يشكل «نظام البيعة» حجر أساس في الحقل السياسي المغربي، وأحد المصادر الرئيسة لمشروعية الحاكمين والسلاطين المتعاقبين على المغرب. خصوصًا وأن «الخلافة الإسلامية» في المغرب من الأدارسة ثم المرابطين ثم الموحدين ثم المرينيين ثم السعديين ثم العلويين كانت دائمًا مستقلة عن الخلافة الإسلامية المركزية، عباسية كانت، أو فاطمية، أو عثمانية. فنظام البيعة يعتبر التجسيد الأول لـ «التأسيس الإيديولوجي» والمرجعي للدول في المغرب.

وتعين مناسبة حفل الولاء والبيعة كل سنة موعدًا، مع نقاشٍ  واسعٍ حول نظام البيعة في المغرب، والتوظيف الديني والسياسي له، والطقوس  الاحتفالية التي تصاحبه. سواءً من جهة المتشبثين بهذه الطقوس التقليدية، أو من جهة الداعين إلى إلغائها. نقاشًا تشاركُ فيه كل الفعاليات السياسية في المملكة، من اليساريين والعلمانيين (بشكلٍ  رمزيّ)، وصولًا إلى الإسلاميين بتعدد مواقفهم.

سنحاول في هذا التقرير أن نعرِّف القرَّاءَ ما هو حفل «الولاء والبيعة»؟ وإبراز المكانة التي يجدها، والدور الذي يلعبه وسط الحقل السياسي المغربي، معرجين على أبرز مواقف التيارات السياسية في المغرب من حفل الولاء.

أولا: ما هو حفل الولاء والبيعة؟

حفل الولاء والبيعة هو حفلٌ  رسميّ في المملكة المغربية يقام كل سنة بتزامن مع عيد العرش، الموافق 30 يوليو (تموز) في عهد «أمير المؤمنين محمد السادس»، تمّ تنظيم هذا الحفل للمرةِ الأولى سنة 1934 من قبل القوميين المغاربة الذين كانوا راغبين في تحدِّي السلطات الفرنسية التي حكمت المغرب.

وجرت العادة أن يتخذ «البروتوكول» الملكي لهذا الحفل بعدًا احتفاليًّا يتجلى في حضور المنتخبين عن جهات المملكة وممثلي الشعب المغربي، بالإضافة إلى وزير الداخلية، وولاة وعمال الجهات، والعمالات والأقاليم، وولاة وعمَّال الإدارة المركزية. إلى باحة«المشور» بأحد القصور الملكية من أجل تقديم فروض الطاعة والولاء، وتجديد العهد للعرش المغربي، والتأكيد على التمسك بـ «أهداب العرش».

وتجدر الإشارة إلى أن البيعة وطقوسها تعتبر تجديدًا من لدن المغاربة للبيعة، التي في عنقهم إزاء الملك؛ باعتبارها عقدًا سياسيًا ودينيًا شاملًا، وعقدًا سياسيًا  واجتماعيًا  وروحيًا  ودينيًا وربانيًا وسماويًا متكاملًا. كما أن هذا الميثاق بين العرش والشعب القائم على ركائز دينية متينة تستمد ثوابتها من شرائع الدين الإسلامي الحنيف، يجسد الاستمرارية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، إذ إن تواصل الحكم الرشيد، والثبات على النهج القويم، يعد مفتاح الاستقرار والرقي والازدهار بالنسبة للبلاد.

مراسيم وطقوس حفل الولاء

يمتد حفل الولاء ما بين عشرة إلى عشرين دقيقة فقط. يستهل بأن يخرج أمير المؤمنين من بوابة القصر الملكي ممتطيًا الحصان الملكي الأصيل، ومظللًا بمظلة كبيرة بلون أحمر قانٍ، يحملها بعض الخدم الذين يتبعون خطوات الحصان –  في تلميح وتجسيد لطقوس بيعة الرضوان تحت الشجرة –  وذلك في جو من «الأهازيج الشعبية» تدعو لملك البلاد بالسؤدد وطول العمر.

وفيما يلوح عاهل المملكة بيمناه إلى الحضور على جنبات الساحة، من مسؤولين حكوميين، وشخصيات مغربية وأجنبية، تكون صفوف المبايعين المرتدين للباس المغربي الأصيل الأبيض قد رُصت واكتملت؛ لتأدية طقوس الولاء والبيعة لملك البلاد، وسط عبارات التبجيل المعتادة في الحفل من قبيل «الله يبارك في عمر سيدي».

ويشق أمير المؤمنين صفوف وفود جهات المملكة الواحد تلو الآخر، وهم يرددون عبارات البيعة والولاء في جوٍ احتفاليٍّ بهيج، يتسم بإطلاق المدفعية لعدد من الطلقات، وترنيمات موسيقى عسكرية مخزنية تحتفي بحضور الملك.

دور حفل الولاء والبيعة في تثبيت شرعية الملكية في المغرب.

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو أن «المظاهر والطقوس الاحتفالية لحفل الولاء والبيعة تشكل نوعا من السلطة، وليس السلطة التي تفرض نفسها من حيث الأوامر فحسب، وإنما تلك التي تمارس من غير أن يكون علينا ممارستها، تلك التي ندعوها سلطة طبيعية».

تحليل «بورديو» الأخير يحيلنا على استنتاج أن هذا المخزون الطقوسي لحفل الولاء والبيعة بممارسته لهذه السلطة الطبيعية ساهمَ، ويساهمُ، بشكل واضحٍ، في عملية تطويع النخب السياسية، وإدماجها في الحقل السياسي الرسمي، وتثبيت شرعية الخلافة الإسلامية في المغرب منذ أزيد من اثني عشر قرنا، كما يجسد قوة النظام واستمراريته التي يستمدها من الإجماع الشعبي عبر أبرز تجلياته في طقوس البيعة.

مواقف التيارات السياسية من حفل الولاء

بينما تختار التيارات الحداثية والعلمانية واليسارية الصمت، وتجاهل الحديث عن حفل الولاء والبيعة، إلا في بعض التصريحات المتناثرة وغير الرسمية. نجد أن الإسلاميين في المغرب ـ بمختلف تياراتهم ـ يتناولون الموضوع بشكل أكثر جدية، بين مؤيد لاستمرار تنظيم الحفل ومعارضٍ له.

يقفُ الإسلاميون المعتدلون متمثلين في «حركة التوحيد والإصلاح»  و «حزب العدالة والتنمية» الذي يرأس الحكومة الآن، موقف المتشبث بالبيعة وطقوسها  ويعتبرونها عهدًا على الطاعةِ، مؤكدين على الثوابت التي اعتمدها هذا التيار، كشرط من شروط ولوج الحقل السياسي الرسمي، وهي: الإقرار بالإسلام كدين للأمة، ثم العمل في ظل الملكية وإمارة المؤمنين، ونبذ كل أشكال التطرف والعنف الديني. وفي هذا الإطار يعمل حزب العدالة والتنمية المغربي في كل مناسبة، على التذكير بتشبثه بشرعية المؤسسة الملكية، وبنظام البيعة وطقوس حفل الولاء معتبرًا إياها إرثًا دينيًا وحضاريًا ينبغي السهر على استمراره.

وفي الجهة المقابلة نجد «جماعة العدل والإحسان» التي تتموقع فيما سماه الباحث المغربي «عبد الإله سطي» بـ «الإسلام الاحتجاجي»، فتتخذ موقفًا ناقدًا لحفل الولاء والبيعة وتصف طقوسه بـ«المذلة والمهينة» خصوصًا الانحناء الشديد الذي يصفونه بـ«الركوع»، كما تعتبر تشبيه الحفل ببيعة الرضوان كما عبر عن ذلك وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية السابق «أحمد التوفيق» مجرد حشد للمسوغات الواهية التي لا يسندها شرع، ولا يقبلها عقل.

ختامًا، يمكن استنتاج أن حفل الولاء والبيعة بمظهره الطقوسي الاحتفالي، وباعتباره عقدًا على الطاعة، ورباطًا مقدسًا بين الراعي والرعية في المغرب، يشكل أحد الثوابت الرئيسة لشرعية الملكية المغربية، باعتبارها إمارة للمؤمنين، والساهرة على حماية الوطنِ والدين، مشكلًا ـ أيضًا ـ آلية للاستقرار السياسي، وضمانًا للاستمرارية، خصوصًا وأن طقوسه التقليدية والدقيقة توحي على هبة خاصة للسلطان، وسموه، وتشعر المبايعين بأنهم دخلوا فعليًا تحت حماية إمارة المؤمنين.

المصادر

-عبد الإله سطي: كتاب «ما بعد الإسلام السياسي في المغرب»
-محمد شقير: السلطة والمجتمع المدني
عرض التعليقات
تحميل المزيد