في مشهد إستثنائي، ودع الأرجنتينيون بحرارة رئيستهم كريستينا كيرشنر و التي حكمت البلاد منذ 2007 معتمدة سياسية إجتماعية و حقوقية صرفة إضافة إلى شجاعة نادرة على مستوى السياسية الخارجية

«أيتها الأرجنتين، لا تبكِ من أجلي» كريستينا كيرشنر، رئيسة الأرجنتين، 10 ديسمبر 2015

بالكثير من العاطفة والحزن، ودع الأرجنتينيون اليسارية كريستينا كيرشنر رئيسة الأرجنتين لولايتين متتاليتين منذ 2007، والتي تركت منصبها لخلفها اليميني ماوريسيو ماكري، والذي تولى الرئاسة عقب فوزه في انتخابات نوفمبر الماضي، انتخابات لم يكن بوسع الرئيسة كيرشنر المشاركة فيها طبقا لدستور الأرجنتين والذي لا يسمح لرئيس بأكثر من ولايتين متتاليتين.. هكذا ودون تنظيم مسبق احتشد آلاف الأرجنيتين قبالة القصر الرئاسي في العاصمة بوينس آيريس ليودعوا إحدى أكثر الرؤساء شعبية في تاريخ البلاد، في مشهد طغت عليه العاطفة والعرفان، والكثير من الرسائل السياسية.

وراء إمرأة عظيمة.. رجل عظيم

نيستور كيرشنر مسلما الرئاسة لزوجته كريستينا الفائزة بانتخابات الرئاسة لسنة 2007

كريستينا فيرناندز دي كيرشنر محامية من مواليد سنة 1953، انخرطت منذ سن ال17 في الحركة البيرونية، وهي حركة يسارية كانت تناضل ضد الحكم العسكري الديكتاتوري المدعوم من الولايات المتحدة، ثم دخلت البرلمان سنة 1989 بضع سنوات بعد الانتقال الديمقراطي في الأرجنتين.

خلفت زوجها القيادي البيروني نستور كيرشنر عقب انتخابات الرئاسة في 2007، وهو أحد أبرز وجوه اليسار الجديد الصاعد في أمريكا اللاتينية آنذاك والذي لم يترشح للانتخابات لأسباب صحية إذ أنه توفي بعد ثلاثة سنوات بعد تولي زوجته الحكم، وقد عرف عهده بداية خروج الأرجنتين من العباءة الأمريكية شأنها شأن العديد من الدول كالبرازيل، الأورغواي، الإكوادور وبوليفيا. ارتبطت كريستينا بزوجها المستقبلي نيستور كيرشنر أيام الجامعة، وقد ناضلا سويا في الشبيبة البيرونية مما أدى إلى هروبهما وتخفيهما في الجنوب الريفي للبلاد هربا من البطش العسكري آنذاك.

تولى زوجها الحكم في ظروف صعبة جدا، حيث كانت الأرجنتين على حافة الإفلاس نتيجة لأزمة 2001 الشهيرة، لكن نستور كيرشنر أعطى الأولوية لمشاريع البنية التحتية حتى يتمكن من توفير مناصب الشغل كما عزز من السياسة الاجتماعية في البلاد، على صعيد آخر قاد مع رؤساء البرازيل لولا دا سيلفا وفينزويلا الراحل هوغو تشافيز حركة اندماج سياسية واقتصادية أمريكية لاتينية أفضت إلى ربيع يساري في القارة ككل وخروج من الهيمنة الأمريكية.

لولا داسيلفا، نيستور كيرشنر وهوغو تشافيز، الرؤساء الأسبقون للبرازيل والأرجنتين وفينزويلا

انتخبها الأرجنتينيون رئيسة للبلاد في مناسبتين متتاليتين، في 2007 و2011، وقد عرف عهدها الكثير من التغييرات سواء في الاقتصاد، الحقوق، حرية الإعلام، العلاقة مع الجيش والكنيسة، وأيضا العلاقات الخارجية، والتي اكتسبت بسببها شعبية كبيرة سواء في الأرجنتين أو حتى في الوطن العربي لا سيما لمواقفها من قضيتي فلسطين والربيع العربي.

سياسة خارجية جريئة

لم تختلف سياسة الرئيسة كيرنشر الخارجية عن سلفها، والتي جاءت في سياق أمريكي لاتيني يساري بامتياز كان أبرز أيقوناته: لولا دا سيلفا في البرازيل، هوغو تشافيز في فنزويلا، إيفو موراليس في بوليفيا، خوسي موخيكا في الأورغواي.

«هنا تكمن المشكلة المتعلقة بانعدام الأمن واستتباب الإرهاب، القوى العظمى تغير بسهولة مفهوم الصديق والعدو، مفهوم الإرهابي وغير الإرهابي» من خطاب لكرستينا كيرشنر في الأمم المتحدة حول الأزمة السورية.

كغيرها من زعماء أمريكا اللاتينية ، كانت الرئيسية كيرشنير متحسمة وداعمة لاعتراف عالمي بالدولة الفلسطينية، ونتيجة لذلك كانت الدبلوماسية الأرجنتينية داعما أساسيا في انطلاق مخطط ضم فلسطين للمؤسسات الدولية كالأمم المتحدة، كما أن عهد الرئيسة سابقا كان بامتياز عهدا للتطيبع مع إيران المتهمة منذ 1984 باستهداف المركز الثقافي الإسرائيلي ببوينس آيريس في هجوم المتهم الرئيسي فيه حزب الله اللبناني، لذلك فقد جرت عليها هذه المواقف غضبا كبيرا من الجالية اليهودية القوية في الأرجنتين والمتغلغلة في الإعلام والاقتصاد.

على صعيد آخر كانت كريستينا كيرشنر معارضة لتدخل أجنبي بالحرب الأهلية في سوريا، متهمة القوى الكبرى بالوقوف خلف تنظيمات كداعش وغيرها المتهمة بالإرهاب.

ويبقى أحد أقوى مواقف الرئيسة اليسارية خطابها خلال الجمعية العامة لسنة 2014 حين شنت هجوما حادا على القوى الكبرى (وتقصد الولايات المتحدة ومن يدور في فلكها) فاتهمتها بازدواجية المعايير وعدم الجدية في إنهاء أسباب الإرهاب في الشرق الأوسط، بل وصل بها الأمر إلى اتهام تلك القوى بطريقة غير مباشرة في توظيف الإرهاب والاستفادة سياسيا منه، ويمكن اعتبار ذلك الخطاب ملخصا للسياسة الخارجية الأرجنتينية خلال عهد كريستينا كيرشنرو الذي اخترنا لكم منه المقطع الآتي:


الخطاب كاملا مترجما للغة الإنجليزية

نحو اقتصاد أكثر عدلا

«حصيلة كريستينا كيرشنر الاقتصادية من بين الأقل تزييفا في العالم»

جريدة ليبيراسيون الفرنسية

متابعة لنهج سلفها وزوجها نيستور كيرشنر، خاضت الرئيسة السابقة معارك طاحنة مع البنك وصندوق النقد الدوليين من أجل إعادة هيكلة ديون الأرجنتين، وفي سياق تلك الحرب لم تترد كريستينا كيرشنر في وصف تلك المؤسستين الدوليتين إضافة إلى دائني بلادها الخارجيين بالإرهابيين الاقتصاديين، والذين يريدون تركيع الأرجنتين بشروطهم المالية والإصلاحات التي يطالبون بها.

«هناك كذلك الإرهابييون الاقتصاديون»، كريستينا كيرشنر، سبتمبر 2014

في نفس السياق، عرفت الفترة بين 2009 و 2010 معركة مريرة بين الرئيسة والبنك المركزي الأرجنتيني والذي لم يوافق على خطوات كانت كريستينا كيرشنر تود الإقدام عليها بشكل يتعارض مع التزامات الأرجنتين مع الدائنين الخارجيين لا سيما الأمريكيين، وبعد عامين من الصراعات السياسية والقضائية والإعلامية، كسبت الرئيسة كيرشنر الرهان باستقالة محافظة البنك المركزي وخضوع المؤسسة المالية الأرجنتينية لتوجيهات الحكومة.

الرئيسة كيرشنر مع رئيس البنك المركزي سنة 2010 مارتن ريدرادو

على صعيد آخر، عرف عهد كيرشنر نجاحا في خفض فاتورة الطاقة والتي تنهك عادة الميزان التجاري الأرجنتيني، وذلك عبر برنامج نووي طموح بالمشاركة مع البرازيل إضافة إلى رفع اعتماد الأرجنتين على الطاقات المتجددة، وهكذا تمكنت في سنوات قليلة من رفع منسوب الطاقة المتجددة إلى إلى ما يقارب 1500 ميغاواط من الكهرباء النظيفة.

إضافة إلى ذلك، قادت كيرشنر سياسية اجتماعية جريئة تمثلت مثلا في تأميم الصناديق الاستثمارية المرتبطة بأنظمة التقاعد، فتمكنت في وقت وجيز من فرض سيطرة الحكومة عليها بعدما كانت تابعة لرجال أعمال أرجنتينيين وإسبان يضاربون بها في السوق الدولية، وهو ما أعطى نظام المعاشات استقرارا أكبر مكن من تحقيق المساوات بين الجنسين على مستوى معاشات التقاعد.

اتبعت تلك الخطوة موجة من التأميم امتدت لفروع شركات أمريكية عاملة بالأرجنتين كفرع عملاق صناعة الطائرات الحربية لوكهيد مارتين، إضافة إلى العديد من الشركات التي خصخصت سواء تحت حكم العسكر أو في عهد الحكومات اليمينية المتعاقبة

هذه الخطوات وغيرها مكنت من إخراج قرابة مليوني أرجنتيني من مستوى الفقر الذي انخفض من قرابة 26% سنة 2010 إلى ما يقرب 15% حاليا.

في مواجهة الجيش، والكنيسة، والإعلام من أجل حقوق الإنسان

عرفت حقوق الإنسان طفرة نوعية في عهد كريستينا كيرشنر، فقد استمرت في سياسية زوجها في تسوية وضعيات المهاجرين السريين اللاتينيين (خصوصا بوليفيا والباراغواي)، وهكذا عرف عهد كيرشنر تسوية وضعية قرابة 150ألف مهاجر سري مقابل رفض 40 ملفا فقط في 8 سنوات… من جهة أخرى عرفت قوانين الشغل مراجعات عديدة ساهمت في الرفع من التعويضات الاجتماعية سواء في الأجور أو في المعاشات.

من جهة أخرى فرضت حكومة كيرشنر مراجعة للقوانين العسكرية مما وضعها في مواجهة جيش كان الآمر الناهي في البلاد خلال شباب الرئيسة، وهو التحدي الذي نجحت فيه الحكومة إذ سمحت تعديلات قانونية في محاكمة العسكريين أمام المحاكم المدنية إلا في حالة الحرب، كما شمل القانون الجنائي العسكري إدخال عقوبات متعلقة بالتحرش في الجيش في إحدى الحالات النادرة على الصعيد العالمي.

مباشرة بعد هذا النجاح اتجهت كريستينا كيرشنر نحو إصلاح أكثر جرأة تمثل في الرفع التام للسرية عن كامل وثائق الجيش الأرجنتيني ما قبل 1983، أي خلال العهد الديكتاتوري، وهو ما ساعد على محاكمة وإعادة محاكمة العديد من الضباط المتورطين في جرائم أو انتهاكات لحقوق الإنسان خلال تلك الفترة.

القوات المسلحة الأرجنتينية حكمت البلاد بشكل غير معلن ثم بشكل مباشر حتى سنة 1983

عملاق آخر من وراء الجيش كان على الرئيسة الأرجنتينية مواجهته وهو الكنيسة الكاثولكية ذات الحضور القوي في البلاد، وقد واجهتها الرئيسة بحزم ثلاثة مرات الأولى خلال سنة 2009 حين رفضت افتتاح الفاتيكان لقطاعات وأقاليم كنسية جديدة في البلاد ما لم يعترف الفاتيكان بسيادة الأرجنتين على جزر المالوين/فالكلاند المتنازع عليها مع بريطانيا، فيما الثانية في نفس السنة بإقرار قوانين تسمح بحرية الإجهاض، ثم الثالثة في سنة 2010 حين تم إقرار قانون يسمح بالزواج المثلي في الأرجنتين رغم الإحتجاج القوي للكنيسة والتي كان على رأسها أسقف بوينس آيريس خورخي برغوليو المعروف حاليا باسم البابا فرانسيس.

الرئيسة كيرشنر وأسقف بوينس آيريس خورخي بيرجوليو (البابا فرنسيس حاليا) خلال حملة إقرار الزواج المثلي في الأرجنتين والذي اعترضت عليه الكنيسة بقوة.

حرب أخرى لم تضع أوزارها إلى اليوم هي حرب كريستينا كيرشنر وأنصارها مع الإعلام، والتي تتهمه الرئيسة دائما بالتبعية للخارج وللمتضررين من إصلاحها، وهو ما ترجمته الرئيسة إلى ضربتين قاصمتين وجهتهما إلى أكبر المجموعات الإعلامية في البلاد : الأولى في 2009 حين تم إقرار قانون يتعلق بالنقل المجاني للأحداث الرياضية في البلاد، لا سيما الدوري المحلي والدوريات الأوربية والتي تسيطر عليها شبكة خاصة منذ سنة 1992، وأيضا في نفس السنة إقرار قانون جديد للإعلام السمعي البصري رفضته معظم الشبكات الخاصة في حين دعمته منظمات حقوقية دولية كمراسلون بلا حدود والتي وصفت القانون بـ”الثورة الجديدة في الإعلام”، وهو قانون يؤطر لحصص البث ويمنح الأولوية للإنتاجات المحلية وأيضا يفرض حصصا للأقليات الثقافية والعرقية في الأرجنتين كالهنود الأمريكيين والمهاجرين من أصول آسيوية أو إيطالية.

وداع حار

«شكرا، لكل شيء» الأسطورة دييغو مارادونا


كل السياسات التي ذكرت سابقا وغيرها جعلت من كريستينا كيرشنر رئيسة ذات شعبية جارفة لا سيما لدى الفقراء والطبقة الوسطى، لذلك احتشد لوداعها قرابة عشرة آلاف أرجنتيني في ليلة العاشر من دجنبر الماضي قبالة كازا دي روزادا (القصر الرئاسي الأرجنتيني)، في أمسية طغت عليها الدموع والهتافات عرفانا لرئيسة يسارية جعلت من العدالة الاجتماعية شعارا لرئاستها.



و قد استغلت كريستينا كيرشنر الحدث لإلقاء خطاب وداع حماسي هاجمت فيه المتربصين برئاستها، وحملت فيها خسارة حزبها في الانتخابات الرئاسية للإعلام والقطاع المصرفي والذين ناصبتهما العداء بشدة خلال فترتها الرئاسية، مذكرة في نفس الوقت الأرجنتينيين بكل ما تحقق وبما يجب أن يقاتلوا من أجله لكي يستمر في ظل رئاسة يمينية منتظرة في البلاد.

و تجدر الإشارة إلى أن أحد أكثر الشعارات التي تكررت كان لعودة كريستينا كيرشنر للرئاسة في انتخابات 2019، فهل تعود؟


عرض التعليقات
تحميل المزيد