، فطلب منه الجني الذهاب إلى نهر قريب ورش الماء منه على أي شيء حوله لذهب ويرغب في عودته كما كان. فانطلق الملك وكله أمل في إعادة ابنته وهو ما تم، ليكره الملك بعدها الذهب تمامًا.

قد تبدو القصة أسطورية، لكن هذا الملك كان موجودًا بالفعل، بل ووجدت الكشوف الحديثة في تركيا المزيد من التأكيدات على مملكته البائدة، وقصة هزيمتها الساحقة، وهي إحدى تلك الممالك المفقودة على مر التاريخ. فما القصة؟

كشوف أثرية والمزيد عن مملكة ميداس

يبدو أن القدر أخيرًا بدأ يكشف لنا بعضًا من أسرار تلك المملكة المفقودة في هضبة الأناضول، ويبدو أن السجل التاريخي المفقود منذ فترة طويلة لسقوط الملك ميداس الذي ارتبط اسمه بالأسطورة الشهيرة ومملكته قد ظهر على السطح في تركيا. البداية تعود إلى عام 2019، عندما كان علماء الآثار يحققون في موقع تل قديم في وسط تركيا يسمى «Türkmen-Karahöyük».

وتعرف عن المنطقة الكبرى من سهل قونية في وسط الأناضول بأنها تزخر بالعواصم الضائعة، لكن مع ذلك، لم يكن الباحثون والمنقبون هناك يتوقعون اكتشاف ما وجدوه. في بدايات عام 2020، قال مزارع محلي للمجموعة البحثية إن قناة مائية مجاورة جرفت مؤخرًا، كشفت عن وجود حجر كبير غريب عليه نوع من الكتابة غير المعروفة.

ذهب الباحثون مسرعين إلى هناك، ليجدوا هذا الحجر وحوله الماء، ليقوموا دون تفكير بالقفز حتى خصورهم في هذا الماء، اتضح لهم على الفور أن هذا الحجر والكتابة عليه قديمة بالفعل. تعرف الباحثون إلى النص المكتوب بأنه اللغة اللوفية (Luwian)، وهي اللغة المستخدمة في العصرين البرونزي والحديدي في تلك المنطقة، وبالنسبة للحجر، فقد كان يطلق عليه اسم «الشاهدة» أو «اللوحة التذكارية».

بعد ذلك، بدأ الباحثون في الاستعانة بالمترجمين المتخصصين لمعرفة فحوى هذه الكتابة. وجدوا أن الكتابة على هذه الكتلة الحجرية القديمة تفاخر بانتصار عسكري. لكنه لم يكن أي انتصار عسكري، ولكنه مرتبط بهزيمة «فريجيا»، مملكة الأناضول التي كانت موجودة منذ ما يقرب من 3 آلاف عام.

صراع الممالك.. والملك الأسطورة

حكم القصر الملكي لفريجيا عدد قليل من الملوك والذين أطلق على بعضهم اسم «ميداس». لكن تأريخ هذه الشاهدة، بناءً على التحليل اللغوي للكتابات الموجودة عليها، يشير إلى أن الكتابة يمكن أن تشير إلى الملك ميداس، الملك صاحب الأسطورة الشهيرة بـ«اللمسة الذهبية».

تحتوي هذه اللوحة التذكارية الحجرية أيضًا على حرف خاص يرمز إلى أن رسالة النصر هذه جاءت من ملك آخر، يدعى «هارتابو». تشير الكتابة إلى أن قوات هارتابو استولت على مملكة الملك ميداس. تقول الكتابة «سلمت آلهة العاصفة الملوك المعارضين لجلالته»، في إشارة لانتصار ملك على آخرين. ورغم هذا، نحن لا نعلم أي شيء تقريبًا عن الملك هارتابو، ولا عن المملكة التي حكمها.

تاريخ

منذ 3 شهور
مملكة الأنباط.. قصة الحضارة الغامضة التي ازدهرت في السعودية

ما توضحه هذه اللوحة الحجرية المكتشفة أن التل العملاق «Türkmen-Karahöyük» ربما كان عاصمة مملكة هارتابو، ويمتد على حوالي 300 فدان في أوج توسعها بعدما استولت على مملكة فريجيا. الباحثون أصابتهم الدهشة لأنهم لم يكونوا يعلمون أي شيء عن تلك المملكة، مملكة هارتابو. أما الآن، أصبحت لديهم معلومات جديدة عميقة عن منطقة الأناضول في العصر الحديدي.

ماذا نعرف عن مملكة فريجيا؟

فريجيا هي منطقة قديمة في غرب وسط الأناضول، سميت على اسم شعب أطلق عليه الإغريق اسم «الفريجيين» والذين سيطروا على آسيا الصغرى في الفترة بين انهيار مملكة الحيثيين في القرن الثاني عشر قبل الميلاد، وصعود مملكة ليديا في القرن السابع قبل الميلاد). استقر الفريجيون في شمال غرب الأناضول في أواخر الألفية الثانية قبل الميلاد، وعندما تفككت مملكة الحيثيين، انتقلوا إلى المرتفعات الوسطى، وأسسوا عاصمتهم.

وفقًا لإلياذة هوميروس، شارك الفريجيون في حرب طروادة بوضفهم حلفاء مقربين من طروادة. وصلت قوة فريجيا إلى ذروتها في أواخر القرن الثامن قبل الميلاد تحت حكم ملك تاريخي هو ميداس، الذي سيطر على معظم غرب ووسط الأناضول، ونافس مملكة آشور على السلطة في شرق الأناضول.

لكن ميداس أصبح أيضًا آخر ملوك فريجيا التي انهارت بشكل مفاجئ، بعدما نهبت قبائل الكيمريون العاصمة الفريجية، جورديوم، حوالي عام 695 قبل الميلاد. أصبحت فريجيا بعد ذلك خاضعة لمملكة «ليديا»، ثم فارس، فالإسكندر وخلفائه الهلنستيين، ثم الإمبراطورية الرومانية والإمبراطورية البيزنطية. خلال هذا الوقت أصبح الفريجيون مسيحيين ويتحدثون اليونانية، واندمجوا في الدولة البيزنطية. قدر الإغريق شعب فريجيا عبيدًا، لبراعتهم في الأعمال المعدنية ونحت الخشب، ويقال إنهم أنشأوا فن التطريز، كما اشتهر السجاد الفريجي.

أساطير.. والكثير من المعلومات المجهولة

وتتحدث القصص والأساطير اليونانية عن العديد من الملوك الفريجيين الأسطوريين، مثل وجوردياس، الذي أنشأ عاصمة فريجيا، ووالد الملك ميداس، والذي ارتبط بما يسمى «عقدة جوردياس»، وهي عقدة بلا أطراف حاكها قبل توليه السلطة مباشرة في عربته التي قدمها قربانًا للآلهة، وظلت باقية في المعبد لسنوات دون أن يتمكن أحد من فكها. وعندما غزا الإسكندر الأكبر المنطقة، بتر العقدة بسيفه، لتصبح القصة مضربًا للمثل للدلالة على مشكلة صعبة الحل يجري حلها بعمل جريء.

لا يعرف سوى القليل عن المجتمع الفريجي. كانت الأراضي الشاسعة مملوكة للمعابد العظيمة، وكان كبار الكهنة حكامًا مستقلين تقريبًا. ربما كان المجتمع إقطاعيًّا. كذلك، كانت هناك نخبة ذكية ومثقفة بشكل واضح، وكانوا قادرين على القراءة والكتابة في العاصمة جورديوم ومدينة ميداس (العاصمة الأولى)، جنبًا إلى جنب مع نواة مهمة من الحرفيين والتجار، بعضهم بلا شك أجانب، مثل اليونانيين والفينيقيين والسوريين.

يذكر أنه ما تزال هناك الكثير من أعمال الحفر التي يتعين القيام بها في المشروع الأثري في تركيا، ويجب اعتبار النتائج حتى الآن أولية في الوقت الحالي. الفريق البحثي حريص على زيارة الموقع مرة أخرى هذا العام، لمعرفة كل ما في وسعه حول هذه المملكة التي تبدو مفقودة في التاريخ. ويؤكد الفريق البحثي أن داخل تلك التلة ستكون هناك قصور وآثار ومنازل مهمة. لذلك، نحن في الانتظار.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد