مملكة قوية سادت ثم بادت وذهبت طي النسيان. شهدت أوج حضارتها في شمال الجزيرة العربية على طريق «البخور» التجاري، الذي يمتد من المحيط الهندي إلى موانئ فلسطين وسوريا، وحتى حدود المملكة الأردنية الهاشمية الآن. إنها مملكة الأنباط التي كانت كيانًا سياسيًا قويًا ازدهر منذ سنة 169 قبل الميلاد، وحتى نهاية القرن الأول الميلادي، وتحديدا سنة 106 ميلاديًا.

على الرغم من أن حضارة الأنباط جرى تجاهُلها وفُقدت تقريبًا لمدة 1500 عام، إلا أنها معروفة اليوم بعاصمتها المنحوتة على الصخور الجميلة في مدينة البتراء، التي تقع جنوب الأردن، والتي تحتوي على جبل مقدس يصعب صعوده يسمى «صخر» أو «حجر»، أطلق عليه العرب قديمًا اسم الرقيم، وهو الآن موجود عند وادي موسى. أما أشهر الدول والمقاطعات الموجودة في مملكة الأنباط فهي: أم الجمال في شمال الأردن حاليًا، ومدائن صالح في شمال غرب المملكة العربية السعودية، والنقب في فلسطين.

وقد ظل أصل الأنباط موضوعًا للنقاشات والاجتهادات بين الباحثين والمختصين الغربيين، ظنًا منهم أن حضارة الأنباط المتقدمة قد ترجع إلى بعض الشعوب القادمة من خارج الجزيرة العربية، وذلك لأن الجزيرة العربية كانت تتميز بحضارة بدوية، أو زراعية، يسُتبعد أن تكون حضارة الأنباط نتاجًا لها. بيد أن آراء جميع الباحثين تقريبًا اتفقوا على أن الموطن الأصلي للأنباط كان شبه الجزيرة العربية.

مملكة الأنباط.. قصة الحضارة الغامضة التي ازدهرت في السعودية

 خريطة توضيحية لمملكة الأنباط

أسلاف قوم ثمود!

ذهب بعض الباحثين إلى أن أصل الأنباط جاء من «نبايوت» الوارد في التوراة (سفر التكوين – 13:25 و9:28)، ونبايوت هذا هو الابن البكر للنبي إسماعيل حسب التوراة. وربط البعض الآخر الأنباط باسم «نبيت» الوارد في سجلات الملك الأشوري تجلات بلاسر (727 – 745 ق.م) التي تحكي تاريخ الحروب التي وقعت بين قبائل متعددة قادمة شمال شرقي الجزيرة العربية والقوات الأشورية.

غير أن ثمة مؤشرات لغوية تدحض أي رابطة بين «نبيت» و«نبطو»، إذ إن الأنباط عرفوا أنفسهم بـ«نبطو» من خلال نقوشهم، وبذلك فإن الاسم الأشوري لا يمكن مقاربته لاسم الأنباط في ضوء اختلاف حرفين أساسيين بين الاسمين. وعلاوة على ذلك فإن ورود الاسم في سجلات الملك تجلات بلاسر كان أسبق بكثير من ظهور الأنباط المعروف في القرن الرابع قبل الميلاد، أي بفارق أربعة قرون كاملة.

وعلى الرغم من أن بعض الاجتهادات أشارت إلى أن الأنباط قد جاءوا من الساحل الغربي للخليج العربي، أو من جنوب بلاد الرافدين لورود اسم الأنباط من بين القبائل الرافدية «النبطيين»، إلا أن آراء جميع الباحثين اتفقت على أن الموطن الأصلي للأنباط هو الجزيرة العربية، وخاصة أراضي المملكة العربية السعودية الحالية.

ومن المرجح حسب الكثير من الباحثين – خصوصًا الجدد – أن يكون الأنباط جزءًا من قبائل ثمود الوارد ذكرها في القرآن (سورة الحجر) التي كانت تنتشر وسط الجزيرة العربية وشمالها. وقد أثبتت النقوش المكتشفة في مناطق الجزيرة العربية انتشارًا واسعًا لهذه القبائل في تلك المناطق، وعزز ذلك ما تم العثور عليه من تراث ديني للأنباط، لاسيما فيما يتعلق بأسماء الآلهة.

فالوجود النبطي المتأخر في شمال غرب الجزيرة العربية وحتى جنوب بلاد الشام وشرقها يعتبر امتدادًا طبيعيًا لوجود الثموديين، خصوصًا أن معظم هجرات القبائل العربية من الجزيرة كانت تأخذ هذا المنحى في أغلب الوقت، إضافة إلى المنحى الآخر المتجه إلى الشمال الشرقي للجزيرة، أي باتجاه بلاد الرافدين.

دلائل مؤكدة على عروبة الأنباط

يري المحللون أن الأنباط قبائل عربية تشاركت في الأصول والقيم والتقاليد؛ ما سهّل تمازجها لتشكل دولة مركزية في المنطقة. وأشاروا إلى أن الدلائل الواضحة على عروبتهم يمكن استقاؤها من مصادر عاصرتهم من الأجانب، كالمؤرخ ديودورس، والجغرافي سترابو، بالإضافة إلى وصف التوراة لهم بأنهم عرب، علاوة على أن موطنهم الأصلي هو الجزيرة العربية، وأسماء ملوكهم ومعظم أعلامهم عربية كالحارث، ومالك، وعبادة، وجميلة، وشقيلة، وخلدو (خلود أو خالدة)، وصالح، وسلمو.

علوم

منذ 3 شهور
قد تكون أقدم من الأهرامات.. ما قصة الآثار الحجرية في السعودية؟

يضاف إلى ذلك أن أسماء آلهة النبط وأصنامهم معروفة وشائعة في أرجاء الجزيرة العربية وحضاراتها الشمالية والجنوبية، كما ثُبت أن أصول الكتابة العربية الحالية، والحروف خصوصًا، يستندان إلى ما وصلت إليه الكتابة النبطية في هذا المجال. 

تاريخ الاستيطان النبطي

البحث في تاريخ الأنباط وأصولهم يدفعنا إلى البحث في تاريخ أسلافهم، وربما شركاؤهم في منطقة الأدوميين، وهي المنطقة التي شكلت النواة الجغرافية الأولى لدولة الأنباط. وكانت مملكة الأدوميين قد قامت جنوب شرقي الأردن بين وادي الحسا وخليج العقبة. ووجد الأثريون أن النقوش الأدومية بقيت قيد الاستعمال حتى العصر الهلنسـتي، وأظهرت الحفريات الأثرية في أم البيارة، وفي طويلان، بالقرب من البتراء وجود استيطان أدومي منذ القرن السابع قبل الميلاد.

ولوحظ أيضًا تجاور الاستيطان النبطي والأدومي؛ ما يشير إلى أن الأنباط حلوا تدريجيًا بين الأدوميين الذين لم يرفضوهم، حيث اختلطوا بهم وذابت العناصر المتبقية منهم.

ويشير كتاب «الأنباط: تاريخ وحضارة» لمؤلفه عزام أبو الحمام، إلى أن الأنباط قاموا بتنبيط الأقوام الأخرى كالمؤابيين والأدوميين، أي أنهم لم يحاربوهم ولم يطردوهم، بل قاموا بامتصاصهم داخل المجتمع النبطي الأوسـع. لذلك ورثت مملكة الأنباط الجديدة الكثير من الدويلات السابقة لها، مما أفسح لها امتدادًا جغرافيا وديموجرافيا واسعًا ضم حدود بلدة مدين القديمة، وتيماء، والحجر، في الجزيرة العربية، وامتد التمازج الديموجرافي أيضًا إلى حدود سيناء عبر النقب الفلسطيني الذي حفظ لنا آثارًا مهمة عن الفترة النبطية.

لكن.. هل هم قبيلة واحدة أم تجمع واسع؟

يرى بعض المؤرخين أن الأنباط أصلًا لم يكونوا قبيلة واحدة مثلما قد يعتقد البعض، بل إنهم تجمع واسع من القبائل الجزرية (نسبة إلى الجزيرة العربية)، إضافة إلى مجموعات أخرى من الشمال ومن بلاد الشام.

ويعتقد فريدمان (Freedman,1992) أن اسم الأنباط يجب أن يُفهم كمدلول واسـع لجماعات من أصول مختلفة، إذ إن الأنباط حفظوا لهجات السكان وخطوطهم، ودل على ذلك النقوش الثنائية مثل الصفوية، والثمودية، إلى جانب النبطية. ومن المحتمل أيضًا أن تكون بعض العناصر السكانية قد تمازجت مع الأنباط قبل ظهور دولتهم ونظامهم السياسي، خصوصًا الأدوميين، والمؤابيين، وفروع متعددة من الثموديين.

وبما أن الأنباط كانوا يستخدمون الخط الآرامي، وهم في كل المراحل كانوا جيرانًا للآراميين في الشمال والشرق، فليس بمستبعد أن الحلف النبطي قد ضم أعدادًا أو قبائل من هؤلاء أيضًا. علاوة على أن الأنباط شاركوا قبائل أخرى عديدة في المناطق التي تواجدوا فيها إبان قيام مملكتهم.

ماذا نعرف عن حكام مملكة الأنباط؟

امتدت دولة الأنباط في أوج ازدهارها من سيناء إلى النقب إلى جنوب سوريا، وكان حارثة أول ملك نبطي ذكرته النقوش سنة 169 قبل الميلاد، وقد ورد ذُكر اسمه في التوراة باسم اريتاس. وأعقبه بعد ذلك الملوك: حارثة الثاني، عبادة الأول، رب إيل الأول، حارثة الثالث، عبادة الثاني، مالك الأول، عبادة الثالث، حارثة الرابع، مالك الثاني، وأخيرًا رب إيل الثاني.

 حكام الأنباط وفترات حكمهم

النساء والدين في مملكة الأنباط

تشير النقوش النبطية إلى أن نساء الأنباط امتلكن حقوقًا متساوية مع الرجال، حيث استطعن امتلاك ووراثة وبيع الممتلكات والمقابر الخاصة، ورفع الدعاوى القضائية، وتمثيل أنفسهن في المحكمة، وقد صورن على عملات معدنية. بالإضافة إلى أن بعض أكثر الآلهة شعبية لدى النبط كانت من الإناث، مثل العزة، ومنوات، وعلات.

ولم تصلنا تفاصيل كثيرة حول الممارسات الدينية للأنباط، باستثناء أنهم كانوا وثنيين، وعبدوا الشمس في احتفالات أقيمت على قمم المعابد، وقاموا بتكريم آلهتهم في احتفالات خاصة في المنازل، وكان هناك أيضًا فصل كهنوتي مفتوح لكل من الرجال والنساء.

ويعتبر الإله «ذو الشرى» على رأس مجموعة الآلهة النبطية، فهو الرب الأكبر الذي اتسم بطبيعة كوكبية متمثلة بالشمس، واشتهرت عبادة الإله ذي الشرى، لاسيما في مدينة البتراء، ومنها انتشرت عبادته إلى سائر الأنحاء، وكان يُحج إلى معبد مُخصص يوم 25 ديسمبر (كانون الأول).

وكانت هناك آلهة أخرى مثل: اللات، وهبل، وشيع القوم، والكتبا، ومناة، والعزى، وقوس، وقيس، ومناف، وسعد، وسعيد، ورضا، وإيزيس، وأعرا، وبُصرى، والجي، وداد أو حدد، وتره أو تهره، وأتارجاتيس.

ولكل إله من هذه الآلهة التي انتشرت في مملكة الأنباط معبده الخاص به. أما عن الطقوس الدينية في مملكة الأنباط فتشتمل على الحج، والصلاة، والتراتيل والتمائم، والطهارة والاغتسال، وتقديم القرابين، وحرق البخور.

 صورة الإله «ذو الشرى»

تمتعوا بالحرية والاستقلال وتفاعلوا مع الحضارات المجاورة

يشير كتاب «مملكة الأنباط: دراسة في الأحوال الاجتماعية والاقتصادية»، لمؤلفه خالد الحموري، إلى أن الأنباط عاشوا في بداية حياتهم حياة بدوية قائمة في أساسها على الرعي، وكان من قوانينهم تحريم العمل بالزراعة، وتحريم بناء البيوت، واستعمال الخمور، وكانوا يعيشون حياة بدوية، لكنهم تفاعلوا بعد ذلك مع الحضارة وتأثروا بالدول والممالك المجاورة، وبدأوا يعملون بالزراعة.

ويرى خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان مدير عام البحوث والدراسات الأثرية والنشر العلمي بمناطق آثار جنوب سيناء، أن الأنباط تحولوا من حياة البداوة إلى الحياة الزراعية نتيجة علاقاتهم التجارية، التي استلزمت استقرار وعمل مخازن وصناعة سفن، وبذلك تحولت مجموعة من القبائل إلى مملكة متقدمة في الزراعة، والتجارة، والفنون.

وبنهاية القرن الثاني قبل الميلاد أصبح لهم نشاط بحري، وقوة بحرية عظيمة، وصنعوا سفنًا خاصة بهم. كما أسس الأنباط جيشًا، وكانت لهم شبكة طرق تتوفر فيها مصادر المياه في القرن الأول قبل الميلاد، علاوة على إنجازاتهم في مجال البناء، والنحت، وإنتاج الفخار، واستخراج المعادن.

‏وأكد ريحان أن الأنباط تمتعوا بالحرية والاستقلال؛ لأنهم كانوا يستغنون عن سائر العالم بصهاريج مياه محفورة في الصخور، ويملأونها من ماء المطر في الشتاء الناتج عن السيول، ويوصلون الصهاريج بعضها ببعض عن طريق أقنية نُقبت في الصخر. كما أقاموا السدود، ومنها سد كلخة، وسد أم درج، والبرك، وخزانات المياه.

واشتهرت مملكة الأنباط بشجرة البلسم التي يبلغ ارتفاعها ما بين خمسة إلى ستة أمتار، وهي على شكل فروع حمراء ثلاثية الأوراق، وكانت تعد من عجائب الدنيا في القرن الثاني للميلاد، وبلغت شهرتها الحد الذي جعل الطبيب جالينوس (وهو طبيب روماني مشهور) يهتم بها، واستعمل أوراقها عقارًا مهمًا في القضاء على بعض الأمراض، كما قام انطونيوس بتقدم البلسم هدية إلى حبيبته كليوباترا. كما تجلت أهمية هذه الشجرة النبطية بأن اتخذها الإمبراطور الروماني جستنيان الأول رمزًا لانتصاره، حيث حملها إلى روما بعد غزوه لفلسطين وانتصاره على أهلها.

وإلى جانب الزراعة عرف الأنباط المعادن، والتعدين، والإنتاج الصناعي، وجمعوا القار (الزفت) من البحر الميت، وكان المصريون يستوردون هذه المادة من مملكة الأنباط لاستخدامها في تحنيط الموتى. كما استخرجوا الملح وصنعوا الفخار، وقاموا بسك العملة، وصنعوا الملابس من الكتان والجلود، كما عملوا في صناعة الحلي، والصناعات الخشبية والتماثيل.

ولم تكن مملكة الأنباط معزولة عن العالم، فبحكم موقعها على طرق التجارة الدولية في ذلك الوقت، كانت على اتصال بالعالم الخارجي عن طريق الطرق البرية مثل طريق البخور ومنه يتفرع الطريق بين اليمن والخليج العربي والعراق، وكذلك طرق أخرى متعددة تقع عليها المراكز التجارية: البتراء، صبرا، العلا (ديدان)، الحجر (مدائن صالح)، تيماء، دومة الجندل (الجوف)، أم الجِمال، وبُصرى.

خريطة عن الطرق التجارية النبطية القديمة

وكانت هناك أيضًا الطرق البحرية، حيث ظهر الاهتمام بالتجارة البحرية في البحرين الأحمر والمتوسط، ومن أهم الموانئ التي كانت تحت نفوذ الأنباط: ميناء غزة على البحر المتوسط، وميناء لويكة كومة على البحر الأحمر، وميناء أيلة على خليج العقبة، وكان التجار الأنباط يصلون بقواربهم الصغيرة إلى خليج هيروبولس (السويس).

ومن أهم السلع التي كان الأنباط يحرصون على جلبها من أسواق الشام، والعراق، ومصر، وجنوب الجزيرة العربية، وأفريقيا، وشرق آسيا: اللبان، والبخور، والمر، والكافور، والطيب، والقرفة، والقرنفل واللؤلؤ، وكانوا يصدرون: القار، والفخار، والملح، والمعادن، والزيوت، والنبيذ، وشجرة البلسم.

وأخيرًا.. انهيار الأنباط بعد انهيار اقتصادها!

اعتمدت مملكة الأنباط بشكل رئيس على التجارة، وارتبطت استمراريتها وتطورها بالتجارة، ولكن بعدما هاجمها الإمبراطور الروماني تراجان سنة 106، وحوًل خط سير الطريق التجاري المار من العاصمة البتراء إلى مدينة بُصرى بدأ الانهيار السريع لمملكة الأنباط؛ ما يشير إلى أن اقتصاد الأنباط كان يعتمد تمامًا على التجارة، ولم تستطع الزراعة ولا الصناعة، على الرغم من تطورهما في المملكة، إنقاذ الاقتصاد النبطي من الانهيار، فكانت نهاية دولة الأنباط التي سادت قرونًا عدة.

تاريخ

منذ سنة واحدة
«جابوا الصخر بالواد».. مدائن صالح مدينة سعودية قد تحتاج فتوى لزيارتها

وعلى الرغم من أن منطقة «الحجر» أو «مدائن صالح» بمحافظة العلا بالمملكة العربية السعودية ظلت مغلقة طوال العقود الماضية أمام الزوار بناء على فتوى دينية تحرم دخولها، إلا أن الهيئة العامة للسياحة والآثار السعودية قد قررت عام 2012 أن تفتحها أمام الناس، بل حثتهم على زيارتها، وذلك بعد انضمامها لقائمة التراث العالمي في عام 2008، لتكون بذلك أول موقع أثري سعودي يُدرج في قائمة التراث العالمي.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد