بعد ما يقارب عقدين من الزمان، انصاعت فيهما الأردن لوصفات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، الخاصة بنجاعة الاقتصاد والخروج من المأزق، نشرت مجلة الإيكونوميست الإنجليزية المختصة، مقالًا في 22 أكتوبر (تشرين الأول) 2016، تصف فيه الأحوال في الأردن، قائلةً إن «العرش الملكي في البلاد لا يتمتع بالاستقرار الكافي».

بعد ما يقارب عقدين من الزمان، انصاعت فيهما الأردن لوصفات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، الخاصة بنجاعة الاقتصاد والخروج من المأزق، نشرت مجلة الإيكونوميست الإنجليزية المختصة، مقالًا في 22 أكتوبر (تشرين الأول) 2016، تصف فيه الأحوال في الأردن، قائلةً إن «العرش الملكي في البلاد لا يتمتع بالاستقرار الكافي».

ووصفت الإيكونوميست أحوال الاقتصاد الأردني، فأشارت إلى أن معدّل النمو في البلاد، انخفض إلى 2%، فيما وصل الدين العام إلى 93% من الناتج المحلي، وصارت عمّان من أغلى عواصم العالم، في وقت تتآكل فيه الطبقة الوسطى كل يوم، كما أن الضرائب قد ارتفعت، وارتفعت أسعار الخدمات التي لا غنى عنها، تطبيقًا للاتفاق مع صندوق النقد الدولي.

ولفتت المجلة، إلى ما اعتبرته تناقضًا بين حديث القصر الملكي عن رغبته في تقدم وازدهار البلاد، في حين أنه يحاول السير على درب التقدم هذا بـ«خطى الدكتاتورية»، بحسب المنتقدين للنظام، وفقًا لما شكرته المجلة.

وقبل مقال الإيكونوميست بستة سنوات تقريبًا، وبعد مدة طويلة من التطبيق الحازم للسياسات النيوليبرالية، تحت إشراف المؤسسات الاقتصادية الدولية، جاء عام 2009 بأرقامه ليكشف للأردن مآل الاعتماد على نصائح صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، حيث أظهرت الأرقام آنذاك عن تراجع نسبة النمو إلى 1.2%، وأن عجز الموازنة العامة ارتفع إلى ملياري دولار تقريبًا، كما تضخمت المديونية العامة بنسبة تزيد آنذاك على 60% من الإنتاج المحلي الإجمالي، وهبطت الصادرات بنسبة 20%، وهبطت تدفقات الاستثمار الأجنبي بحوالي 65%، هذا بالإضافة إلى الانكماش المستمر للطبقات الوسطى في البلاد.

الاحتجاجات الكبيرة التي شهدتها الأردن في مطلع هذا العقد، مع ثورات الربيع العربي، كانت قد وجهت الانتقادات الحادة للسياسات الاقتصادية النيوليبرالية، وأكدت اللجان الممثلة للمحتجين آنذاك، صراحًة، على انتقاد البنك الدولي، معتبرين أنه: «وضع برنامجًا للعولمة الصهيونية-إمبريالية»، وقد بدا العاهل الأردني آنذاك، بحديثه وخطواته، مؤمنًا بإخفاق النيوليبرالية، وبضرورة الاعتماد على عقيدة اقتصادية ذات طابع اجتماعي.

مع ذلك، عادت الأردن لترى في النيوليبرالية، والاعتماد على المؤسسات الاقتصادية الدولية التي تفرض النيوليبرالية كفلسفة، المنقذ والحل المرجو لحل مشاكلها الاقتصادية مرة أخرى، وبعد كل هذه السنوات.

وكشفت وزارة التخطيط والتعاون الدولي في الأردن، مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري، عن أن الحكومة استكملت مفاوضاتها مع البنك الدولي، للحصول على قرض بقيمة 250 مليون دولار. وبشكل عام، بلغت قيمة المنح الخارجية للأردن، خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2016، أكثر من مليار و200 ألف دولار.

النيوليبرالية في الأردن

منذ توليه الحكم، عام 1999، انتهج العاهل الأردني، عبدالله الثاني بن الحسن، نهجًا اقتصاديًا نيوليبراليًا، بشكل أكثر جذرية بكثير من الأعوام التي سبقت وصوله للحكم، مُشكّلًا تحالفًا واسعًا مع طبقة الأثرياء، ورجال الأعمال الشبان الجدد.

وعمل أيضًا على تفكيك مؤسسات التعدين والطاقة والاتصالات، التابعة للقطاع العام. وكانت نخبة الأثرياء التي شكلت بالنسبة للملك تحالفه الرئيسي في الداخل الأردني، جلها من الفلسسطينيين المقيمين في المناطق الحضرية، وتربطها علاقات قوية بشبكة الرساميل الخليجية.

untitled

وشهدت الأعوام ما بين 2000 و2008، إلغاء كل القيود، أو القوانين المعرقلة لمصالح المستثمرين، إذ باتت البنية القانونية تحمي المستثمرين إلى حد كبير من توجيه تهم الفساد إليهم.

وغالبًا كان الملك يختار معاونيه من النيوليبراليين التكنوقراط، ورواد الأعمال، وبالأخص هؤلاء الذين عينهم في مجلسه الاقتصادي الاستشاري.

ويبرز هنا حضور اسم باسم عوض الله، الذي كان المستشار الأبرز للملك، وهو في نفس الوقت كان المفاوض باسم النظام، في الاتفاقات مع الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية وصندوق النقد الدولي.

وكان لعوض الله دور بارز في الإسراع بوتيرة ما يسمى بالإصلاحات الليبرالية، عبر تفكيك ما تبقى من مؤسسات التعدين والطاقة والاتصالات التابعة للقطاع العام، بالإضافة لإخضاع الأصول العسكرية الثابتة، لشركات، من قبيل شركة «موارد»، الخاضعة بدورها للقصر الملكي.

كيف ساعد صندوق النقد على إجهاض الاحتجاجات الشعبية؟

«الاستثمارات ليست هبات، والمستثمرون ـ وإن كانوا سعوديين ـ ليسوا من صانعي البرّ، ولا تشغلهم، مطلقًا أهداف معالجة البطالة أو تحقيق تراكم الثروة الوطنية والمهارات أو رفع مستوى الخدمات العامة أو مكافحة الفقر؛ فهؤلاء يهمهم تحقيق الربح؛ أقصى ربح الممكن، في أسرع وقت ممكن، ومن دون قيود قانونية أو اجتماعية أو سياسية»، هكذا قال المفكر الأردني الراحل، ناهض حَتّر.

وتشير تقارير بحثية، إلى أنه، رغم ما يثيره ذلك من دهشة، فإن المشروع النيوليبرالي، لم يعد فقط إلى الواجهة ليفرض سطوة مطلقة على السياسة الاقتصادية في بلدان العالم العربي بعد إجهاض ثورات الربيع العربي فحسب، وإنما أيضًا اقتحم هذا المشروع بعد عام 2011، قطاعات ومجالات كانت مغلقة ومحظورة عليه تمامًا قبل عام 2011 وقبل انتفاضات الربيع العربي، وبدأت سيادة جديدة أقوى لأفكار فلسفة التساقط الاقتصادية، وليست الأردن باستثناء في ذلك.

وكان المشروع النيوليبرالي قد انطلق في العالم العربي، في نهايات القرن الماضي بالأساس من خلال ضغوط رأس المال العالمي، والمؤسسات الرأسمالية الدولية، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة العالمية، فضلًا عن استغلال الولايات المتحدة لنفوذها في المنطقة لتعميق التوجه النيوليبرالي، عبر اتفاقات مثل الكويز.

وبالعودة إلى الأردن، فقد ساد نقاش قديم متجدد، حول إن كانت الأردن دولة ريعية أو لا، وكان هذا النقاش مبني من الأساس، حول أن الأردن تتلقى بشكل أساسي إيراداتها من منح الدول العربية والأجنبية، لتلعب دورًا وظيفيًا سياسيًا، وتنفذ مهامًا تطرحها عليها أجندة العمل الدولي، بحكم موقعها المحوري الجيوسياسي، وقد اعتبر بعض الاقتصاديين أن تلك المنح التي تتلقاها الأردن حتى وإن كانت تشكل دعامة اقتصادها فهي لا تعني كون الأردن دولة ريعية، لأنهم يرون أنها تأتي كنتيجة لتصدير سياسة خارجية معينة تشتريها بعض الدول الإقليمية والعالمية الكبرى، بالتالي فإن بيع الموقف السياسي ها هنا يأتي بعد تصنيعه في مصانع اتخاذ القرار.

وبعيدًا عما إن كانت الأردن دولة ريعية أو لا، فقد كان البحث حول هذا الأمر يأتي من قبيل التدليل على أن الأردن لن يشهد ثورات، لأن السلطة فيه تستطيع دائمًا شراء رضا المواطنين بين الحين والآخر كلما استدعى الأمر، عبر المنح التي تتلقاها هي نفسها، نتيجة مواقفها السياسية والاقتصادية التي تهيأ المناخ لهيمنة القوى الكبرى، لكن الأردن كانت قد شهدت مثل باقي الدول العربية في مطلع هذا العقد احتجاجات ضخمة ضد السلطة، وفي الأردن تحديدًا برزت الاحتجاجات بهتافاتها وخطاباتها، كثورة ضد النيوليبرالية.

وبعيدًا أيضًا عن تقييم حجم الريع في قدرته على تحريك مسار الحياة في الأردن، فإنه وفي الظروف الطبيعية، يعلم المثقفون الأردنيون، أن المواطن يدفع ما مجموعه حوالي 65 ضريبة مباشرة وغير مباشرة، تساهم بالقسم الأكبر من إيرادات الدولة الأردنية، ولا يتلقى نظير تمويله ذلك، أي خدمات نوعية مقبولة، فضلًا عن كل مظاهر اللامساواة التي ينخرط فيها طيلة حياته.

أمام الاحتجاجات الكبيرة التي شهدتها الأردن، بالأخص من الشرق أردنيين، تعهد الملك بإصلاحات كبيرة، سواء في السياسات الاقتصادية أو على صعيد تحول البلاد إلى الملكية الدستورية، لكن عاد الملك واستطاع إخماد الغضب الشعبي، حيث استطاع أن يحافظ على مستوى ريع للفرد الواحد أعلى بكثير جدًا مما يحصل عليه المواطن التونسي أو المصري، وكان ذلك بالأساس عبر اعتماد الملك، على الإعانات الكبرى من المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، والمساعدات الأمريكية الكبيرة، فضلًا عن القروض من الاتحاد الأوروبي، والأهم القروض المقدمة من صندوق النقد الدولي، بغية استمرار إخضاع الأردن لنفس السياسات النيوليبرالية، وقد ساعدت تلك المنح على إخفاء العجز الكبير والمزمن في الميزانية الأدرنية، بالإضافة إلى تمويل زيادات ملحوظة في رواتب الموظفين والمتقاعدين، وهي الزيادات التي ظهرت على هيئة مكرمات ملكية.

يدل هذا على أن الريع المنبثق من التبعية الأردنية للسياسات النيوليبرالية، حتى وإن لم يشكل دعامة الاقتصاد الأردني، لكنه على المستوى السياسي، يتدخل بوفرة، في اللحظات الحرجة، ليمنح السلطة الملكية الاستقرار.

وفي مقال نشرته مجلة فورين أفيرز الأمريكية، في ذروة الاحتجاجات الشعبية وتساقط الأنظمة العربية، أشارت فيه إلى أنه رغم سيادة الاعتقاد بأن النظام سيسقط في الأردن نتيجة تراكم الاحتجاجات، الناتجة عن الأزمة الاقتصادية الطاحنة، لكن النظام قادر دائمًا على اتخاذ الخطوات المناسبة في اللحظات الحرجة للخروج من النفق المظلم.

ولفتت الفورين أفيرز، آنذاك إلى توضيح هام، إذ قالت: «وقد نجت الأردن من مثل هذه الأزمات من قبل. وفي كلّ الأحوال فإنّ داعمي الأردن سيتدخلون في اللحظة الحاسمة لحماية استثماراتهم. وإذا ضرب الإقتصاد الأردني وانهار بالكامل فسيأتي عاجلاً القرض الذي يوقفه مجددًا على أقدامه لفترة معينة تسمح للبلاد بالتعافي مجددًا، بما يكفي لإيجاد حل، أو على الأقل اعتماد تكتيك المماطلة».

هكذا عاش المواطن الأردني داخل أحلام الإزدهار الذي وُعد بتحقيقه في عام 2000، ولم ير منه حتى الآن، سوى ما قيل له أنها مرحلة انتقالية صغيرة ستتسم بإجراءات اقتصادية تبدو قاسية، لكنها مع الوقت ستحقق له الرخاء في ظل النيوليبرالية.

لكن لماذا تعتمد الأردن على سياسة القروض، بدلًا من حل مشكلاتها جذريًا؟ ولماذا حدثت هذه المفارقة المتمثلة، في عودة الرغبة في الاستدانة من البنك الدولي رغم كل ما حدث في العقدين السابقين، ورغم وضوح أرقام الخسائر من النيوليبرالية؟

طرح «ساسة بوست»، هذا السؤال على الناشط والباحث الأردني مأمون خلف، ليجيب: «الأردن أهملت تطوير بعض قطاعاتها الاقتصادية التي كان بإمكانها أن تدخل على خزينة البلاد من الموارد ما يساعدها في تغطية نفقاتها. فصارت تستورد القمح بعد أن كانت تنتج منه ما يسد قسم كبير من استهلاكها السنوي، وصارت تستورد الخضروات والفواكه بعد أن كان لديها فائض من إنتاجها تصدره إلى دول الجوار. وخصخصت بعض مواردها الغنية (فوسفات، بوتاس، أسمنت…) بدل من تطويرها. وهذا كله حرم خزينة الدولة من جزء مهم من إيراداتها».

وأضاف خلف قائلًا، إن «الخصخصة في الأردن كما في كثير من دول العالم النامي رافقها حالات من الفساد والحسوبية التي أثارت قضايا رأي عام ولا تزال».

ويرى الباحث الأردني، أن هذه القروض لا تصرف في مجالاتها الصحيحة بحسب حاجة الدولة، كما يرى الباحث الأردني، مُوضحًا أن ذلك بسبب «الشروط التي يضعها الدائنون في توجيه البلد اقتصاديًا؛ فمثلًا بسبب السياسة الاقتصادية النيوليبرالية تميل الدولة للاستثمار في قطاعات -نظريًا- ذات ربح سريع ومضمون على المدى القصير، لكن رأينا أنها قطاعات انهارت مع أول هزة لأول أزمة عالمية».

على هذا، اتجهت الأردن إلى الاستثمار بشكل أساسي، منذ عام 2000، في قطاعات السياحة والعقار والأسواق المالية، «لكننا رأينا أن هذه القطاعات الثلاثة تحديدًا انهارت بشكل سريع منذ العام 2008. حجم الخسائر كان هائلاً في هذه القطاعات، لذلك لتعويضها هناك واحد من طريقين يمكن للأردن أن تلجأ اليه– في ظل إهمالها للقطاعات المذكورة أعلاه -، إما الاقتراض وإما زيادة الضارئب، والضرائب يمكن أن ترفع فقط إلى حد معين بحيث لا تدفع المواطنين باتجاه الثورة، بالتالي يبقى هناك الاقتراض كحل وحيد»، يقول مأمون خلف، الباحث الأردني.

ذكريات النيوليبرالية القاسية

تعيش الأردن في ظل تكريس فكرة اقتصادية مفادها أنها دولة تمتلك موارد محدودة، ولا تستطيع أن تعيش بتركيبة اقتصادها الحالي، بدون تلقي المساعدات الاقتصادية من الأطراف الخارجية، وأن العاهل الأردني يسكن دائمًا آلام اقتصاد بلاده، الذي يعاني من مشاكل جوهرية، عبر مساعدات ممالك الخليج.

مع نهاية ثمانينات القرن العشرين، انهارت القيمة الشرائية للدينار الأردني، وفقد سعر الصرف أكثر من نصف قيمته في فترة قصيرة؛ عقب سلسة من الانهيارات أمام العملات الدولية.

واتجهت الأردن منذ عام 1989، إلى النيوليبرالية الاقتصادية، وإلى الانصياع الكامل لشرط صندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة العالمية، ومن ثم اتخاذ خطوات سريعة في الخصخصة، وبيع القطاع العام للرأسمالية الأجنبية، حيث بات الاقتصاد الأردني يخضع بشكل أساسي، لسيطرة القطاع الخاص الأجنبي.

كان ذلك كله في أعقاب الفشل الكبير في إقامة صناعة وطنية حقيقية، تستغل الدعم المالي الذي تلقته الأردن آنذاك من دول الخليج العربي؛ إذ لم ينتج من هذا الدعم سوى تشكيل طبقة بيروقراطية ضخمة، وغير منتجة، وقطاع عام يعاني بشدة من الفساد المالي والإداري.

ويعتقد الباحث مأمون خلف، أنه في بلد شحيح الموارد كالأردن، «كان الأجدر به وضع خطة تنموية اقتصادية تقوم على الاستثمار فيما لديه، مثلًا خلال طوال الفترة الممتدة من الستينيات حتى التسعينيات كان الشعار السياسي للدولة المرفوع هو (الإنسان أغلى ما نملك)، وعليه فقد كان استثمار البلد الأفضل هو في تنمية الموارد البشرية وتصديرها كعمالة محترفة الى دول الجوار».

وقال خلف، إنّه «في ظل إمكانات البلد المتواضعة من ناحية الموارد الطبيعية، كان عليها الاستثمار في قطاعها الزراعي وتنميته، كون الزراعة جزء أساسي من تكوين البلد الاقتصادي، وبالرغم من الجهود التي تبذلها السلطة في تطوير القطاع الزراعي قريبًا إلا أنها تظل غير كافية، ولا توجد صناعات تحويلية للمنتجات الزراعية، او استثمار حقيقي في التكنلوجيا الزراعية، يويؤكد مأمون أنه في حال تم تطوير القطاع الزراعي إلى مداه الأقصى، فإنه قادر على استيعاب عدد هائل من القوى العاملة، كما أنه قادر على الحد من نسب البطالة في البلد».

ويلفت العديد من المراقبين إلى نقطة أخرى شديدة الأهمية، تتعلق بالتجربة الأردنية النيوليبرالية، أنه بينما، كانت تجري الليبرالية الاقتصادية بسرعة شديدة في الأردن، كانت الليبرالية السياسية تُعرقل بشدة؛ إذ تمارس الدولة وفق التقارير الموثقة القمع، والتزوير، وتعطيل أدوار المؤسسة التشريعية والقضائية.

في عصر النيوليبرالية الأردني، انسحبت الدولة من حماية ودعم الفئات الأضعف في المجتمع، لكنها لم تنسحب من الاقتصاد، كما هو مقرر في النظرية النيوليبرالية، على العكس؛ إذ صارت شريحة رجال الأعمال تستولي، أكثر فأكثر، على السلطات التنفيذية والتشريعية.

وقد اشتملت الخصخصة، كواحدة من فروض الولاء للمؤسسات الاقتصادية الدولية، على ذكريات ربما تبدو قاسية على الشعب الأردني، فعلى سبيل المثال بيعت حصة الحكومة في شركة البوتاس العربية، بأقل من 200 مليون دولار أمريكي، في حين كانت أرباح الشركة في عام واحد تمثل ثلاثة أضعاف المبلغ الذي بيعت به الحصة.

وفي شركة الأسمنت التي تمتلك مصنعين، باعت الحكومة حصتها لمستثمرين فرنسيين عام 1998 بـ70 مليون دينار، وقد حققت تلك الحصة أرباحَا في عام 2008 وحده، قدرت بـ118 مليون دينار.

وشركة الكهرباء الأردنية التي توسعت في السابق، وصارت توصل التيار الكهربائي لـ99% من مناطق الدولة، وهي أعلى نسبة في العالم العربي، بيعت ب70 مليون دولار، لشركة إماراتية، وكانت ممتلكات الشركة وحدها تقدر بـ1.4 مليار دولار.

كانت نتائج الخصخصة وأخواتها من حزمة الإصلاح النيوليبرالية، هي زيادة معدلات الفقر بشكليه النسبي والمطلق، والخلل في توزيع الثروة.

وفي منتصف العقد الماضي، أعلنت لجنة الخبراء المكلفة بمراجعة ملف الخصخصة بوضوح، أن الخصخصة في الأردن لم تساهم في خفض المديونية الأردنية، ولا في حل عجز الميزانية، وإنما ساهمت في تكريسهما.

يأتي هذا بجوار ما رصده المراقبون، من أن الإنفاق الحكومي لجذب الاستثمارات، قد اشتمل على قدر كبير من الإهدار، من قبيل الإنفاق الضخم على إقامة مؤسسات إدارية، وتوظيف ما سمي بالخبرات والكفاءات، والحملات الدعائية الضخمة التي أنفق عليها أكثر من قيمتها الحقيقية بكثير، وهو ما ساهم في إنشاء شريحة طفيلية لا تفيد لا التوجهات الإنتاجية ولا توجهات الدولة النيوليبرالية، هي شريحة الإداريين والمقاولين، التي أطلق عليها الشارع الأردني اسم «شباب الديجيتيل».

يخبرنا الباحث مأمون خلف أن أبرز السلبيات التي عاشها الأردن بسبب انصياعه لمؤسستي البنك وصندوق النقد الدوليين هي: «على مستوى الدولة: زيادة المديونية، وارتفاع نسبة التضخم، واتساع الفجوة في الميزان التجاري ما ترتب عليه زيادة مضطردة في عجز الموازنة العامة في آخر 20 عام».

وعلى مستوى المعيشة، كانت نتائج النيوليبرالية، في نظر مأمون، «تراجع خدمات الدولة للمواطنين، فالتعليم مثلًا الرغم من دعوى أنه مجاني في الاردن إلا أنه يكلف جيب المواطن ما لا يستطيع تحمله، ونفقات الخدمات الصحية ازدادت عما كانت عليه، بحيث أصبح التأمين الصحي للمواطنين شكليًا مقارنة بحجم ما كان يغطيه نفس التأمين في ثمنانينيات القرن الماضي. من جهة أخرى قامت الدولة بفرض المزيد من الضرائب على أسعار المواد التموينية والمحروقات والماء والكهرباء».

كما يلاحظ مأمون أثرًا آخر مهم، أن «لجوء الأردن إلى سياسة الاقتصاد الحر، أثر في ظهور طبقة رأسمالية جديدة من التجار والمضاربين الماليين والمستثمريين في قطاع العقارات أو وكلاء الشركات والماركات العالمية الذين استثروا في العقدين الأخيرين، ويغلب عليها أنها من دوائر الحكم في البلد، أو ذات علاقة بأحد النافذين في الدولة بحيث يمكن تسميتها ببرجوازية الدولة، وأثرت نفس السياسة في المقابل بتجريف الحدود الطبيعية للطبقة الوسطى والدنيا في المجتمع الاردني. تقريبًا اليوم إما أنك غني واضح الغنى في الأردن وإما أنك معدم واضح الفقر، والطبقة القابعة على تخوم هاتين الحالاتين تعاني بشدة».

ثورتان على النيوليبرالية شهدهما الأردن

ربما لا يعرف البعض أن الهبتين الثوريتين الأكبر في تاريخ الأردن الحديث، كانتا نتيجة للسياسات الاقتصادية النيوليبرالية التي اتبعتها المملكة الأردنية.

فالهبة العنيفة التي اندلعت عام 1989، كانت نتيجة أول توجه أردني للنيوليبرالية، متمثل في خفض الدعم، ذلك الخفض المفروض من قبل صندوق النقد الدولي، وهو ما دفع أعدادًا كبيرة من الشرق أردنيين القبليين للاحتجاج، على النتائج الأولى لليبرالية الاقتصادية، والانحياز التام للولايات المتحدة الأمريكية.

وبعد أن أصبح الاقتصاد الأردني تحت وصاية صندوق النقد الدولي وإجراءاته القاسية التي وعدت الأردنيين برخاء قادم لا محالة بحلول عام 2000، لم يصدق المواطنون الذين وقعت على عاتقهم الآثار القاسية لتلك الإصلاحات تلك الوعود، وخرجوا في احتجاجات صاخبة ضد التكيف الهيكلي، وخفض الإنفاق الحكومي، وتفكيك الأشباح الصناعية في الأردن بدلًا من تطويرها.

والحراك الثاني أيضًا الذي بدأ في عام 2011، بات العديد من المحللين ينظرون إليه، بوصفه احتجاجًا واسعًا، من الريفيين الفقراء، على الإصلاحات الاقتصادية النيوليبرالية، التي تسارعت وتيرتها للغاية في عهد الملك عبد الله.

لكن حتى في ذروة التحركات الجماهيرية بعد 2010، لم تحد السياسات الحكومية عن المسار النيوليبرالي بشكل جوهري، وبالرغم من رفع الاحتجاجات كلها لمطالب مكافحة الفساد ومحاربة البطالة ورفع الأجور وبناء شبكة أمان اجتماعي وزيادة الإنفاق على الخدمات العامة، تحديدًا التعليم والصحة وإعادة هيكلة النظام الضريبي، لكن التغييرات التي حدث في إطار هذه المطالب ظلت شكلية بحسب العديد من المراقبين، وظلت أولوية عجز الموازنة تمثل جوهر السياسة الاقتصادية متزامنة مع توسع في الاقتراض الخارجي وفي أوقات كثيرة، بدون رقابة شعبية ولا برلمانية.

وكما سبق وذكرنا، فقد استطاع النظام عبر المنح، وبالأخص المنح القادمة في إطار حرب السعودية والإمارات ضد الربيع العربي، وقروض صندوق النقد الدولي، أن يعلق وعوده بالانتقال للملكية الدستورية تمامًا، وأن يحتوي المعارضة.

وفي النهاية، جدير بالذكر أن الأردن التي تعتمد على تصدير مواقفها السياسية، والتي انتهجت النيوليرالية لعقدين من الزمن، ربما تجد نفسها في العقود القادمة، في مفترق طرق، يفرض عليها خيارات وتحديات جديدة، في ظل ما يتحدث عنه عديد المراقبين والمفكرين، عن نهاية عصر النيوليبرالية وبداية عصر «النيوقومية».

المصادر

تحميل المزيد