الأبناءُ الذكور هم تاج الملوك، وعُدة الخلفاء، ودُرة  السلاطين، والولد هو جاه أبيه الذي يستشرف به مستقبل دولته، ويستعينُ به على فراغِ الحُكمِ من بعده، ولطالما وقع الاختيار على ولي عهدٍ دون الآخر، ليس في بعض الحالات إلا لأنَّ أحدهما أكثر حظًّا في الولد، حتى وإن لم يكن أهلًا لتكاليف السُلطة وتبعاتها. لكنَّ العرب تقولُ أيضًا: «المُلك عقيم»، إذ تُقطع فيه الأرحام والأنساب، ويقتل الأب فيه أمه وأبيه وصاحبته وبنيه، لا لشيء سوى السُلطة، والسطور التالية تذكر لك نماذج حول ذلك. 

الخيزران.. والدة هارون الرشيد وقاتلة ابنها الخليفة

«متى أفلح خليفة كانت له أم؟» *الخليفة المقتول الهادي

لم تجتمع لامرأة عربية من الصفات مثل ما اجتمع لدى الخيزران بنت العطاء، يصفها الطبري في كتابه «تاريخ الرسل والملوك» بأنها اجتمع لها من الجمال والذكاء ما لم يجتمع لامرأة، ولأنها كانت جارية اختطفت في صغرها وبيعت في سوق النخاسة، جعلت نسبها وثروتها ما جمعته من علوم القرآن وما تُحسنه من الشعرِ والأدب، حتى شغفت قلب زوجها الخليفة العباسي الثالث المهدي، فولدت له خليفتين (الهادي، وهارون الرشيد)، ولم تسبقها من النساء في ذلك سوى ولادة بنت العباس، زوجة الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان.

جرأتُها على الحُكم، وحظوتها على زوجها الخليفة دفعتها لأن تكون الحاكم الفعلي للخلافة العباسية من وراء الستار، كما أنها أقنعت زوجها بجعل ولديها موسى الهادي وهارون الرشيد وليين لعهده، بدلًا من أبنائه الآخرين من زوجتيه ريطة بنت السفاح، وأسماء بنت عطا.

Embed from Getty Images

وفي عام 169 هجريًّا (785 ميلاديًّا) توفي الخليفة المهدي، وتولى من بعده ابنه الهادي الموصوف في كتب التاريخ بأنه كان أديبًا فصيحًا، تعلوه الهيبة، وله سطوة وشهامة، واستطاع أن يخمد الثورات التي هددت مُلكه، ومنها ثورة الحسين بن علي بن الحسن، الذي أعلن نفسه خليفة في المدينة، لكنه رغم اللجام الذي زمَّ به دولته، كان يواجه استبداد أمه التي كانت تُجالس القادة والوزراء، وتسلك معه النهج نفسه الذي سلكته مع والده بالسطو على مُلكه.

يذكر الطبري أنَّ الخليفة الهادي غضب ذات يومٍ وأقسم أنه سيقتل كل وزيرٍ سيطرق باب أمه، ثم خاطب والدته قائلًا: «ليس للنساء الاعتراض على شؤون الملك، أما لك من مشغل يشغلك أو بيت يصونك أو مصحف يذكرك؟»، فانصرفت عنه من فرط غضبها، وبات كلاهما يُدبِّر للآخر.

بدأ الهادي بالتخطيط للخلاص من أمه، فأرسل لها طعامًا مسمومًا أطعمته لكلبها فخرَّ أمامها صريعًا، وحين سألها عن الطعام فأجابت: «كان طيبًا»، فقال: «لم تأكلي منه لو كنتِ أكلتى كنت استرحتُ منكِ، متى فلح خليفة كانت له أم؟!»، ولم تبدأ الخيزران بالتخطيط لقتل ابنها إلا بعدما علمت أنَّ الخليفة الهادي يُخطط لعزل أخيه هارون الرشيد من ولاية العهد، وأخذ البيعة لابنه جعفر من بعده، فتحركت أم الخلائف وعقدت النية على قتل ولدها انتصارًا للآخر.

وتذكر الروايات التاريخية، أنَّ الخليفة الهادي الذي حكم 10 سنواتٍ، مرض في عام 169 هجريًّا، فدست أمه له السُمَّ في مرض الموت الذي أودى بحياته، ويقول الطبري عن ذلك: «فتركت ابنها وهي لا تكاد تتحسس مكان قدميها، فقد أعلنت الحرب بينهما، في الليلة ذاتها أمرت الخيزران جواريها الحسان بالتسلل إلى مخدع ابنها الخليفة حيث ينام وخنقه تحت الوسائد، فقد وضعن هؤلاء الوسائد على رأس الحاكم وكأنهن يداعبنه وجلسن عليها حتى لفظ أنفاسه»، ليتولى من بعده أخوه هارون الرشيد، الذي لم يسعه إلا أن يترك أمه توغل يدها في شؤون الحكم حتى ماتت بعد عامين فقط من توليه الخلافة. ويُنسب لهارون الرشيد رواية غير موثقة أنه قال ذات مرةٍ لابنه المأمون: «يا بني، المُلك عقيم، ولو نازعتني أنت على الحُكم لأخذت الذي فيه عيناك –يقصد قطع رأسه».

المنصور بن أبي عامر.. أهدى الخليفة رأس ابنه الأكبر

بطل تلك القصة هو أعظم حاكم للأندلس طيلة بقائها ثمانية قرون، وفي عهده ظل يُنهكُ فرسه رُبع قرنٍ ويخوض به في معامعِ الحروب وشدائدها، حتى وصلت حدود دولتِه إلى أراضٍ لم يطأها حاكمٌ مسلمٌ قبله أو بعده، حتى إنه لم يهزم في أية معركة خاضها –عددهم 54 – والغريب أنه لم يكن سليل عائلةٍ أموية، بل كان ريفيًّا جاء من جنوب الأندلس.

تدرج محمد بن أبي عامر في المناصب حتى صار الرجل الثاني في الدولة، والحاجب الذي حَجَرَ على الخليفة الصبي «المؤيد بالله»، ثم خاض وحده حربًا ضد الجميع في الداخل، وعندما انتهى منها، انطلق فهزَّ عروش الممالك المسيحية، ووصل بها إلى حالةٍ يُرثى لها من الضعفِ والتفكك، وتسمَّى بلقب المنصور، ودُعي له على المنابر.

تاريخ وفلسفة

منذ سنتين
الحاجب المنصور الذي حكم الأندلس ربع قرن دون أن يعتلي كرسي الخلافة!

كان للمنصور ولدان، الأول عبد الله من جاريةٍ أوروبية، والثاني عبد الملك من زوجة عربية، وتشير بعض الروايات إلى أنَّ ابن أبي عامرٍ كان يُجافي ابنه عبد الله لشكه في نسبته إليه، وكان يظن بأنَّ والدته حملت من صاحبها قبل مدة قصيرة من شرائها.

تمرد عبد الله على أبيه وغادر قرطبة، عاصمة الخلافة الأموية في الأندلس، وراسل صاحب سرقسطة – شمال شرق إسبانيا – عبد الرحمن التيجي، واتفق معه على الانقلاب على أبيه مقابل اقتسام المُلك، لكنَّ الأخبار سُرعان ما وصلت إلى المنصور الذي دبَّر مكيدة لقتل التيجي، بينما فرَّ ابنه من حبسه وفر إلى مملكة قشتالة، واحتمى بملكها.

راسل محمد بن أبي عامر رسالة يُهدد فيها ملك قشتالة بغزو مملكته، وقتله، وإطاحته من على العرش إن لم يُسلمه ولده، فرفض تسليمه، وأصر ملكها على الامتناع، فتحرك المنصور إليه لغزوه، وأقسم ألا يُقلع حتى يتمكن من ولده، فهزم جيش قشتاله، وسقطت حصونه، حتى طلب ملكها الأمان، فرفع الملك الراية وطلب التفاوض وقبل بشروط التسليم.

يذكر المؤرخ المغربي ابن عذاري في كتابه: «البيان المغرب في اختصار أخبار ملوك الأندلس والمغرب»: «أنفذ المنصور رأس ابنه إلى الخليفة مع كتاب الفتح، ودُفن جسده في الموضع الذي دُفن فيه، وازداد ابن أبي عامر بما فعله بابنه هيبة، ومُلئت قلوب الناس منه ذُعرًا»، وكان ذلك في عام 380 هجريًّا (990 ميلاديًّا).

عاش محمد بن أبي عامرٍ عامين بعد وفاة ابنه، وفي إحدى غزواته حين اشتد عليه المرض، وتثاقلت عليه الجروح، أوصى لابنه عبد الملك بالحجابة من بعده، بينما حصل ابنه الآخر عبد الرحمن على قيادة الجيش، واستمرت الوصاية نحو تسع سنواتٍ على الخليفة هشام المؤيد بالله، وبعد موت عبد الملك خلفه أخوه عبد الرحمن شنجول في الحجابة، وهو الذي يُنسب إليه سقوط الدولة العامرية، وسقوط الدولة الأموية، وبداية سقوط الأندلس.

المعتضد بن عباد.. الغليظُ الذي قتل وريثَ عرشه

هو أحد أشهر ملوك الطوائف وأقواهم على الإطلاق، وهو ثاني ملوك بني عبَّاد في الأندلس، وأكثرهم سفكًا للدماء، وأعظمهم خوضًا للحروب، تولى المعتضد الحكم عام 433 هجريًّا، بعد نحو 10 سنواتٍ من سقوط الدولة الأموية في الأندلس، وبدء عصر ملوك الطوائف بانقسامها إلى 22 دويلة، لذا دخل المعتضد في حروبٍ وصراعاتٍ بهدف إعادة توحيد الأندلس تحت حكمه.

Embed from Getty Images

(مسجد قرطبة بعد تحوله لكنيسة)

جاء في وصفه أنه كان: «حاكمًا مهيبًا قويًّا صارمًا، مستبدًّا، أسرف في الاعتقال والقتل، حتى من قادته، وخاصة رجاله»، وكان لديه في قصره لوح من الخشب يُعلِّق عليه رؤوس قادته ورجاله المُعدَمين، كما امتلك بُستانًا من الجماجم جمعها من رؤوس قتلاه، واستخدمها أصصًا لزروعه، في مشهدٍ دموي زيَّن جنبات بنيانه، وعكس ملامح شخصيته.

يذكرُ المؤرخُ صلاح الدين الصفدي في كتابه «الوافي بالوفيات»: «أنَّ المعتضد سلب ذات يومٍ رجلًا ضريرًا ماله، فهاجر الرجل إلى مكة ليدعو عليه هناك، فلما علم المعتضد، أرسل إليه من يدسُّ له السم ويقتله»، ويذكرُ في روايةٍ أخرى أنَّه أسرف في الخمر مرة، فارتحل إلى مملكة مجاورة لدولته – قرمونة – بينه وبين حاكمها خصومة وعداء، فاستأذن لدخولها فأذنوا له وأمَّنوه، وحين أفاق، استدعى غلامه وأمر لهم بمالٍ وأحصنة، ودعاهم إلى إشبيلية، فغدر بهم جميعًا وقتلهم، والرواية الأشرس لم تُذكر بعد.

 في عام 439 هجريًّا، أرسل المعتضد ابنه الأكبر إسماعيل لخوض معركةٍ غير متكافئة لإسقاط مدينة الزهراء في قرطبة، والاستيلاء عليها، ورأى الابن المتمرد أنَّ جيشه القليل لن يصمد أمام تحصينات المدينة، وهو ما دفعه للتمرد على والده الذي رأى أنه يُحمِّله دومًا ما لا طاقة له على دفعه، وكان في إشبيلية وقتها رجل طامع في المناصب يُدعى أبا عبد الله البِزِلياني، استغل الخلاف، وزيَّن لإسماعيل الانقلاب على أبيه، فوافق وهو في زمرة غضبه.

استغل الابن غياب الأب عن إشبيلية، فخرج بالجيش خارج المدينة وسار بيه مسيرة يومين، ثم عاد بثلاثين فارسًا واستولى على القصر، وأغرق كل القوارب لئلا يخبر أحدٌ أباه بما صنعه ابنه، لكنَّ الأخبار سرعان ما وصلت للمعتضد الغاضب الذي ثار عائدًا للقبض على ولده، ففر الأخير إلى أحد الحصون، واحتمى بها ثم طلب العفو من أبيه فوافق.

لكنّ المعتضد كان أكثر دهاءً من ابنه الذي لم يأمن مكره، فجهز إسماعيل جُنده مرة ثانية ودخل القصر ليلًا لقتل أبيه خوفًا من أن يقتله، لكنَّ المعتضد توقع الخيانة، فأمر حرسه بالقبض على ابنه وقتله بيديه، ثم أمر بدفنه كما يليقُ بأميرٍ عبَّاديٍ شُجاع، وفق ما ذكره الإمام الذهبي في كتابه: «سير أعلام النبلاء».

عاش المعتضد 11 عامًا بعد قتل ابنه ثم مات عام 461 هجريًّا، وخلفه في الحكم ابنه محمد المعتمد على الله الذي ورث قوة أبيه، لكنه كان أرق قلبًا منه، فاتخذ لقبه الملكي «المعتمد»، من اسم زوجته التي شغفته حبًّا «اعتماد الرُميكية»، وكثرت أشعاره فيها حتى تفرد بين الشعراء في الغزل، ونافس صديقه ابن زيدون أشهر شعراء الأندلس في زمانه، ووزيره الأول، إذ اجتمعا على حُب الشعر والأدب. 

مراد الأول.. الخليفة الذي فقأ عين ابنه قبل إعدامه

هو أول خليفة عثماني يتلقب بلقب «السلطان»، وثالث سلاطين الدولة العثمانية، ومؤسسها الحقيقي، يذكر التاريخ أنه استلم دولته ومساحتها 100 ألف كم2، وتركها بعد 31 عامًا وقد تجاوزت 500 ألف كم2، وهو أول سلطان عثماني يموت في أرض المعركة، بعدما خاض 31 حربًا حوَّلت الإمارة العثمانية التابعة للخلافة العباسية إلى دولة خلافة إمبراطورية ممتدة.

بدأ مُراد حُكمه بقتل أخويه غير الشقيقين «إبراهيم وخليل» اللذين أشهرا العصيان، ضمن حملات الاسترداد التي حدثت بعد وفاة والده، بداية من استعادة البيزنطيين المدن التي فقدوها، مرورًا بطرد إمارة القرمان الحامية العثمانية من أنقرة، نهايةً بتحريض البيزنطيين للأخوين غير الشقيقين للانقلاب على أخيهما، فبدأت المدن المجاورة تعد الجيوش للانقضاض على الإمارة العثمانية الوليدة.

بدأ مراد اختباره الأول بغزو أنقرة، والسيطرة على قلاعها، ثم توجه إلى إمارة القرمان فاستعادها، ثم قبض على أخويه وقتلهما، وبدأ عهده بدماءٍ أعلن معها توسعًا عسكريًّا لم ينتهِ طيلة ثلاثة عقود كاد أن يبتلع معها أوروبا، لولا مقتله في النهاية على يد جندي صربي بخنجر مسموم عام 1389 ميلاديًّا.

كان لمراد خمسة أبناء ذكور، وانحصرت المنافسة على السُلطة بين الأكبر بايزيد الأول، والأصغر صاووجى جلبى، وحين جاءت فرصة انشغال السلطان مراد الأول بالقضاء على تمرد في أدرنه، استغل صاووجى أنَّ أباه استخلفه على ولاية بروصة – العاصمة آنذاك – فأعلن انقلابًا استولى به على العرش، ونصَّب نفسه سلطانًا، فانتقل مُراد بجيشه نحو البلقان لمَّا بلغه عصيان ولده، ووقع اشتباكٌ بين الطرفين بِالقُرب من القُسطنطينيَّة، وتمكَّن مراد من تحقيق النصر، وقبض على ابنه، وأمر بفقء عينيه دون قتله، لكنه عاد واستدرك أنَّ ابنه بات يشكل عليه خطرًا محققًا، فأمر بإعدامه.

تاريخ وفلسفة

منذ سنتين
من الصعود إلى السقوط.. المختصر الشامل لتاريخ الأندلس

يذكر التاريخ أيضًا أمثلة أخرى كثيرة تشابهت فيها الروايات واختلفت القصة، لكنَّ الفصل الوحيد المتكرر لقتل الأبناء لآباءهم، أو قتل الوالدين لصغارهم لا تخرج عن الرغبة في المُلك والسعي نحو السُلطة، ويقول ابن منظور في معجم «لسان العرب»: «ويُقال: المِلك عقيم لا ينفع فيه نسب؛ لأن الأب يقتل ابنه على المِلك؛ ومعناه أنه يقتل أباه وأخاه وعمه في ذلك. والعقم: القطع، ومنه قيل: المِلك عقيم لأنه تقطع فيه الأرحام بالقتل والعقوق».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد