عندما صعد العاهل السعودي الملك «سلمان» إلى العرش في يناير/ كانون الثاني الماضي، فقد تولى مقاليد الحكم ربما في أكثر الفترات حسما منذ عهد والده الملك «عبد العزيز» الذي أسس المملكة العربية السعودية قبل حوالي 83 عاما.

ومع وجود اليمن الذي يغلي في الجنوب، وتنظيم «الدولة الإسلامية» الذي يهدد المملكة في الشمال، وإيران التي يبدو أنها تطوق المملكة، والقضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الموجودة في كل مكان على الجبهة الداخلية، تحتاج المملكة العربية السعودية إلى زعيم قوي وحاسم يمتلك رؤية واضحة على المدى البعيد.

لقد شكك البعض آنذاك في قدرة الملك «سلمان» على هذه المهمة، ونظرا لما قام به من تغيير شمل العديد من المواقف السياسية الرئيسية في وقت سابق من هذا الأسبوع، فإن ما يزال هناك قلة تشكك في قدرته حتى الآن.

كيف يمكن للتعديل الوزاري في المملكة العربية السعودية أن يؤثر على الخلافة؟

تظهر ثلاثة من هذه الخطوات جلية وجديرة بالملاحظة، سواء بالنسبة لمن يتحدثون عن رؤية «سلمان» وحزمه، أو من يتناولون طبيعة السياسة الداخلية والخارجية السعودية الآن وربما لعقود قادمة.

ثلاث خطوات جريئة

لقد فتح الملك «سلمان» الطريق أمام أحفاد المؤسس الأول للمملكة للدخول على خط الخلافة بعد استبداله ولي العهد الأمير «مقرن بن عبد العزيز» الأخ غير الشقيق والابن الأصغر للملك عبد العزيز بوزير الداخلية الأمير «محمد بن نايف»، ثم تعيين ابنه وزير الدفاع الأمير «محمد بن سلمان» نائبا لولي العهد.

وبنفس الجرأة السابقة استبدل الملك سلمان الأمير «سعود الفيصل»، الذي يشغل منصب وزير الخارجية في المملكة العربية السعودية منذ ما يقرب من أربعة عقود، بـ«عادل الجبير» السفير الحالي للمملكة لدى الولايات المتحدة، ليكون ثاني وزير خارجية من خارج الأسرة المالكة. ولكن من هم هؤلاء القادة الجدد، ولماذا تعيينهم ذات أهمية؟

لقد أثبت الأمير «محمد بن نايف» منذ تعيينه كمساعد وزير الداخلية للشؤون الأمنية في عام 1999 واستمراره مشرفا على الملف الأمني بعد تعيينه وزيرا للداخلية في عام 2012 أنه أقسى من يتعامل مع تنظيم القاعدة والعناصر المتطرفة الأخرى داخل المملكة، خاصة خلال سنوات الذروة من 2003 – 2005.

وفي الآونة الأخيرة، قام بدور قيادي في جهود المملكة العربية السعودية في مواجهة النفوذ الإيراني في اليمن والدولة الإسلامية في العراق وسوريا. كما أنه صار رأس حربة الملك «سلمان» في آلية مواجهة المملكة لنفوذ إيران المتنامي في أماكن أخرى في المنطقة.

ويحظى الأمير «محمد بن نايف»، البالغ من العمر 55 عاما، بمكانة مرموقة داخل المملكة وفي المنطقة ولدى الغرب، ولا سيما في دوائر الأمن الوطني ومكافحة الإرهاب الأوروبية والأمريكية، وهي النقطة الرئيسية التي شكلت بالتأكيد قرار الملك «سلمان» لتبني هذه الخطوات. كما يمتلك «محمد بن نايف» سمعة جيدة كقائد ذكي وعملي وحاسم ومخضرم سياسيا. بل إنه يوصف بالدهاء في تعامله مع وسائل الإعلام، وهذه خاصية لا ترتبط عادة بالعائلة المالكة.

تأييد ساحق

من ناحية أخرى؛ فإن نائب ولي العهد الأمير «محمد بن سلمان»، في الثلاثينيات من عمره، لا يزال مجهولا إلى حد كبير ولم تثقله التجارب. لقد كان «محمد بن سلمان» أصغر وزير دفاع في العالم عندما تم تعينه في هذا المنصب قبل ثلاثة أشهر فقط. ومع ذلك، عندما بدأ التحالف الذي تقوده السعودية شنّ حملته العسكرية ضد المتمردين الحوثيين في اليمن الشهر الماضي تحمل الأمير «محمد بن سلما»ن المسؤولية الأساسية عن قيادتها.

ولا تزال الحملة في اليمن تحوز على التأييد والدعم الساحق داخل المملكة وبين شركائها في الائتلاف السني لموقفها المتشدد ضد الحوثيين، ومن ثم ضد إيران. ورغم أن نتائج الحملة لا تزال غير مؤكدة، إلا إن الدعم قد يتضاءل إذا استمرت إلى أجل غير مسمى. وبغض النظر عن كيفية وضع حد للحملة في اليمن، فإنها ستكون بمثابة الأساس الأول لسمعة الأمير «محمد بن سلمان»، والذي، نظرا لصغر سنه، سيحتاج بلا شك إلى سنوات من بناء الذات.

وربما المقياس الأكثر أهمية على قدراته القيادية، والمنصب الذي يحتاج الأمير «محمد» أن يدرسه عن كثب على المدى الطويل، هو منصب رئيس لجنة الشؤون الاقتصادية والتنمية، والذي هو مفتاح الازدهار والجدوى الاقتصادية للمملكة في المستقبل.

ولكن في الوقت الراهن على الأقل، فإنه، جنبا إلى جنب مع ولي العهد الأمير محمد بن نايف، سيكون الاثنان بمثابة أبرز رجال المملكة العربية السعودية هيمنة على الأمن القومي. ونظرا لمستوى تلك التهديدات، داخليا وخارجيا، فسيحتاجان للبقاء قريبا من الحلفاء وثيقي الصلة. ولحسن الحظ بالنسبة للمملكة، فإن هناك ما يشير إلى أن ذلك لن يحدث.

أما وزير الخارجية الجديد «عادل الجبير»، البالغ من العمر 53 عاما، فهو أيضا ممثل لجيل الشباب الجديد من القادة المثقفين الغربيين في المملكة.

وبطلاقته في اللغتين الألمانية والإنجليزية فقد صبغ الاقتصاد والشؤون الدولية في وزارة الخارجية بالصبغة العالمية، وينظر إليه على أنه دبلوماسي ومحترف من الطراز الأول.

جيل الشباب

تم تعيين «الجبير» في السلك الدبلوماسي بالمملكة في عام 1987، وخدم منذ البداية في الولايات المتحدة حتى وصل إلى منصب سفير المملكة لدى واشنطن في عام 2007. ومثل ولي العهد الأمير «بن نايف»، فإن «الجبير» متمكن أمام وسائل الإعلام، وهو أمر نادر للوزراء السعوديين البارزين.

وفي الوقت الذي تتورط فيه المملكة العربية السعودية حاليا، عسكريا، في اثنين من الصراعات، واحدة في العراق وسوريا إلى شمالها وأخرى في اليمن إلى جنوبها، فإن مهمة الحفاظ على الدور القيادي الحاسم للمملكة في المنطقة، فضلا عن تعزيز علاقاتها مع الحلفاء الإقليميين والغربيين، ستقع بشكل كبير على كاهل وزير الخارجية.

وبترقية ولي العهد الأمير «محمد بن نايف» ونائب ولي العهد الأمير «محمد بن سلمان» إلى مناصبهم الجديدة، فقد نقل الملك «سلمان» الخلافة إلى جيل الأحفاد، وإذا لم يطرأ ما قام به تغيير فإن ذلك قد يوفر الاستمرارية والقيادة اللازمة لتحقيق الأمن والازدهار في المملكة على المدى الطويل، وهي النقطة التي لم يغفلها كل من أصدقاء المملكة العربية السعودية وأعدائها على حد السواء.

وبالنسبة لوزير الخارجية «الجبير» فإنه لديه دبلوماسي عملي ويحظى بالاحترام، كما يتمتع بالمهارات اللازمة للمساعدة في دفع المملكة العربية السعودية إلى دور أكبر بكثير في الشؤون الجيوسياسية الإقليمية والعالمية لسنوات عديدة قادمة. حقا إنها ثلاث خطوات جريئة اتخذها الملك «سلمان».

المصدر | مارتن ريردون – الجزيرة

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد