يتصاعد العنف مجددًا في الشارع الأمريكي، و«البطل الشرير» هذه المرة ليس داعش، بل هو تنظيم يُدعى «كو كلوكس كلان»، هذا التنظيم الذي اعتبره وزير الخارجية السعودي ذات يوم أنه ينتمي إلى المسيحية بقدر ما ينتمي داعش إلى الإسلام، قاصدًا بذلك أن «الإرهاب» ليس قاصرًا على أتباع دين أو بلد بعينه، بل يمكن أن يكون نابعًا من قلب المجتمع الأمريكي نفسه.  

بداية الحكاية

ولاية تينيسي جنوب البلاد، نهاية عام 1865، الأمريكيون قد خرجوا لتوهم من حربٍ أهليةٍ طاحنة أتت على الأخضر واليابس، والجميع منهكٌ بما يكفي، ستة من قدامى محاربي الكونفدرالية يجتمعون للاتفاق على تشكيل نادٍ اجتماعي، يسمون أخوتهم تلك «كو كلوكس كلان».

بدا هؤلاء متأثرين بـ«جماعة فرسان مالطا» ذات الطابع الأسطوري الغامض، وتعني بالإغريقية «الدائرة»، مشكلتهم أنهم مزعجون قليلًا، يهوون الضجيج، ويشعرون بلذة عارمة حين يجوبون شوارع المدينة ليلًا متنكرين متخفين وراء أقنعة، ويجدون أنه من المدهش أن تصرفات صبيانية كهذه تثير هلع العامة، سيما في صفوف العبيد المتناثرين في أرجاء المدينة.

تنتشر أنباء هذا الجنون كالنار في الهشيم، فيقرر آخرون خوض التجربة، وحين يكثر الأحباء والمنتمون، صار لزامًا على جميع المنتمين عقد اجتماع عمومي في أبريل (نيسان) 1867 وضعت فيه قواعد للمنظمة الجديدة، ظهر فيها حرص واضح على إضفاء طابع الغموض والأسطورة على المظاهر والطقوس.

وقتها، كانت سياسات التسامح تجاه السود ومنحهم حق التصويت تثير ضغينة الكثيرين خاصة في الجنوب، وهو ما مد الحركة بأعداد كبيرة من الساخطين الذين جذبتهم طبيعة الكلان العنصرية، بدأت الجماعة في ممارسة العنف والاغتيالات بشكل منظم ضد العبيد السابقين، ورغم أن السود كانوا الهدف الرئيس لتلك الأنشطة، فقد وقع بعض ذوي البشرة البيضاء من الجمهوريين ضحية لأنشطة الجماعة.

«الإرهاب الأبيض» يتوسّع

وفي حين يَعزو البعض نشأة الحركة إلى الظروف الاقتصادية للولايات الجنوبية، يمكن القول إن الكلان كانت عابرة للطبقات، انتمى إليها فلاحون ووزراء، أطباء ومهندسون ومحامون وتجار، جمع بينهم الغضب ضد الرجل الأسود الذي صار يقف جنبًا إلى جنب قرينه الأبيض، وصار له صوت انتخابي مثله، الأمريكيون المسيحيون البيض كانوا يضيقون ذرعًا بالمساواة، ويطلبون العودة إلى سيادة المسيحي الأبيض.

كان «الموت الأبيض» يصول ويجول في الجنوب بغير رادع، الاغتيالات تهدد الجميع، المكاتب الحكومية تُقتحم، كنائس ومدارس السود تتعرض للتدمير، اقتحموا السجون وأخرجوا السجناء السود وسحلوهم في الشوارع، كان أعضاء الجماعة يتصرفون بمفردهم غالبًا من دون توجيهات عليا، يرتدون الثياب البيضاء والأقنعة، ويخرجون خلال الليل بحثًا عن فريسة.

حتى حكام الولايات صاروا يخشون التدخُّل ضد الكلان، فهم قد يصيرون عرضة للانتقام، وهب أن أحدهم قد امتلك الشجاعة للتحرك، كان غالبًا ما سيجد مرؤوسيه ببساطة صاروا أعضاء في الحركة أو متعاطفين معها، أو أنه سيفشل في الحصول على شاهد يمتلك الشجاعة الكافية للاعتراف على أعضاء الأخوية.

اضطر ذلك الوضع المزري الحكومة الفيدرالية إلى التدخل فصدر قانون «أعمال التنفيذ Enforcement acts» الذي يهدف إلى احتواء جرائم الحركة، أرسل القوات الفيدرالية إلى الجنوب، وأعلنت الأحكام العسكرية في بعض المناطق، وساهمت تلك الإجراءات بالإضافة إلى الانقسامات الداخلية للحركة  والصراع على النفوذ فيها إلى خفوت ذكرها، وبحلول العام 1971، كانت الموجة الأولى من الكو كلوكس كلان قد انتهت.

فيلم سينمائي يعيد إحياء الجماعة الرهيبة

دي دبليو غريفيث، أمريكي باحث عن المجد، مارس التمثيل إلى جانب الكتابة للمسرح، ثم أضحى كاتبًا ومنتجًا ومخرجًا، وحين شارف عقده الرابع على الانتهاء، كان قد استعد لإخراج أهم أفلامه، العمل الذي شارك فيه 18 ألف شخص، 3 آلاف حصان، الفيلم الأول في التاريخ الذي تم عرضه في البيت الأبيض، والذي أضحى علامة فارقة في تاريخ السينما، ليس فقط لبراعته الفنية واكتساحه شباك المبيعات، ولكن لما كان له من تأثيرات اجتماعية وسياسية أصابت صُلب المجتمع الأمريكي.

«ميلاد أمة The Birth of a Nation»، هذا هو اسم الفيلم، يحكي عن العلاقة بين عائلتين أمريكيتين، إحداهما مؤيدة لفكرة اتحاد البلاد بشكل كامل، والأخرى مؤيدة لفكرة الاتحاد الكونفدرالي – أو اللامركزي -، إبان الحرب الأهلية وما تبعها من إعادة بناء الدولة، كان الفيلم حدثًا ضخمًا كما ذكرنا، وبحلول عام 1922، كان قد شاهده أكثر من 5 ملايين شخص، وكان هذا الإقبال هو الأكبر من نوعه في تاريخ السينما.

حمل الفيلم مضمونًا مرعبًا حقًا، الفيلم هو أحد أكثر الأفلام التي أنتجت عنصرية، بل أكثرها عنصرية على الإطلاق. يصور الإعدام خارج القانون باعتباره أمرًا إيجابيًا، ويا مرحبًا بإعدام السود، فالأسود هنا ليس إلا شخصًا محدود الذكاء، شرِهًا تجاه النساء، وبالنسبة للفيلم فإن الكو كلوكس كلان كانت على حق، لقد كانت النبيل الذي أراد إنقاذ الأمريكيين. انتقل الجدل حول الفيلم خارج ساحات السينما، حشود تتظاهر لأجل منعه، وحشود مضادة تحذر من المنع، لكن المحارب السابق في الحرب الأمريكية – الإسبانية «ويليام سيسمونز»، كان يخطط لما هو أخطر بكثير من التظاهر.

شاهد ويليام «ميلاد أمة» فيما كان يقضي فترة نقاهة من حادث سيارة، فيقرر أن عليه أن يحقق النبوءة، وفي ليلة عيد الشكر من عام 1922، صعد الرجل مدعومًا بـ15 آخرين سيصبحون الأعضاء المؤسسين لرابطته الجديدة، يصعدون إلى قمة جبال ستون بولاية جورجيا، ليعلنوا عن تدشين «الكو كلوس كلان» الجديدة، عند قمة الجبل أحرقت العشيرة الجديدة صليبًا، مستلهمين في ذلك مشهدًا من الفيلم لم تطبقه مجموعات الـKKK الأولى أبدًا.

كانت الموجة الثانية من الكلان تتصاعد وسط ظروف مصيرية، لم تكن هذه الحركة ضد السود فقط، بل امتد عداؤها ليشمل اليهود، والكاثوليك، وموجات المهاجرين الذين كانت الولايات تستقبلهم، والذين لم يكن معظمهم يتحدث الإنجليزية، ومدعومة بالمخاوف من ثورة شيوعية على غرار روسيا البلشفية، كانت عضوية الحركة تتسع وتتسع حتى وصلت عضويتها خلال العشرينيات إلى نحو 4 ملايين أمريكي، ومثل الحركة الأولى من الكلان، نجحت الجماعة في استقطاب الكثيرين من  المسؤولين المحليين والفيدراليين.

انخفضت عضوية الحركة وتفتتت بعد فترة الكساد الكبير Great Depression في ثلاثينيات القرن، وبعد فترة من انتشار قيام أعضائها بعمليات عنف وسحل وتدمير، بدأت الجماعة تدريجيًا تفقد جاذبيتها وقدرتها على اجتذاب المزيد من الأعضاء، أو على الاحتفاظ بأعضائها الموجودين، وساهم في ذلك ضعف هيكليتها وعدم قدرتها على كبح جماح أعضائها، فضلًا عن الفضائح التي أحاطت بقادتها، وهو ما انتهى بها في النهاية إلى ألا تعدو بضع عشرات من الرجال والعوالم الخفية الصغيرة غير المؤثرة.

«وحش الكلان» ما زال حيًا يرزق

ظلت المجموعة منذئذ وحتى يومنا هذا عبارة عن شبكات مفتتة، وتذهب التقديرات عن عدد أعضائها أنهم بضعة آلاف، يدافعون بحماسة عن سيادة المسيحيين البيض، ويعادون السامية ويرفضون التسامح مع اليهود والكاثوليك والأمريكيين السود وغيرهم، ويعارضون المثليين والإجهاض.

بين الحين والآخر، تطالعنا الصحف بأخبار عن أعضاء الجماعة، في أبريل 1997، قبض على أربعة أعضاء بتهمة التخطيط لتفجير محطة غاز طبيعي في دالاس، وفي عام 2004 قام مجلس مدينة تشارلستون بولاية كارولينا الجنوبية بتمرير قرار يعتبر الجماعة «منظمة إرهابية»، وفي 2014 حاولت الجماعة  توسيع نطاق عضويتها وذلك من خلال توزيع حلوى ومنشورات وطلبات قبول للعضوية داخل أكياس التسوق ومداخل المنازل منذ مدينة نيويورك وصولًا إلى تكساس في أمريكا.

Embed from Getty Images
ويبدو أن الأقدار قد ابتسمت أخيرًا للجماعة، إذ وصل للبيت الأبيض دونالد ترامب الذي تعد آراؤه مطابقة لكثير من توجهاتها، وفور إعلان فوزه صرح الرئيس السابق للمنظمة ديفيد ديوك – الذي كان من أبرز مناصري حملة ترامب – بأن تلك الليلة كانت من «أكثر الليالي تشويقًا في حياته»، كما أن ترامب لم يخيب ظنون هؤلاء، فقد اختار ضمن فريقه بعضًا ممن يعرف عنهم إيمانهم بسيادة المسيحيين البيض وغيرها من مبادئ الكلان، مثل مايك بنس نائب الرئيس، وستيفين بانون في منصب كبير المخططين الاستراتيجيين في البيت الأبيض – أقيل قبل أيام قليلة -، وكان بانون يتبنى ويروج من خلال موقعه الإلكتروني أفكارًا تتعلق بمعاداة السامية، ورفض «الديمقراطية الليبرالية» التي تحفل بالتعددية الثقافية والهجرة.

المصادر

تحميل المزيد