«جلالة الملك عينني وجلالة الملك أعفاني.. وانتهى الكلام»، بهذه الكلمات لخَّص عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة المغربية السابق، المشهد السياسي في المغرب برمته دون أن يدري، وهو يجيب حشود الصحافيين الذين أحاطوا به، بُعَيْد خبر إعلان إعفائه من قبل الملك محمد السادس وتكليف زميله في الحزب سعد الدين العثماني بمهمة تشكيل الحكومة، بعدما علق المغرب في شراك «البلوكاج السياسي» لأزيد من خمسة أشهر.

خلًّف قرار إقالة عبد الإله بنكيران من قيادة الحكومة صدمة غير متوقعة لدى الرأي العام المغربي، ما خلق ضجة إعلامية وشعبية ما زالت أصداؤها متواترة حتى الآن، حول ما يجري حقًا في كواليس السياسة المغربية الغامضة، التي فشلت بكافة تلوناتها في توفير حياة معيشية كريمة للمواطنين المغاربة.

نقطة البداية

مع بداية 2011، ستعرف معظم البلدان العربية احتجاجات ما سمي بـ«الربيع العربي»، كانت «حركة 20 فبراير» النسخة المغربية من هذا الحراك الشعبي في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، والتي ألقت حجرًا ضخمًا في مياه السياسة الراكدة بالمغرب، وحرَّكت دينامية سياسية واجتماعية بالبلد، بخاصة وأن المظاهرات الشعبية حينها انطلقت بعفوية مطالبة «بإسقاط الفساد والاستبداد».

وبينما أيدت جماعة العدل والإحسان بجانب اليسار الراديكالي، المعارضان للنظام، الحراكَ الفبرايري، تبرأت منه كافة الأحزاب السياسية المغربية آنذاك وأصدرت بيانات تنتقد الاحتجاجات، منها حزب العدالة والتنمية، الذي دعا حينئذ على لسان رئيسه عبد الإله بنكيران، هياكله التنظيمية وأنصاره إلى عدم المشاركة في المظاهرات، ونبه إلى أن «من يشارك فيها من منتمي الحزب يعبر عن وجهة نظره الشخصية ولا يمثل توجه الحزب».

مباشرة بعد أسبوعين من خروج المظاهرات في 20 فبراير (شباط) 2011، ظهر الملك محمد السادس في خطابٍ رسميٍّ متلفز في 9 مارس (آذار)، يعلن فيه عزمه تشكيل دستور جديد يضمن مزيدًا من الحقوق والحريات ويستجيب للمطالب الشعبية، كما أعلن عن انتخابات سابقة لأوانها لتشكيل حكومة جديدة.

وفي 1 يوليو (تموز) 2011، خرج الدستور الجديد إلى العلن وحاز على %98 من المصوتين له بعد عرضه على الاستفتاء شعبيًّا، إذ أيدت كافة الأحزاب السياسية الدستور الجديد، ونال قبول طائفة واسعة من الشعب المغربي، بما في ذلك جزء من المشاركين في احتجاجات حركة 20 فبراير. في حين قاطعت العدل والإحسان واليسار الراديكالي الاستفتاء على الدستور، واعتبراه محاولة للالتفاف على المطالب الشعبية، من وجهة نظرهم.

كان الدستور الجديد متقدمًا على كل الدساتير المغربية التي سبقته، إذ تخلى الملك عن بعض صلاحياته لصالح رئيس الحكومة وعزز مكانة النساء والشباب في المشهد السياسي، لكن رغم ذلك لم يرق إلى ملكية برلمانية ترمز ولا تحكم على غرار الملكيات في أوروبا، حيث ظل الملك على رأس السلطات، القضائية والعسكرية والدينية والسياسية، ومحدد السياسات الكبرى الداخلية والخارجية، كما تؤكد ديباجة دستور المغرب 2011.

مع نهاية 2011، عقدت انتخابات مبكرة فاز بها العدالة والتنمية برئاسة عبد الإله بنكيران، ليشارك الإسلاميون القصر الحكم لأول مرة في تاريخ المغرب، وعمَّت الرأي العام المغربي مشاعر إيجابية.

كان أثر تقلد إسلاميي حزب العدالة والتنمية السلطة في المغرب شديدًا على زخم احتجاجات حركة 20 فبراير، حيث انسحبت معظم المكونات الشعبية من الشارع،  بعدما رأت في الإسلاميين أملًا أخيرًا لإنقاذ البلاد من الفساد والاستبداد الذي ظل يكبلها طيلة عقود، دون السقوط في كابوس الفوضى والعنف كما حصل في سوريا وليبيا.

وهو ما جعل محللين يذهبون إلى أنَّ القصر استخدم الإسلاميين كطوق نجاة من ما سمي بـ«الربيع العربي»، من أجل تمرير المرحلة وامتصاص الغضب الشعبي.

بنكيران والحكومة.. والتماهي مع القصر

شكًّل عبد الإله بنكيران حكومته بالتحالف مع أحزاب أخرى، وظل يردد بأنه «مدعوم من جلالة الملك»، في إشارة منه لعلاقته الجيدة مع القصر، مؤكدًا في كل مرة أنه مجرد «موظف» لدى الملك، وهو ما اعتبرته القوى المناهضة للنظام المغربي، من الإسلاميين واليساريين، تحولًا للحزب الإسلامي إلى أداة في يد القصر، وتكيل له تهمة الوقوف حائلًا بينها وبين المطالب الشعبية بقبوله دخول المسار الإصلاحي الذي رسمه القصر.

بمجرَّد مرور السنوات الأولى من عمر الحكومة الإسلامية، تبين ضعف خبرة حزب العدالة والتنمية في إدارة الشأن العام، حيث خاب أمل العديد من الفئات الشعبية في تحسن أوضاعهم، بداية من المعطلين والأساتذة المتدربين والعمال وسكان القرى والهوامش، وتسببت سياسات الحكومة في رفع الأسعار وارتفاع الديون، كما فشلت في حل مشاكل التعليم والصحة والعدالة القضائية، بل وعجزت عن محاربة الفساد، الشعار الذي بنى عليه حزب العدالة والتنمية حملته الانتخابية.

وبالمقابل، تحسنت أحوال أعضاء الحزب الإسلامي، الذين قَدِمَ معظمهم من أوساط فقيرة، فأصبحوا بين ليلةٍ وضحاها يشغلون الدواوين الوزارية، ويمتطون السيارات الفارهة، ويملكون الأراضي والمساكن الفسيحة، بفضل الرواتب الجيدة للغاية التي يتحصل عليها وزراء وبرلمانيو الحزب والتعويضات السخية، والتسهيلات الإدارية والضريبية، التي تخول لهم اغتناء مشاريعهم الخاصة، بالإضافة إلى توظيف الأقارب والأتباع داخل الإدارات العمومية.

 

اقرأ أيضًا: الموظفون الأشباح وتهريب الأموال.. 5 ثقوب سوداء تلتهم ميزانية المغرب

 

وبالتوازي مع ذلك، استمرّ عبد الإله بنكيران طوال ولايته يمتدح القصر ومحيطه وينتقد بشدة كل من يشكك في حصيلته الحكومية وتراجعه عن وعده بمحاربة الفساد، الأمر الذي قرأه بعض المراقبين بأن حزب العدالة والتنمية بات هاجسه الأول هو الاستمرار في كراسي الحكومة ونيل رضا القصر، بعدما استمرأ حلاوة السلطة، وإن اقتضى الأمر التخلي عن بعض صلاحياته السياسية لفائدة القصر.

لكن في نفس الوقت، ظل عبد الإله بنكيران وصقور حزب العدالة والتنمية، خاصة في الفترة الأخيرة، يهددون بفزاعة عودة «حراك الشارع» كلما استشعروا غضبًا قادمًا من القصر أو محيطه، ولا سيما بعد أن أحسوا بانتهاء صلاحيتهم في السلطة بالنسبة لما يمكن تسميته «الدولة العميقة».

 

القصر  يغضب!

فاز الإسلاميون في المغرب مرة أخرى في الانتخابات التشريعية نهاية 2016، وضمنوا بقاءهم في السلطة لولاية ثانية، لكن سرعان ما واجه عبد الإله بنكيران صعوبة شديدة في تشكيل حكومته، ودخل المغرب على إثر ذلك في عطالة حكومة دامت لأزيد من خمسة أشهر، دون أن يستطيع بنكيران عقد ائتلاف حكومي، على الرغم من فوز حزبه بأغلبية المقاعد البرلمانية.

إلى أن أقال الملك محمد السادس عبد الإله بنكيران من مهمة تشكيل الحكومة، بعدما عجز طوال خمسة أشهر، واستبدل به زميله في الحزب، سعد الدين العثماني، الذي سبق له أن شغل وزارة الخارجية من يناير (كانون الثاني) 2012 إلى أكتوبر (كانون الأول) 2013، مبررًا القصر إعفاءه في بلاغ رسمي «بفشله في تشكيل الحكومة».

وسرعان ما ردت الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية في بيان لها بأن أمينها العام عبد الإله بنكيران «لم يفشل في تشكيل الحكومة بل احترم الدستور والإرادة الشعبية وكذلك الاختيار الديمقراطي»، مؤكدًا أن شروط الحزب في معارضة دخول حزب الاتحاد الاشتراكي للحكومة ستبقى مستمرة، وهو ما يعتبر ردًا ضمنيًا للبيان الملكي.

في هذا السياق، يفسر علي السيجاري، الأستاذ الجامعي في جامعة أكدال، إعفاء بنكيران بكونه سقط في المحظور ودخل في سجالٍ مع القصر، مضيفًا أن «القصر في حاجة إلى شخص توافقي، مثل العثماني، يقبل بالنقاش ومنفتح على كل التيارات السياسية، وهذا ما سيجعل الجولة الثانية من المشاورات الحكومية أكثر مرونة ويسْرًا وسيسهل المأمورية على باقي الفرقاء السياسيين».

أما الإعلامي المعروف، «علي أنوزلا»، فيعتبر أن الأزمة الحقيقية تتمثل في صراع بين إرادتين سائدتين في المشهد السياسي، إرادة القصر الذي يريد الحد من مد إسلامي متنامٍ، وإرادة إسلاميين ممثلين في حزب العدالة والتنمية، الذين يسعون إلى التشبث بقربهم من القصر؛ لضمان وجودهم واستمرارهم شريكًا في العملية السياسية.

وفي نفس الطريق، يذهب محمد مدني، أستاذ القانون الدستوري بجامعة محمد الخامس، إلى أن «الملكية تسعى إلى استعادة التنازلات التي قدمتها خلال احتجاجات 2011»، ومن ثمة بات استمرار وجود الإسلاميين في السلطة مصدر قلق بالنسبة للقصر، خاصة بعد محاولات تجذرهم في دواليب الدولة، بالإضافة إلى مواقفهم تجاه القضايا الدولية، التي لا تخفي تعاطفهم مع حركات الإسلام السياسي في مصر وتركيا وسوريا.

وكما قال عبد النبي كياس، تبقى الأحزاب السياسية في المغرب بمختلف مشاربها، مجرد تجمعات سياسية تؤثث المشهد السياسي المغربي، يتم استعمال كل واحد منها في السلطة حسب الحاجة، لإدامة سيرورة النظام السياسي في المغرب، المتمحور حول القصر، فهل تلقى تجربة الإسلاميين في السلطة نفس مصير حكومة اليوسفي مع حزب الاتحاد الاشتراكي سنة 2002؟

المصادر

تحميل المزيد