في سنة 1979؛ قرّر حزب «جبهة التحرير الوطني» بمعية جنرالات الجيش تعيين الفريق الشاذلي بن جديد خلفًا للرئيس الراحل هواري بومدين؛ لتُضرب أحلام بوتفليقة في خلافة صديقه بومدين في مقتل، بعد اتهاماتٍ له بالفساد واختلاس الأموال، وأمام الضغوطات التي تعرّض لها وزير الخارجية آنذاك عبد العزيز بوتفليقة من أجل إرجاع الأموال المختلسة؛ لم يجد من الأصدقاء غير عائلة كونيناف التي مدت له يد العون في تلك المرحلة الصعبة من حياته.

ومع جلوسه على كرسيّ الحكم بالجزائر سنة 1999؛ لم ينس بوتفليقة فضل عائلة كونيناف، لتسطع مع مطلع القرن الحالي إمبراطورية كونيناف المالية على عرش الاقتصاد الجزائري، ومع بلوغ الاحتجاجات الشعبية ضدّ نظام بوتفليقة مراحل متقدمة؛ بات اسم عائلة كونيناف -الذين لا توجد لهم صورة على الإنترنت – وابنها رضا كثير التردد على مسامع الشارع في الجزائر بسبب أدوراهم المحتملة في محاولات النظام كسر الحراك الشعبي.

كيف بنت كونيناف إمبراطوريتها المالية؟

قبل بداية الحراك الشعبي المناهض لبوتفليقة في 22 من فبراير (شباط) الماضي؛ لم يكن الكثير من الجزائريين يعرفون عائلة كونيناف، قبل أن تصير اليوم على شفاه الجميع؛ متهمين إيّاها بالفساد الذي طال فترات حكم بوتفليقة، غير أنّ ثراء عائلة كونيناف إحدى أغنى العائلات بالجزائر والمكونة اليوم من «الأبناء الثلاثة» -رضا ونوح وكريم- لم يكن مرتبطًا أساسًا بفترة حكم بوتفليقة.

تعمل عائلة كونيناف في الجزائر منذ سبعينيات القرن الماضي، وأصبح الأب المؤسس لهذه الأسرة أحمد أحد أثرى أثرياء الجزائر حين صار أحد الأصدقاء المقربين من عبد العزيز بوتفليقة -الرجل الثاني في نظام هواري بومدين حينها- والذي منعته الأقدار من خلافة بومدين سنة 1979، فاضطرّ إلى الهروب من الجزائر باتجاه سويسرا حيث وجد في عائلة كونيناف الساعد الحامي من ملاحقات السلطات الجزائرية.

ساهمت هذه العلاقة في بناء اللبنة الأولى لإمبراطورية كونيناف المالية بالجزائر، حين أسس شركة «KOUGC»، وهي شركة مختصة في مجال تشييد القنوات المائية والآبار والسدود وحتى الجسور، كانت عائلة كونيناف في تلك الفترة تعتمد على جهود الأب أحمد وابنه الأكبر كريم الذي اقتحم مجال الأعمال في سنّ 12 سنة فقط.

عام 1989 كان عامًا فارقًا في تاريخ عائلة كونيناف، في تلك السنة تحصل الابن الصغير كريم -والعقل المدبّر للعائلة- على شهادة الباكالوريا وانتقل للدراسة بسويسرا؛ حيث حصل على شهادة في إدارة الأعمال، كما نسج أيضًا علاقاتٍ جيّدة مع عائلة بوتفليقة اللاجئة هناك، ليعود بعد سنةٍ فقط إلى الجزائر للعمل في شركة العائلة في حاسي مسعود بالصحراء الجزائرية بعد أن فازت المجموعة العائلية بصفقات مربحة لإنجاز مشاريع خاصة بالطاقة.

ومع دخول الجزائر في العشرية الدموية بسبب توقيف الجيش الجزائري للمسار الانتخابي نهاية 1991، شهدت الجزائر ركودًا اقتصاديًا كبيرًا، غير أنّها في الوقت نفسه شهدت ميلاد إمبراطورية جديدة منافسةٍ لعائلة كونيناف هي إمبراطورية رجل الأعمال الجزائري يسعد ربراب الذي طغت استثماراته على الجزائر طيلة العشرية السوداء.

في تلك الأثناء بدأت جهودٌ -ربطها الكثيرون بمساعي بذلتها عائلة كونيناف- لجلب بوتفليقة من أجل ملء الفراغ الرئاسي الذي شهدته الجزائر بعد استقالة الشاذلي بن جديد ومقتل الرئيس بوضياف؛ غير أنّ هذه المساعي كللت بالفشل بعد اختيار الجيش (الحاكم الفعلي في تلك المرحلة) للجنرال اليامين زروال رئيسًا للجزائر.

مع سنة 1998؛ وتحت ضغوط الجنرالات؛ استقال الرئيس الجزائري اليامين زروال، ليفتح الباب لبوتفليقة لتحقيق حلمه بحكم الجزائر، غير أنّ حلمًا جديدًا كان يتحقق وقتها، ويتعلق الأمر بعائلة كونيناف التي وسعت في إمبراطوريتها المالية بشكلٍ كبيرٍ منذ عام 1999، حيث وقعت شركة «كوجيسي» -الشركة الأكبر في المجموعة- على عقود مع شركة «إكسون موبيل» الأمريكية، وأصبحت الشريك الرئيسي لشركة «Sonelgaz» في المشاريع الرئيسية لنقل وتحويل الطاقة الكهربائية التي أنجزت من خلالها مئات الكيلومترات من خطوط الكهرباء على كامل الأراضي الجزائرية.

عبد القادر بن صالح.. رفيق درب بوتفليقة الذي قد يخلفه مؤقتا في الحكم

 

كما صارت أيضًا الشريك الرئيسي لوزارة الموارد المائية في العديد من مشاريع النقل، ولتصبح في ظرف سنواتٍ قصيرةٍ أكبر شركة جزائرية خاصة في القطاع الهيدروليكي تتجاوز مبيعاتها 140 مليون دولار سنويًا ويقول كريم كونيناف عن مجموعته في تلك الفترة «كنا أول شركة جزائرية خاصة بحفر النفط، خاصة لشركة موبيل. حتى أننا تلقينا رسائل تهنئة من الشركات التي عملنا عليها»، كما سيطرت المجموعة العائلية لكونيناف على مشاريع شركة سونلغاز الخاصة بالكهرباء والغاز بالجزائر، طيلة 20 سنة الماضية.

تجدر الإشارة أن عائلة كونيناف حلّت سنة 2018 في المرتبة السابعة في ترتيب أثرياء الجزائر بثروة قدرت بـ800 مليون دولار، يمتلك حوالي نصفها الأخ الأكبر كريم الذي حلّ في المرتبة الرابعة بوصفه أغنى رجلٍ في الجزائر.

صراع «جبابرة الاقتصاد» في الجزائر

في عام 2006؛ بدأ الصراع بين أكبر إمبراطوريتين اقتصاديتين بالجزائر؛ حين استحوذت عائلة كونيناف على «الشركة الوطنية للمواد الدسمة (سوجيديا)» وشرعت في تكرير الدهون مع شركة «كوغرال»؛ بعد قرار الحكومة الجزائرية خصخصة المؤسسة؛ وهي الصفقة التي اتهم فيها وزير الصناعة الأسبق عبد الحميد تمّار بوهب الشركة الوطنية للمقربين من بوتفليقة، لقطع الطريق أمام رجل الأعمال يسعد ربراب الذي كان ينوي الاستثمار في مادة الدهون؛ الذي يمثل حوالي 10% من أرباح شركة «سيفيتال» الخاصة به.

كما أنّ عام 2006 هو أيضًا العام الذي ظهرت فيه فكرة ربراب للعودة إلى بناء مصنع لتكسير البذور وتزويد المصافي ومصانع المواد الغذائية بالزيت الخام، وهو المشروع الذي لم ير النور بعد؛ بسبب دخول ربراب في صراعٍ مع الحكومة الجزائرية ودخول رضا كونيناف المقرّب من عائلة بوتفليقة في الخط؛ والذي أراد فعل نفس الشيء سنة 2016، بإنشائه لشركة «Nutris»، وهي شركة تابعة لمجموعة العائلية «KouGC»، لتنفذ في منطقة جن جن (شرق بجاية) مصنعًا لسحق للبذور بقيمة 250 مليون دولار.

رجل الأعمال الجزائري يسعد ربراب

هذا المشروع من كونيناف أيقظ الصراع بين الحكومة ويسعد ربراب في مارس (أذار) 2017؛ الذي أراد إحياء فكرته السابقة باستيراد المعدات اللازمة لبناء مصنعه الخاص لتكسير البذور وإنتاج الزيت الخام، غير أنه قوبل بمنع الحكومة الجزائرية لدخول معداته، في وقتٍ تستعد شركة «Nutris» التابعة لكونيناف لتشغيل محطتها التكريرية مع نهاية 2019.

صراع عائلة كونيناف وربراب لم يكن اقتصاديًا فقط، فمع اقتراب الانتخابات الرئاسية التي كان مزمعًا تنظيمها في أبريل (نيسا) المقبل؛ أراد ربراب الانتقام من السلطة الحالية التي أضعفت من تواجده في الجزائر لحساب عائلة كونيناف، وذلك بدعم حملة المترشح المنافس لبوتفليقة الجنرال علي الغديري، إذ أشارت مصادر إعلامية جزائرية إلى وهب رجل الأعمال ربراب لفيلا بحي حيدرة الراقي إلى الجنرال الغديري ليتخذه مقرًا لمداومته الانتخابية، في المقابل لعبت عائلة كونيناف دورًا كبيرًا في حملات بوتفليقة الانتخابية السابقة، كما كانت فيلا كريم كونيناف بحيدرة بمثابة «المقر السري» لحملة بوتفليقة الانتخابية.

نفوذهم وصل إلى حد تعيين الوزراء

يعود فضل العلاقة القوية التي تجمع عائلتي بوتفليقة وكونيناف إلى أحمد والد عائلة كونيناف؛ والذي استطاع نسج علاقة طيّبة مع بوتفليقة في الثمانينيات من القرن الماضي؛ أثمرت هذه العلاقة بين الرجلين عن توطيد العلاقة بين رضا كونيناف (صاحب 46 عامًا) وشقيق الرئيس الجزائري السعيد بوتفليقة والذي شاع أنه كان يحكم الجزائر نيابة عن أخيه، والذي وصلت إلى حدّ عرض رضا كونيناف على السعيد بوتفليقة تمويل حملته الانتخابية إذا ما قرّر خلافته أخيه المريض.

السعيد بوتفليقة شقيق الرئيس الجزائري

تحوّل رضا حسب تقريرٍ لصحيفة «الموند أفريك» الفرنسية إلى موطن ثقة السعيد بوتفليقة؛ الذي لا يتردد في طلب النصح والمشورة منه، وتضيف الصحيفة أنّ الفيلا الخاصة برضا كونيناف المتواجدة بالحي الفاخر حيدرة بالعاصمة الجزائرية، تحولت إلى «مركزٍ سريٍّ» يستعمله السعيد بوتفليقة لبحث الملفات السياسية الأكثر حساسية في البلاد رفقة المقربين منه. كما يشير تقرير الصحيفة أنّ كونيناف كان المحرّض الرئيسي في الفترة ما بين سنة 2015 و2016 على رجل الأعمال يسعد ربراب، كما حوّل ممتلكاته السكنية إلى مقراتٍ انتخابيةٍ لفائدة بوتفليقة بعد إعلان ترشّحه للعهدة الخامسة في العاشر من فبراير (شباط) الماضي.

وكان الصحفي الجزائري سعد بوعقبة كشف أنّ عائلة كونيناف تستحوذ على نسبة ما بين 30% إلى 40% من مجموع مشاريع الدولة الجزائرية؛ وعلى الرغم من تأخره في الإنجاز بمعظمها وتسليمه لمشاريع أخرى إلى مقاولات فرعية، إلا أنه لا أحد بإمكانه محاسبته بحكم علاقته القوية بعائلة الرئيس، كما اتهمه أيضًا بتعيين أعضاء اللجنة المركزية للحزب الحاكم والتأثير حتى في تعيين الوزراء والمسؤولين.

ومع اتخاذ الحراك الشعبي منحى متسارع نتيجة إعلان بوتفليقة رسميًا عزوفه عن الترشح لعهدة خامسة وتأجيل الانتخابات الرئاسية، سرّب النائب البرلماني حسن لعريبي أنباءً تحدثت عن تحويل رجل الأعمال رضا كونيناف، لمبلغ 90 مليون يورو، من أحد فروع بنك «القرض الشعبي الجزائري» بالعاصمة إلى الخارج، وهو الأمر الذي دفع «منظمة محامي العاصمة» إلى إصدار بيانٍ دعوا فيه مسؤولي المصالح الأمنية والجمركية في المطارات ومراكز العبور، إلى تشديد الرقابة على حركة المسافرين، من أجل الحد مما أسموه بـ«الاستنزاف غير المسبوق لمخزون النقد الأجنبي، من طرف شخصيات ورجال أعمال مقربين من السلطة».

ووفقًا لمصادر إعلامية تتواجد عائلة كونيناف حاليًا بسويسرا في وقتٍ صدرت فيه قرارات منعٍ بالسفر في حق العشرات من المسؤولين ورجال الأعمال على خلفية الاحتجاجات التي تشهدها البلاد.

«روسيا تدخل على الخط».. هل تسعى موسكو إلى إفشال الحراك في الجزائر؟

 

المصادر