منذ بضعة أيام شهدت عاصمة كوسوفو، بريشتينا، تظاهرات واحتجاجات كبيرة للمعارضة تطالب فيها الحكومة بتقديم استقالتها. خلال هذه التظاهرات تم إلقاء القنابل الحارقة على مبنى مقر الحكومة؛ مما تسبب في اندلاع النيران لفترة وجيزة بالمبنى قبل أن يتمكن رجال الإطفاء من السيطرة على الحريق وإخماده.

هذه المظاهرات كانت من تنظيم مؤيدي المعارضة من العرق الألباني احتجاجًا على إبرام الحكومة الحالية لاتفاقيات مع دولتي صربيا والجبل الأسود العام الماضي، والتي وصفوها بأنها تعد انتهاكًا واضحًا للدستور.

ما هي القصة؟

في شهر أبريل 2013، توصلت كل من كوسوفو وصربيا إلى اتفاق في العاصمة البلجيكية بروكسل بعد شهور من المحادثات التي تمت برعاية الاتحاد الأوروبي تتعلق ببدء عمليات التطبيع بينهما. هذا الاتفاق وصفه المسؤولون الأوربيون بأنه اتفاق تاريخي، ورأوا فيه وسيلة جيدة “لتضميد جراح الماضي” والبدء بمرحلة من المصالحة والتعاون بين صربيا وكوسوفو.

كان من بين أبرز ما شمله الاتفاق هو قبول كوسوفو لمقترحات صربيا فيما يخص حقوق الأقلية الصربية الموجودة في شمال كوسوفو، ويعد هذا الأمر هو أهم نقاط الخلاف السابقة والشرط اللازم لتقارب الدولتين.

وبعد الإعلان عن هذا الاتفاق طالب ممثلو المجالس المحلية في مناطق شمال كوسوفو بإجراء استفتاء في صربيا حول الموافقة على شروط الاتفاق الجديد. فبعض هؤلاء، ومنهم “ماركو ياسيتش” أحد قادة صرب كوسوفو، وهو نائب بالبرلمان الصربي أيضًا، وصف هذا الاتفاق بأنه “أسوأ خيانة حصلت في صربيا”، لأنه يرى أن هذا الاتفاق سيسمح بالانفصال الكامل لكوسوفو عن صربيا. هذه التصريحات جاءت ردًّا على إعلان وزير خارجية كوسوفو أن هذا الاتفاق سيسمح لكوسوفو ببسط سيادتها على كامل أراضيها ومن بينها الجزء الشمالي.

ما هي قصة الانفصال إذن؟

كانت كوسوفو جزءًا من الدولة العثمانية طوال 5 قرون منذ عام 1389، وبعد حرب البلقان الأولى (هي حرب نشبت بين الدولة العثمانية واتحاد البلقان الذي تألف من بلغاريا وصربيا واليونان والجبل الأسود عامي 1912 و1913)، تقاسمت مملكتا صربيا والجبل الأسود أراضي كوسوفو.

بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، تم ضم كوسوفو إلى مملكة يوغسلافيا. وخلال الحرب العالمية الثانية تم احتلال يوغسلافيا، ليتم ضم إقليم كوسوفو إلى ألبانيا التي كانت تحت الاحتلال الإيطالي في ذلك الوقت. في عام 1946، تم ضم كوسوفو إلى يوغسلافيا الاتحادية، ووفقًا لدستور 1947، حصلت كوسوفو على الحكم الذاتي تحت اتحاد الجمهوريات اليوغسلافية.

في عام 1989، قام الرئيس اليوغسلافي سلوبودان ميلوسيفيتش بإلغاء الحكم الذاتي للإقليم، وقام بحكم الإقليم بالحديد والنار مستخدمًا أساليب بوليسية قمعية عنيفة وسط اضطهاد واضح للغالبية الألبانية في الإقليم. وكرد فعل قام أهالي كوسوفو بتنظيم أنفسهم تحت قيادة حزب الاتحاد الديموقراطي الألباني، الذي اتخذ من النضال السياسي السلمي منهجًا له.

نظم أهالي كوسوفو استفتاءً شعبيًّا أيد باكتساح توجه الإقليم نحو الانفصال، وقاموا بتنظيم إضراب واسع أشبه بالعصيان المدني لصربيا، كما انتخبوا زعيم حزب الاتحاد رئيسًا لهم، والذي سعى لاعتراف دولي بجمهوريته الوليدة لكنه فشل في تحقيق ذلك.

في الفترة بين عامي 1997 – 1999، نظم ألبان كوسوفو تمردًا مسلحًا، ودخل جيش تحرير كوسوفو في صراع مسلح مع الجيش الصربي، ليرتكب الأخير مجازر وحشية بحق المدنيين الألبان، وهو ما لفت أنظار العالم للأزمة الحادثة. عام 1999، شنت قوات حلف شمال الأطلسي غارات جوية على صربيا؛ مما أرغم ميلوسيفتش على سحب قواته من كوسوفو، لتفقد معها سيطرتها الفعلية على الإقليم الذي وُضع تحت حماية الأمم المتحدة، وقام حلف شمال الأطلسي بنشر 17 ألف جندي فيه.

في يوم 17 فبراير 2008، أعلن البرلمان في كوسوفو استقلال الإقليم عن صربيا، وهو ما رفضته الأخيرة. اختلفت القوى الدولية حول الاعتراف بهذا الاستقلال بين تأييد غربي ورفض روسي، لينتهي الأمر إلى جلسة تصويت في الأمم المتحدة تمكن فيها الإقليم من الحصول على أصوات 98 دولة، وهو رقم أكبر بدولة واحدة عن الرقم المطلوب للاعتراف بالإقليم كدولة ذات سيادة. حاليًا يبلغ عدد الدول المعترفة بكوسوفو 110 دول.

ما طبيعة الاتفاق الأخير؟

في عام 2015، قامت الحكومة في كوسوفو بالتوقيع على اتفاقية تقضي بإنشاء روابط وجمعيات في البلديات ذات الغالبية الصربية داخل كوسوفو، بالإضافة إلى عملية ترسيم الحدود مع الجبل الأسود.

طبقًا للاتفاقية التي تم توقيعها في شهر أغسطس الماضي، فإن 10 مناطق من مناطق كوسوفو التي تحتوي على مجموعات صربية كبيرة، ستكون قادرة على إدارة شؤونها الخاصة فيما يتعلق بالاقتصاد والتعليم. وقد أعلن رئيس الوزراء الصربي ألكساندر فوسيتش أن جمعيات البلديات ذات الغالبية الصربية سيكون لها ميثاقها الخاص الذي سيشمل وجود رئيس، ونائب رئيس، وجمعية برلمانية، ووعلم خاص بالمجتمع الصربي في كوسوفو. وسيكون للصرب اتخاذ قراراتهم الخاصة بشأن الاقتصاد والرعاية الصحية والتعليم، وسيكون لهم إدارة محلية هدفها حماية الأقلية الصربية في كوسوفو.

واشتمل الاتفاق على بعض البنود التي رآها رئيس الوزراء الكوسوفي تعني ضمنيًّا الاعتراف بدولة كوسوفو دولة مستقلة. من بين هذه البنود أن يكون لكوسوفو نداء الاتصال الدولي الخاص بها.

معارضة بأغرب الوسائل

وتسعى المعارضة في كوسوفو بزعامة حزب فيتيفندوسي إلى عرقلة كافة مساعي البرلمان الرامية إلى إقرار الاتفاقية التي تم توقيعها.

في شهر نوفمبر الماضي حاول نواب من المعارضة إلحاق أضرار مادية بمنصة رئيس البرلمان، ثم قاموا بمهاجمة أحد النواب من الائتلاف الحاكم أثناء إلقائه كلمته باستخدام رذاذ الفلفل، هنا قام رجال الأمن بالتدخل بين الطرفين ليقوم أحد نواب المعارضة بإلقاء عبوة من الغاز المسيل للدموع داخل القاعة.

كما نقلت وكالة رويترز للأنباء عن النائب المعارض “ألبن كورتي” قوله إنه وجه رذاذ الفلفل نحو رئيس الوزراء عيسى مصطفى “لانتهاك حكومته قوانين البلاد عبر محاولتها تبني قانون الجمعية”. ولم تكن هذه هي الحادثة الأولى، بل سبقها 3 حوادث أخرى خلال 6 أسابيع.

المحكمة الدستورية تؤيد المعارضة

وفي شهر ديسمبر الماضي، قامت المحكمة الدستورية العليا في كوسوفو بإصدار حكمها بعدم دستورية جزء من الاتفاقية الموقعة بين كوسوفو وصربيا، والمتعلقة بمنح الصرب في شمال كوسوفو مزيدًا من الحكم الذاتي. المحكمة قالت يوم 23 ديسمبر 2015، إن بعض مبادئ الاتفاق بين الحكومة وصربيا لم تتوافق مع الدستور.

هذا القرار كان له عامل كبير في زيادة المعارضة الشعبية ضد الاتفاقية، وتصعيد المواجهات. فقرار المحكمة الدستورية العليا أعطى المعارضة سلاحًا قويًّا يمكنهم من الاستمرار في معارضة الحكومة بشتى الطرق والوسائل. ظهر هذا الأمر بوضوح في المظاهرات الكبيرة التي شهدتها شوارع العاصمة برشتينا، والتي شارك بها حوالي 60 ألف متظاهر (يبلغ عدد سكان كوسوفو 1,8 مليار نسمة). وكانت أقوى المظاهرات التي خرجت عام 2015 ضد الاتفاقيات الحكومية لا تتعدى عشرات أو بضع مئات من المتظاهرين.

وتحولت مطالب المتظاهرين للحكومة في الأيام الماضية من إعلان الحكومة تراجعها عن الاتفاقيات التي قامت بتوقيعها، إلى مطالبة رئيس الوزراء عيسى مصطفى بتقديم استقالته، وإجراء انتخابات مبكرة. فقد تغيرت الشعارات التي رفعها المتظاهرون من “السلامة لإقليم كوسوفو”، إلى “دولة ذات سيادة، ضد حكومة غير دستورية”. وتقول المعارضة إنه من الطبيعي عندما تقرر المحكمة الدستورية أن الحكومة قد انتهكت 23 مادة من مواد الدستور، أن يتم المطالبة باستقالة الحكومة.

قرار المحكمة من جهة أخرى، أعطى ما يشبه غطاءً شرعيًّا شفافًا على ما قامت به المعارضة من إلقاء قنابل الغاز داخل البرلمان بهدف منع انعقاد الجلسات الخاصة بإقرار الاتفاقيات الموقعة. فعلى الرغم من أن حلفاء كوسوفو اعترضوا على هذه الأفعال، إلا أن قرار المحكمة سيعطي للمعارضة المزيد من الجرأة والقدرة على الاستمرار في منع انعقاد الجلسات بأي طريقة ممكنة.

عرض التعليقات
تحميل المزيد