بحماسةٍ أقلعت اليوم الموافق 31 أغسطس (آب) 2020؛ أول رحلة جوية «علنيّة» بين إسرائيل والإمارات. الطائرة أخذت مسارها من تل أبيب إلى أبو ظبي، ومكتوب عليها كلمات كثيرة من ضمنها «كريات جات»، بقيادة وفدٍ أمريكي وإسرائيلي، على رأسه فتى دونالد ترامب المدلل وصهره جاريد كوشنر. جاءت هذه الرحلة بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن «الاتفاق الإبراهيمي»، الذي بدأ بإعلان الإمارات تطبيعها الرسمي للعلاقات مع إسرائيل.

وقبل بدء رحلة الطائرة رقم (LY971) والتي عبرت الأجواء السعودية، نُشرت صور للطائرة مكتوبٌ عليها «السلام» بثلاث لغات؛ العربية والإنجليزية والعبرية. وتحت هذه الكلمات الدعائية، كُتبت كلمتان (Kiryat Gat) والتي تعني بالعربية «كريات جات»، وهي مدينة تقع في المنطقة الجنوبية لإسرائيل. المدينة التي بدأت مستوطنة إسرائيلية أيام الاحتلال البريطاني، بين أنقاض قريتين تحيطان بها هما قرية «الفالوجة» وقرية «عراق المنشية»، وعقب أحداث النكبة عام 1948، استمر الاحتلال الإسرئيلي في توسيع المستوطنة وتهجير وتشريد أهالي القرى المجاورة.

نحاول في هذا التقرير القصير التعرف على مدينة كريات جات، وأهم الأحداث التاريخية المرتبطة بها.

الوفد الأمريكي والإسرائيلي في مطار بن غوريون قبل انطلاقهم إلى أبوظبي 

قرية الفالوجة.. آخر أرض تحت السيادة العربية

قبل الحديث عن كريات جات، علينا تسليط الضوء على الحدث التاريخي الذي سمح لهذه المستوطنة أن تصبح أحد أهم المدن الإسرائيلية اليوم، وما حدث في حصار قرية الفالوجة عام 1948. بدايةً؛ تقع قرية الفالوجة في المنتصف بين مدينة الخليل وقطاع غزة، وكانت تعتبر نقطة اتصال بين جنوب وشمال فلسطين، وكانت تعتبر مركزًا تجاريًا هامًا خاصة في الزراعة البعلية. وعرفت الفالوجة بأنّها كانت آخر نقطة مواجهة بين الجيش المصري والأهالي الفلسطينيين ضد القوات الإسرائيلية عام 1948. وأثناء حرب عام 1948؛ استطاعت القوات الإسرائيلية محاصرة القرية لمدة ستة شهور، بعد قطع خط إمداد الجيش المصري. الحصار الذي استمر بمقاومة قائد اللواء المصري الرابع السيد الطه، الملقب بـ«الضبع الأسود».

خلال أيام الحصار، لم يتوقف قصف الطائرات الإسرائيلية على القرية، ورغم طلب مركز القيادة المصرية من السيد طه بالانسحاب، إلا أنّه لم يستجب واستمر بالمقاومة والقتال. واستدعت قوات الاحتلال السيد طه إلى مستوطنة كريات جات، لإبلاغه بمهلة لموعد الانسحاب، ورغم ذلك عاد إلى القرية لإخبار قوات الجيش بالاستعداد لمواجهة قوات الاحتلال، ورغم الحصار الخانق وتوقف الإمدادات، الذي جعل الجيش المصري مضطرًا لاستنفاد موارد القرية، كان الجيش يعطي فواتير مذكور فيها ثمن الموارد لاسترداد الحقوق من مقر القيادة المصرية في الضفة الغربية.

وبعد توقيع اتفاقية جزيرة رودس في الرابع من فبراير (شباط) عام 1949، بين إسرائيل والدول المجاورة؛ مصر ولبنان والأردن وسوريا. انتهى الحصار وانسحبت القوات المصرية من الفالوجة، واتفقت الأطراف على هدنة، ونصّت الهدنة على أنّه «من يرغب من المدنيين في البقاء في قريتي الفالوجة وعراق المنشية فله الحق في ذلك». إلا أنّه في 24 فبراير (شباط)، انتهكت القوات الإسرائيلية الاتفاقية واعتمدت سياسات ترهيب وتهجير أهالي القريتين، وهاجر معظمهم إلى مدينة الخليل وقطاع غزة.

 

بعض أهالي القرية أثناء تهجيرهم عام 1949 – مصدر الصورة: موقع الانتفاضة الإلكترونية

كريات جات.. معقل هجرة اليهود العرب

بعد هذه الحادثة، وبعد تهجير إسرائيل للسكان المجاورين للمستوطنة. أسست كريات جات رسميًا سنة 1954 كـ«معبروت»، والمعبروت هي عبارة عن مخيمات أسست لاستعياب هجرة اليهود القادمين للعيش في إسرائيل. وهاجر إلى كريات جات العديد من العوائل من شمال أفريقيا. وأسست مدينة كريات جات بشكل فعليّ عام 1955 من قبل 18 عائلة يهودية من المغرب، ولحقها عوائل من تونس أيضًا. وبدأت إسرائيل بزيادة عدد المستوطنين اليهود فيها، حيث زادت نسبة السكنة من 4400 نسمة عام 1958 إلى 17.000 نسمة عام 1969، معظمهم يهود هاجروا من شمال أفريقيا والاتحاد السوفيتي.

وفي عام 2012، بلغت نسبة المواطنين اليهود في هذه المنطقة 93.8%، الثلث منهم مهاجرون من الاتحاد السوفيتي، ومعظمهم يهود تعود أصولهم إلى شمال أفريقيا (المزراحيون) وإسبانيا والبرتغال (سفارديون)، واشتهرت المدينة بصناعة المنسوجات والصناعات الزراعية.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ شهر
«فورين بوليسي»: هذه الملفات مهدت التقارب بين الإمارات وإسرائيل

وفي منتصف التسعينيات، أسست شركة إنتل (Intel) أحد أكبر شركات التكنولوجيا الأمريكية عالميًا، مصنعًا لها في المدينة باستثمار بلغ المليار دولار من طرفها، واسثمرت الحكومة الإسرائيلية بـ600 مليون دولار، وتم افتتاح هذا المصنع عام 1999، وبدأ تصنيع معالجات البنتيوم. مما جعل المدينة أحد أهم المدن التكنولوجية في إسرائيل.

ويتقلد أفيرام دهاري منصب عمدة المدينة، السياسي الإسرائيلي الذي وُلد لعائلة يهودية يمنية، ودرس هندسة البرمجيات، وعمل مع شركة نورتل الكندية للاتصالات.

على جانب آخر، تحاول إسرائيل تسويق الاتفاق الإبراهيمي؛ باعتباره بادرة خير وسلام وازدهار على شعوب المنطقة. فاستخدام عبارات السلام، واستخدام اسم المدينة التي احتوت المهاجرين اليهود العرب ركيزة لهذه الدعايات تسويقية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد