26,498

يظهر ملك المغرب محمد السادس في هيئات متنوعة، وخلفيات متباينة؛ فهو الملك الذي يُحكم قبضته ونفوذه على كُل أرجاء بلاده، وهو الرجل الذي يبدو كمن يمارس حياته باعتيادية دون تكلّف لمتطلبات منصبه السياسي مثلما تُظهر الصور الملتقطة خلال قضائه إجازاته الصيفية خارج أو داخل البلاد.

من بين كُل هذه الهيئات التي يظهر فيها ملك المغرب؛ تظل صورة واحدة لا يعرفها الكثيرون، ولا يُبرزها القصر الملكيّ؛ إنّها هيئته بوصفه رجل مال، مسؤولًا عن إدارة مليارات الدولارات لشركة مملوكة للعائلة المالكة، وتمتد استثماراتها خارج وداخل البلاد.

يحاول التقرير التالي تتبّع ورصد حجم إمبراطورية ملك المغرب الاستثمارية داخل وخارج بلاده، والدوافع وراء توسيع نفوذه المالي.

«الهولدينغ الملكي».. ذراع الأسرة المالكة الاستثمارية

في عام 2010، سعى ملك المغرب محمد السادس، نيابة عن العائلة المالكة لتأسيس صندوق استثماري يحوي كُل استثمارات العائلة، لتندمج فيه الشركات التي تنشط عملياتها التجارية داخل المغرب وخارجه، عبر كيان تجاري أطلق عليه «الشركة الوطنية للاستثمار القابضة».

Embed from Getty Images
ضمّ هذا الصندوق الاستثماري كيانات تجارية عملاقة، كالشرطة الوطنية للاستثمار (SNL) ومجموعة أومنيوم شمال أفريقيا (ONA) التي تأسست في العشرينيات، وشركة سيجر القابضة (SIGER).

وتنشط تحت مظلّة هذه الشركات مئات تتفرع منها، وتتنوع مجالات استثماراتها؛ فنجد البنوك عبر مجموعة «التجاري وفا بنك» والتأمينات عبر شركة «الوفاء للتأمين» والمعادن عبر «مناجم» وفضاءات التسوق وتوزيع السيارات والصيد البحري، وشركة «ناريفا» في فروع الطاقة المتجددة، وشركة إينوي في قطاع الاتصالات، وسوناسيد ولافراج المغرب في مواد البناء، وشركة أونابر في العقار، والبيع بالتجزئة عبر شركة مرجان.

«الهولدينغ الملكي»، هو الاسم الذي يُعرف به الصندوق الاستثماري المملوك للعائلة المالكة في المغرب، تحول لعملاق مالي وصناعي وخدمي يحتكر كُلّ قطاعات الاقتصاد المغربي، عبر شركات تتبعه تنوّعت استثماراتها، حتى بلغت الأرباح الصافية للشركة سنة 2011، نحو 4.3 مليار درهم مغربي، ويرأس الصندوق حسن بوهمو.

قبل أيام؛ أصدر الصندوق الاستثماري بيانًا يعلن من خلاله تغيير اسمه من الوطنية للاستثمار لتصبح «المدى»، بعدما انتقلت استثماراتها خارج المغرب لنحو 24 بلدًا في عام 2017، وتقترب نسبة أنشطة الشركة خارج المغرب بنسبة 26% في نتائجها لعام 2017 مقابل 11% في 2013 في تأكيد لبعدها العالمي، وفقًا للبيان الصادر عنها.

وترسم أرقام الأرباح التي تزيد بشكل مضطرد لهذه الشركات ملامح النفوذ المالي الكبير لملك المغرب؛ إذ بلغ حجم معاملات هذا الصندوق أكثر من 34.32 مليار درهم في هذا العام، وذلك بزيادة بلغت نسبتها 2.74% مقارنة مع السنة السابقة.

خضوع هذه الشركات للملكية المباشرة لملك المغرب وعائلته تجعلها دومًا تبحث عن أيّ وسيلة لتسويق نفسها، مثل قطاعات استثمارية تلتزم بميثاق أخلاقيات العمل في أعمالها التجارية؛ وتبتعد عن الشبهات التجارية، محاولة منها للتذكير دومًا أن الملك لا يمنحها أيّ استثناءات في أنشطتها التجارية، وتخضع للقوانين في تعاملاتها دون تمييز أو تجاوز.

أحد هذه المواقف التي سعت الشركة للترويج لنفسها في عام 2009، كانت عندما قالت شركة سيجير المغربية، إحدى أكبر شركات الصندوق الاستثماري، أنّها سحبت استثماراتها من صندوق خارجي بعد اكتشافها أنه جرى استثمارها في شركة للقمار في ماكاو، وبررت ذلك بقولها: «ميثاق أخلاقيات عمل شركاتنا هو السبب في سحب استثمارات الشركة من شركة تدير فندقا وناديا للقمار في ماكاو، أسرع مراكز القمار نموًا في العالم».

لا أحد يُحاسب الملك وحاشيته  

الملك محمد السادس ليس المستثمر الوحيد في مختلف القطاعات داخل البلد وخارجها لحساب العائلة المالكة؛ بل يجاوره على أمتار بعيدة منه، وبفارق كبير عنه، عدد من مستشاريه ممن أغرتهم الأرباح الطائلة التي تدرّها هذه القطاعات الاستثمارية، ودخلوا شركاء في سوق المال.

Embed from Getty Images
ملك المغرب وعدد من مستشاريه خلال افتتاح أحد المشروعات

واحد من هؤلاء كان ولا زال الأقرب للملك محمد السادس هو منير الماجيدي، السكرتير الشخصي لملك المغرب محمد السادس منذ سنة 2000، والتي أظهرت وثائق بنما التي كشف عنها الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين، أن ممتلكاته في الملاذات الضريبيّة تضمنت شركتين، ويختًا ضخمًا وشقة فخمة، فيما نفى محاموه وجود أيّ خرق قانوني.

كما كشفت الوثائق عن امتلاك الماجيدي منذ 2006 شركة SMCD المحدودة، ومقرها جزر العذراء البريطانية، قبل أن يشتري قاربًا شراعيًّا فاخرًا باسم الشركة، وتم تصفية هذه الشركة سنة 2013. كما قام الماجيدي باقتراض مبلغ من شركة «موساك فونسيكا» لشراء وترميم فندق في باريس باسم شركة أخرى.

وقد لعب الماجيدي دورًا كبيرًا في إدارة المحفظة المالية للأسرة المالكة، فضلًا عن توجيه الاستثمارات المغربية نحو البلدان الأفريقية، لتتحول المملكة إلى ثاني بلد مستثمر في القارة السمراء.

يُضاف إلى ماجد قائمة من مستشاري الملك؛ أبرزهم عزيز أخنوش، وزير الفلاحة والصيد البحري، والذي عيّنه ملك المغرب في عام 2017 في منصبه الوزاري؛ فالرجل يعتبره البعض من أباطرة الأعمال داخل المغرب؛ ممن تجاوزت ثرواتهم مليارين و100 مليون دولار.

ويشغل أخنوش منصب رئيس مجموعة «أكوا» الاقتصادية بالمغرب، المتخصصة في مجال توزيع الطاقة من وقود وغاز، والتي تحتكر الاستثمار في قطاع النفط في المغرب، وتضم نحو 50 شركة متخصصة في توزيع النفط والاتصال والخدمات.

وفي ظلّ هذا التوسّع للنفوذ الماليّ للملك وحاشيته المقرّبة، بلغ عدد قضايا الرشوة في محاكم المغرب نحو 7 آلاف قضية في 2017، بينما أظهر تقرير صادر عن منظمة «الشفافية الدولية» حول مؤشر «إدراك الفساد» عن عام 2017، أن ترتيب المغرب انتقل من المرتبة 90 إلى 81 من أصل 180 دولة شملها التقرير.

ويسعى ملك المغرب للتوازن دومًا بين الحفاظ على مملكته الاستثمارية داخل وخارج حدود بلاده، وبين صورته باعتباره حاكمًا للبلاد يُحاسب كُل فاسد، ويوجه تخصيص ثروات البلاد لعموم الشعب ،ويتساءل عن أسباب الفقر ويتضامن مع المغاربة عن غلاء المعيشة، مطالبًا كذلك بالحزم حيال كُل من زواج المال بالسلطة.
يظهر ذلك في في إحدى خطبه في تموز(يوليو) 2014، حين ذكر أنه قرأ دراستين للبنك الدولي، في سنتي 2005 و2010 لقياس ثروة حوالي 120 بلدًا، وقد تم تصنيف المغرب في هاتين الدراستين في المراتب الأولى على الصعيد الأفريقي لنمو الثروة. لكنه تساءل مستغربًا «أين هي هذه الثروة؟ وهل استفاد منها جميع المغاربة؟».

وتُشير دراسة أنجزها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي (مؤسسة استشارية في المغرب)، أن القيمة الإجمالية لثروة المغرب ارتفعت إلى الضعف بين 1999 و2013، وانتقلت من 0.6 إلى أزيد من 1.2 تريليون دولار.

وترسم تساؤلات الملك في خطبه محاولاته الدائمة لتبرئة ساحته ومحيطه من إهدار ثروات الشعب المغربي.

هذه الأسئلة التي طرحها الملك من أجل نفي مسؤوليّته عن أوضاع المغرب الاقتصاديّة والاجتماعيّة تُقابلها ارتفاع عدد الفقراء في المغرب لنحو أربعة ملايين مغربي يعيشون تحت خط الفقر، أي بأقل من 1.9 دولار في اليوم (20 درهمًا تقريبًا بالعملة المحلية)، والانخفاضات المتتالية في فرص الشغل خلال السنوات الأخيرة من 186 ألف وظيفة سنويًا ما بين 2001 و2008 إلى 70 ألف وظيفة فقط في الفترة بين 2008 و2015، وقمع التظاهرات الاحتجاجية التي خرجت قبل سنوات لتحسين ظروفهم المعيشية.

ويحمى الدستور المغربي الملك من أيّة انتقادات تتعلق بسياساته أو ثرواته، وفقًا لما هو منصوص عليه في الدستور أن «الملك شخص مقدّس لا تنتهك حرمته»، قبل أن يتم إلغاء القداسة عن الملك. والاقتصار على «على واجب التوقير والاحترام» وذلك في سنة 2011، بالتزامن مع الربيع العربي.

كما يعاقب القانون الجنائي المغربي على الإساءة للملك والعائلة الحاكمة، بأحكام تصل إلى سنتين سجنًا. وتضاعف العقوبة إذا تمت الإساءة في الفضاء العام أو في وسائل الإعلام، ويحظر قانون الصحافة والنشر أي خطاب يمس بهيبة الملك وينص على إيقاف وحجز الصحف والمواقع التي تنشر هذه الخطابات.

تساهم ترسانة القوانين هذه في تحصين إمبراطورية ملك المغرب الماليّة، من أي تساؤلات أو رقابة داخل بلاده؛ فهو رجل ينال حصانة أقرب للتقديس، وتحظر القوانين التعرض له من قريب أو بعيد.

على خطى الوالد.. محمد السادس يرث إمبراطورية والده ويوسعها خارج حدود بلاده

ورث الملك محمد السادس جزءًا من إمبراطوريته المالية عن والده الحسن الثاني؛ الذي استغلّ قطاع الأعمال باعتباره وسيلة لزيادة ثروته، وأحد محدّدات ترسيخ سلطاته السياسية. وقد سار الابن على خطا والده؛ وسعى بكُل سلطاته لتوسيع هذه الإمبراطورية التي ورثها عن والده، وشملت حصّة بمقدار 35% في الشركة الوطنية للاستثمار «سني»، وهي شركة قابضة تملك حصصًا في العديد من شركات التداول العام، جنبًا لأكبر بنك في المغرب وهو مصرف «وفا»، بالإضافة إلى شركة التعدين التي تضم أغلب مناجم المغرب باستثناء منجم الفوسفاط، والشركة الفلاحية «ضومين أڭريكول»، جنبًا لسوق مرجان الممتاز، وعدد من الفنادق السياحية كذلك.

Embed from Getty Images
الأمير مولاي رشيد شقيق الملك (يمين) ولالّة مريم أخت الملك (يسار)

تضاعفت هذه الإمبراطورية في عهد الابن، وانتقلت إلى خارج حدود بلاده، حتى جعلت منه في المرتبة الخامسة للشخصيّات الأكثر ثراءً على مستوى القارة الأفريقية؛ وتُقدر ثروته الشخصية فقط، حوالي 5.7 ملياردولار، وتجعل منه أغنى المغاربة والخامس في أفريقيا، وفقًا لتصنيف مجلة الفوربس في ترتيبها السنوي لأغنى أغنياء العالم.

وقد كانت الحُجة الأساسية التي يستعملها الملك الراحل الحسن الثاني في امتلاكه لهذه الشركات وإخضاعها لملكيته الشخصية، وفقًا للكاتبة المغربية مايسة الناجي، هو إنقاذ الأمن الغذائي المغربي من أيد أجنبية، وذلك بعدما قرر شراء الشركة من مالكها الفرنسي «جون إپينا» التي كانت تمر بتعثرات مالية.

تقول الكاتبة المغربية مايسة سلامة الناجي، في مقال بموقع «الصوت الحر»: «أن كل الأثرياء في هذه الدولة، ليس فقط الملك، بل من يتبعه من رأسماليين، هم مسؤولون عن تحقيق أساسيات العيش الكريم للمواطنين من مالهم الخاص. لأنهم استغلوا موارد البلد الطبيعية بثمن بخس. لأنهم احتكروا الاستثمار والأسواق واحتكروا الإشهار والإعلام».

وورد إسم ملك المغرب محمد السادس ضمن تسريبات بنك HSBC، التي أوضحت مساعدة البنك السويسري لآلاف العملاء لتهريب أموالهم، وإخفائها من الضرائب.

كان الملك المغربي الذي تولى حكم المغرب في عام 1999، واحدًا من هؤلاء العملاء، إذ بدأ في التعامل مع البنك السويسري في 2006 أيضًا، عبر تأسيس حساب مصرفي يتصل بخمسة حسابات فرعية أخرى، وبلغت الخمسة بلغ إجمالي ما فيهم 9.1 مليون دولار في 2006/ 2007.

ويُساهم أشقاء الملك بنسب متفاوتة في هذه الإمبراطورية المالية التي تتسع داخل البلاد وخارجها؛ وإن كان الملك محمد السادس هو صاحب الحصة الأكبر من هذه الاستثمارات، وصاحب القرارات الأكثر تأثيرًا في رسم حدود هذه المملكة الاستثمارية.