يوم الخميس الماضي تبادلت الكوريتان نيران مدفعيتهما عبر الحدود، بعدما أمر الرئيس الكوري الشمالي بالتأهب للحرب. وفي يوم الجمعة، رصدت كوريا الجنوبية سقوط قذائف جديدة قرب الحدود الغربية للبلدين.

ووسط تزايد التوترات السياسية والعسكرية بين الكوريتين، يخشى الكثيرون من إمكانية أن تبدأ الحرب في شبه الجزيرة الكورية.

فهل هذا الأمر ممكن فعلًا أم أنه أصعب من أن تخوضه الأطراف المتصارعة؟

 

تاريخ الصراع الكوري

كانت شبه الجزيرة الكورية واقعة تحت سيطرة الإمبراطورية اليابانية منذ عام 1910م وحتى نهاية لحرب العالمية الثانية عام 1945م.

مع انتهاء الحرب بدأت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي في تقسيم الأراضي الخاضعة لسيطرة الحلفاء فيما بينهم، ونتيجة لأسباب معينة فقد اقترح الاتحاد السوفيتي – في الوقت الذي كانت اليابان فيه على وشك الاستسلام – أن يكون خط عرض 38 شمالًا هو الخط الفاصل بين القوات الأمريكية وقوات الاتحاد السوفيتي.

هذا الأمر كان معناه أن الاتحاد السوفيتي لن يسيطر على كافة شبه الجزيرة الكورية، لكنه سيسيطر على شطرها الشمالي فقط فيما سيخضع الشطر الجنوبي لسيطرة الولايات المتحدة الأمريكية.

ونتيجة لهذه الخطوة التي تمت دون الرجوع للكوريين أنفسهم فقد أدى ذلك لوضع حجر الأساس لحرب أهلية لا مفر منها.

قبل قيام الحرب قام الجانبان الأمريكي والسوفيتي بعدد من الأفعال التي ساهمت في ترسيخ الانقسام بين الجزئين الشمالي والجنوبي لشبه الجزيرة الكورية.

الأمريكيون اتخذوا قرارًا بإعادة عدد كبير من الإداريين اليابانيين ومساعديهم الكوريين الذين كانوا في السلطة أثناء الفترة الاستعمارية اليابانية على الكوريين، وهو ما يعد بمثابة استفزاز غير مسبوق لمشاعر الكوريين الذين يكرهون حقبة الاستعمار الياباني. كما رفضت الإدارة الأمريكية أيضًا الاعتراف بالتنظيمات السياسية التي أنشأها الشعب الكوري.

في ديسمبر 1945م، خرج الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة باتفاق يقضي بأن البلاد ستكون حرة خلال 4 سنوات من الحكم الذاتي. لكن كل جانب من القوى الاستعمارية عمل على إقامة حكومة موالية لأيديولوجيتها السياسية.

الشعب الكوري رفض مثل هذا النوع من السياسات؛ مما أدى لقيام سلسلة من التمردات الدموية في الجزء الشمالي قابلها عدد من الإضرابات في الجزء الجنوبي، والتي تم مواجهتها بالعنف المفرط.

اضطرت الولايات المتحدة للتراجع عن اتفاقها مع الاتحاد السوفيتي؛ مما جعل الأخيرة تدرك أن رجلها اليساري كيم إيل سونغ سيخسر الانتخابات لأن عدد سكان الجنوب ضعف عدد سكان الشمال. وبالتالي فقد أقيمت الانتخابات في الشطر الجنوبي فقط دون الشمالي؛ مما تسبب في زيادة الانقسام بين الكوريتين ونشأت حكومة شيوعية في الشمال، وحكومة يمينية في الجنوب.

في عام 1950م، نشبت الحرب الأهلية بين الكوريتين بعد قيام الشمالية بغزو الجنوبية، فردت الولايات المتحدة عبر مجلس الأمن بقرار يسمح بتدخل قوات دولية كان معظمها من الأمريكان.

وضعت الحرب أوزارها عام 1953م مع وضع خط عرض 38 درجة شمالًا كفاصل حدودي بين الكوريتين.

وفي أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991م أصرت كوريا الشمالية على الحفاظ على نهجها الشيوعي ضد الهيمنة الغربية، وأصبحت الصين هي الحليف الرئيسي لكوريا الشمالية بدلًا من الاتحاد المنهار.

 

الصين وأمريكا وحرب بالوكالة

خلال الحرب الأهلية الكورية وصلت القوات الأمريكية إلى العاصمة الكورية الشمالية بيونغ يانغ مع هيمنتها على معظم الأراضي الشمالية، في هذا الوقت تدخلت الصين بقواتها للدفاع عن كوريا الشمالية لتخسر 400 ألف جندي مقابل 4 مليون كوري شمالي و50 ألف جندي أمريكي.

جدير بالذكر أن الولايات كادت أن تقوم باستخدام القنبلة النووية في ذلك الوقت ضد الصين، لولا تدخل الاتحاد السوفيتي وما صاحبه من توقيع هدنة بين الجارتين الكوريتين.

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي بدأت الولايات المتحدة في محاولة فرض سيطرتها على كامل شبه الجزيرة الكورية من أجل بعض الفوائد الاقتصادية، والأهم لمحاصرة الصين التي ورثت العرش الشيوعي في العالم.

على الجانب الآخر، فإن الصين لها مشاريعها الخاصة في هذه المنطقة الهامة من العالم وتسعى بكل قوتها حتى لا تتمكن الولايات المتحدة من السيطرة على كامل شبه الجزيرة الكورية.

خلال الأزمة التي اندلعت بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية عام 2013م، أدلى وزير الخارجية الصيني بتصريح لخص طبيعة الموقف الصيني من الأزمة الكورية. الوزير أعرب عن قلقه البالغ من تطورات الأزمة في شبه الجزيرة الكورية قائلًا: “لن نسمح بإثارة المشاكل بجوار الصين”، وأوضح الوزير أن بكين تعارض أي كلمات أو تصرفات استفزازية من أي طرف في المنطقة في إشارة واضحة لاستفزازات الولايات المتحدة الأمريكية.

التصريحات المعلنة للمسئولين الصينيين توضح أن بكين لها موقف ثابت يتعلق بضرورة نزع السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية والحفاظ على السلام فيها وحل جميع المشاكل عبر الحوار.

حرب أم تحرشات

العديد من المراقبين يستبعد بشكل نهائي فكرة إقامة حرب بين الكوريتين، والأسباب عديدة.

كوريا الجنوبية تعلم أن اندلاع حرب معناه سقوط كل ما بنته الدولة من استقرار واقتصاد ومستوى معيشة مناسب لشعبها.

الولايات المتحدة الأمريكية تعلم يقينًا أنها لا يمكن أن تتحمل عواقب حرب جديدة خصوصًا من الناحية الاقتصادية. الولايات المتحدة عندها جبهات مفتوحة عديدة في كل من أفغانستان والعراق وسوريا وأوكرانيا والتهديدات الروسية في البلطيق، ولن تتحمل فكرة الدخول في حرب مباشرة حاليًا مع عدو له جيش من أكبر الجيوش في العالم على مستوى العدد، بالإضافة لقدرات حربية قد تكون غير معلومة جيدًا للولايات المتحدة.

كوريا الشمالية تعرف أن الدخول في حرب مفتوحة معناه انهيار تام للدولة نتيجة الوضع الاقتصادي والإنساني المتردي بالفعل في ظل المجاعات ونقص الموارد في البلاد.

الصين نفسها لا تريد اندلاع حرب في المنطقة، حيث وضح في أكثر من مناسبة تحذير الصين لحليفتها كوريا الشمالية من مغبة الإقدام على أي عمل متهور، في إشارة طبعًا لمواجهات مباشرة واسعة مع كوريا الجنوبية.

البعض يرى أن الولايات المتحدة تقوم بعمليات تحرش بكوريا الشمالية من أجل دفعها لإظهار إمكانياتها العسكرية الحقيقية في بلد يفرض ستارًا حديديًّا من السرية والغموض حول نفسه. الولايات المتحدة تبحث عن حقيقة التهديدات التي تدعيها كوريا الشمالية وما إذا كان لها أساس من الصحة أم مجرد دعاية غير حقيقية.

على الجانب الآخر، فإن المراقبين يرون أن كوريا الشمالية تقوم بعمليات ابتزاز لجارتها الجنوبية ومن ورائها الولايات المتحدة. فكوريا الشمالية تقوم باستعراض للقوة من أجل الضغط لإرسال المزيد من المساعدات والمواد الغذائية.

مخاوف مشروعة

عديد من المراقبين يرى أن مخاوف كوريا الشمالية الخاصة بأمنها القومي هي مخاوف مشروعة، وأن قيامها بتعزيز تسليحها الدفاعي والتكنولوجي له الكثير من الأسباب المنطقية.

أحد الأسباب الرئيسية في ترسيخ النزاع بين الكوريتين يكمن في سياسة العزل والحصار والعقوبات والضغط المستمر التي تمارسها الولايات المتحدة، وبالتالي فأنت لا تترك متنفسًا لخصمك كي يأخذ خطوة للوراء ويبدأ في التفاهم معك دون خوف.

إذا كانت الخيارات السياسية هي أمر داخلي خاص بكل دولة فإن من حق كوريا الشمالية أن تختار المنهج السياسي الملائم لها دون أي ضغوط من أي قوى خارجية، لكن وكما يقول المختصون بهذا الشأن فإن من حق الجيران ألا يشعروا بتهديدات مباشرة من جارتهم، وأنه لا يوجد مانع أن تقوم كوريا الشمالية بوقف برنامجها النووي والحد من انتشار الأسلحة النووية.

 

أسلحة خاصة

تتميز القوة العسكرية لكوريا الشمالية بنوعين أساسيين من الأسلحة.

الجزء الأول يتمثل في امتلاكها لترسانة أسلحة كيماوية، حيث ذكرت تقارير كورية جنوبية أن بيونغ يانغ تملك حوالي 2500 – 5000 طن من الأسلحة الكيماوية. وذكرت هذه التقارير الصادرة عن وزارة الدفاع أن معدل إنتاج هذه الأسلحة في وقت السلم يصل إلى 4500 كل عام ليرتفع المعدل في وقت الحرب إلى حوالي 12 ألف طن سنويًّا.

تملك كوريا الشمالية تنوعًا كبيرًا من المواد الكيماوية الذي يؤهلها لاختيار المادة المناسبة طبقًا للمهمة المختارة لها. تأثير هذه المواد يتراوح ما بين العجز المؤقت وحتى الموت.

ويسود الاعتقاد بأن كوريا الشمالية تملك موادًا كيماوية في جميع الأنواع الرئيسية الخمسة، وهي مكافحة الشغب والخنق والدم والبثور وغازات العصاب.

غازات مكافحة الشغب التي تملكها كوريا تتمثل في (CN) و(Adamsite) و(CN)، وغازات الاختناق تتمثل في (الكلورين والفوسجين، وغازات الدم تتمثل في سيانيد الهيدروجين وكلوريد السيانوجين، وغازات الجلد والبثور تتمثل في غاز الخردل، وأخيرًا فإن غازات العصاب التي تملكها كوريا الشمالية هي غاز السارين والسومان والتابون وغيرها.

الجزء الثاني يتمثل في منظومة الصواريخ الكورية الشمالية. يسود الاعتقاد بأن كوريا الشمالية تملك حوالي 1000 صاروخ متنوع بين قصير المدى ومتوسط المدى.

تطورت منظومة الصواريخ الكورية بشكل تدريجي خلال نصف القرن الماضي، حيث كانت في الستينات والسبعينات عبارة عن صواريخ تكتيكية لتتحول في فترة الثمانينات والتسعينات إلى صواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى.

الصواريخ بعيدة المدى يرجح أنها حاليًا في طور البحث والتطوير.

بعض من الصواريخ الكورية الحالية قادرة بالفعل على حمل رؤوس نووية، لكن التقارير تشير إلى أن احتمالية وجود الرؤوس النووية نفسها هو احتمال ضئيل جدًّا، وغير متوقع في الوقت الحالي.

 

الصواريخ الكورية الشمالية

غالبية الصواريخ الكورية هي تطوير لصواريخ “سكود” الشهيرة، والتي كانت هي نفسها تطوير لصواريخ (V2) الألمانية التي استخدمت خلال الحرب العالمية الثانية.

أبرز الصواريخ الكورية حاليًا تتمثل في:

1- الصواريخ قصيرة المدى

وهي صواريخ متنوعة يصل مداها إلى 500 كيلومتر.

يمكن لهذه الصواريخ ضرب الأهداف العسكرية في كوريا الجنوبية.

 

2- صاروخ نودونج

يبلغ مداه 1000 كيلومتر.

يستهدف هذا الصاروخ الأراضي اليابانية بشكل خاص.

يسود الاعتقاد بأن هذا الصاروخ غير دقيق جدًّا لدرجة إمكانية استهدافه للقواعد العسكرية الأمريكية في اليابان حيث يملك مدى خطأ يتراوح بين 2 – 4 كيلومترات.

 

3- صاروخ تايبودونج-1

يبلغ مداه 2200 كيلومتر.

يغطي كامل الجزر اليابانية.

 

4- صاروخ موسودان

يبلغ مداه 4000 كيلومتر.

يغطي كامل الصين ودول جنوب شرق آسيا.

يستهدف هذا الصاروخ منطقة أوكيناوا اليابانية بالإضافة إلى القواعد العسكرية الأمريكية في المحيط الهادئ.

 

5- صاروخ تايبودونج-2

يبلغ مداه حوالي 6000 كيلومتر.

يصل مداه إلى السواحل الشمالية للقارة الأسترالية.

 

القوة العسكرية للكوريتين

تتفوق كوريا الشمالية على جارتها الجنوبية من الناحية العددية. يبلغ إجمالي ما تملكه كوريا الشمالية من جنود وعتاد ضعف ما تملكه كوريا الجنوبية.

استفادت كوريا الجنوبية بشكل واضح من علاقاتها مع الولايات المتحدة عبر حصولها على أسلحة وأجهزة متقدمة كثيرًا عما تملكه كوريا الشمالية. هذا الأمر يوضح لنا أهمية سعي كوريا الشمالية لامتلاك سلاح نووي، وذلك من أجل محاولة التقدم على كوريا الجنوبية التي تتفوق عليها تكنولوجيًّا في جميع أفرع الجيش الثلاثة.

قدم موقع غلوبال فاير المتخصص في الشأن العسكري تقريرًا بالوضع العسكري لكوريا الشمالية وسط 126 دولة حول العالم.

بالنسبة للقوة البشرية فجيش كوريا الشمالية يحتل المركز الخامس كأكبر جيش في العالم من حيث عدد الجنود النشطين بالخدمة بإجمالي 690 ألف جندي. هذا الرقم معناه أن هناك جنديًّا كوريًّا شماليًّا مقابل كل جنديين أمريكيين، وأن جنديًّا كوريًّا شماليًّا مقابل كل جندي كوري جنوبي (الجيش الكوري يبلغ عدده 624 ألف جندي).

هناك اختلاف في هذه الأرقام عما ذكره تقرير لصحيفة التيليغراف البريطانية عام 2015 أيضًا، وأوضح أن إجمالي عدد الجنود النشطين بالجيش الكوري الشمالي يبلغ مليون جندي.

بالنسبة لقوات الاحتياط فكوريا الشمالية تملك ثاني أكبر جيش احتياط في العالم بإجمالي 4,5 مليون جندي، وبالتالي فإن هناك جنديين احتياط شماليين مقابل كل جندي جنوبي، ومعناه أيضًا وجود 4 جنود احتياط كوريين شماليين مقابل كل جندي أمريكي احتياط.

تملك كوريا الشمالية 4200 دبابة (المركز السابع عالميًّا)، بينما تملك كوريا الجنوبية 2381 دبابة (المركز 12 عالميًّا).

تملك كوريا الشمالية 4100 عربة قتالية مقابل 2660 لكوريا الجنوبية.

تملك كوريا الشمالية 2400 منصة لإطلاق الصواريخ؛ مما يجعلها في المركز الثاني عالميًّا خلف روسيا مقابل 214 منصة فقط للجارة الجنوبية.

على الصعيد الجوي فكوريا الشمالية تملك إجمالي 940 طائرة حربية (المركز العاشر عالميًّا)، من بينها 458 طائرة مقاتلة و202 طائرة هيليكوبتر منها 20 طائرة مقاتلة.

بينما كوريا الجنوبية تحتل المركز السادس عالميًّا بإجمالي 1412 طائرة حربية، منها 399 طائرة مقاتلة و668 طائرة هيليكوبتر بينها 77 طائرة مقاتلة.

تحتل كوريا الشمالية المركز الأول عالميًّا في عدد قطعها البحرية حيث تملك 1061 قطعة بحرية عسكرية، منها 70 غواصة و6 سفن حربية و375 مركبة دفاعية ساحلية.

كوريا الجنوبية تحتل المركز الثالث عشر في إجمالي عدد القطع الحربية بإجمالي 166 قطعة بحرية، بينها 13 غواصة و42 سفينة و81 مركبة دفاعية ساحلية.

من ناحية الموارد فإن كوريا الشمالية تفتقد كثيرًا للمواد البترولية حيث تنتج حوالي 120 برميلًا من النفط يوميًّا مقابل استهلاك يقدر بحوالي 15 ألف برميل يوميًّا. كوريا الجنوبية تعاني من نفس المشكلة لكن مع فرق كبير في الأرقام حيث تقوم بإنتاج 48 ألف برميل يوميًّا مقابل استهلاك يقدر بحوالي 2,3 مليون برميل يوميًّا.

في النواحي اللوجيستية تملك كوريا الشمالية 8 موانئ رئيسية، و82 مطارًا، ويبلغ طول طرقها 25 ألف كيلومتر، وطول سككها الحديدية 5200 كيلومتر.

بينما كوريا الجنوبية تملك 8 موانئ رئيسية، و111 مطارًا، ويبلغ طول طرقها 103 آلاف كيلومتر، وطول سككها الحديدية 3400 كيلومتر.

 

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد