حتى أن تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبل عامين حول دعم تطلعات الأكراد نحو الاستقلال، اعتبره مراقبون أنه يأتي في سياق حملة إسرائيلية واسعة النطاق، مقدر لها الفشل بهدف التأثير على السياسة الأمريكية وتوجيهها نحو دعم حكومة إقليم كردستان.

في يونيو (حزيران) عام 2014، استلمت إسرائيل للمرة الأولى، شحنة من النفط الخام عبر خط أنابيب جديد من كردستان العراق، بعد أن وصلت ميناء عسقلان الإسرائيلي، رغم تحذيرات عراقية بعدم بيع النفط.

وقتها أخرج إقليم كردستان التفاصيل السرية المتعلقة بعمليات تصدير النفط، ضاربًا بعرض الحائط موافقة الحكومة العراقية من عدمها، حول عملية البيع، ليبرر فعله أنه بحاجة إلى المال لأجل البقاء، وقتال تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، المتغلغل أصلًا في معظم الأراضي العراقية.

وسبقت عملية التصدير بأيام، مواجهات محافظة الموصل بين قوات الجيش العراقي من جهة و«تنظيم الدولة» من جهة أخرى، وسيطرة الأكراد على كركوك، فضلًا عن كثرة الحديث لزعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، ورئيس إقليم كردستان، مسعود البرزاني، عن إقامة دولة كردية.

حتى أن تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قبل عامين، حول دعم تطلعات الأكراد نحو الاستقلال، اعتبر مراقبون أنه يأتي في سياق حملة إسرائيلية واسعة النطاق مقدر لها الفشل، بهدف التأثير على السياسة الأمريكية وتوجيهها نحو دعم حكومة إقليم كردستان العراق.

وبالتالي، فإن كثرة الحديث عن إقامة دولة كردية، ودعم شخصيات وازنة داخل الوسط الإسرائيلي لها، أثارَ جملةً من التساؤلات حول طبيعة العلاقة الممتدة بين الجانبين، والتصريحات الإسرائيلية المؤيدة والمتواترة لذلك، وأبرز السيناريوهات المحتملة بينهما.

علاقة مد وجزر

إعلان السفير الإسرائيلي لدى واشنطن، رون درامر، مطلع الشهر الجاري، أن إسرائيل تؤيد نضال الشعب الكردي من أجل الاستقلال، وحربه ضد «تنظيم الدولة»، أعاد الأذهان إلى جذور العلاقة بين البلدين، رغم سنوات القطيعة التي شهدتهما لفترات محددة.

أعلنها الوزير صراحة بوجود علاقات قوية جدًا بين اليهود الأكراد، وبين إسرائيل وكردستان، ما يشير إلى أن العلاقات بين البلدين تأخذ مسارات عديدة من التطور، لا سيما في السنوات القليلة الماضية، والمتزامنة مع حالة العداء الكردي لبعض الدول المجاورة لها.

لكنه ربط دعمه لإقامة دولة كردية مستقلة، بتغلغل ما أسماه «الإسلام الجهادي»، والذي يشكل خطرًا وتهديدًا لمنطقة الشرق الأوسط وإسرائيل، لا سيما وأن الأخيرة تبحث عن شريك قوي لتأمين حدودها بعد زعزعة الاستقرار في سوريا ولبنان.

ورغم عمق العلاقة التاريخية بينهما، وحرص إسرائيل على خفائها لسنوات كثيرة، إلا أنها حققت رصيدًا كبيرًا، كونها تعود إلى أكثر من نصف قرن، وشهدت صعودًا وهبوطًا، وفقًا لعلاقة الأكراد ببغداد.

وتعود بدايات التعاون السري بينهما إلى أيام التمرد الذي قاده ملا مصطفى البرازاني، عام 1963 ضد الحكومة العراقية وجيشها، إذ دعمت إسرائيل الأكراد، عبر تدريبهم على أساليب القتال العصري وتعليمهم كيفية الدفاع عن أنفسهم.

وفي منتصف الستينيات، أخذت العلاقة الطابع العسكري والمخابراتي مع الحزب الديمقراطي الكردستاني، برئاسة الزعيم الكردي المتوفى ملا مصطفى البارزاني آنذاك، وتتطور من حين لآخر، حيث تم إبرام اتفاقية سرية مهدت لفتح مركز للموساد للإشراف على هذه العلاقات.

وتبادل الحزب الدعم من خلال إرسال عدد من كوادره إلى إسرائيل للتدريب العسكري والمخابراتي، إلى جانب الزيارات وتقديم المساعدات المالية، إلا أن مشاركة إسرائيل إلى جانب أمريكا ونظام الشاه الإيراني، ضد الأكراد عام 1975، أدخل العلاقة في حالة من التوتر.

أبرز ما يميز العلاقة بين الطرفين، أنها شهدت قفزة نوعية مع بعض الأحزاب الكردية بعد عام 1991، إذ حاول رجال المخابرات الإسرائيلية، استعمال أراضي كردستان العراق، للتجسس على بعض دول الجوار، فيما لم تستطع الأحزاب الكردية مقاومة هذه المحاولات خوفًا من فقدان الحماية الغربية للمنطقة الآمنة.

إضافة إلى انطلاق العمليات الاستخباراتية الإسرائيلية من الأراضي الكردية ضد إيران، والتي دفع ثمنها الشعب الكردي بعد حصد العديد من الأرواح، ما دفع السلطات الإيرانية إلى إلقاء القبض على بعض المسؤولين من الحزب الديمقراطي بتهمة التجسس لصالح إسرائيل.

إسرائيل والمصلحة الكردية

متانة العلاقة بين إسرائيل والأكراد مرتبطة باستعداد الأخيرة لبناء علاقات مع إسرائيل على قاعدة المصالح المشتركة منذ أن سعت للاستقلال، ومنذ أن رغبت إسرائيل في إضعاف العراق كما هو الحال مع جنوب السودان، فضلًا عن حالة عدم الاستقرار في سوريا والحدود التركية، حتى أن إسرائيل تستغل في الوقت الحالي مخاوف دول الغرب من «غول التطرف»، الذي يقض مضاجعها، وهو ما جعلها تبني علاقات سرية لفترات طويلة مع الأكراد.

وبالتالي، فإن قيام كيان كردي مستقل في المنطقة، يعتبر «ذخرًا إستراتيجيًا من الطراز الأول لإسرائيل»؛ لأن ولادة كردستان ستؤدي إلى إضعاف عدة دول هي في حالة عداء تاريخي مع إسرائيل، مثل العراق وسوريا وإيران.

وقيام الدولة الكردية سيساعد إسرائيل والأكراد على تدشين علاقة شراكة بينهما، قائمة على أساس مصالح وقيم مشتركة، بخاصة وأنّ كلا الطرفين يعانيان من عقدة المحيط العدو ذاتها، أي أن كليهما غير مرغوب وغير مرحَّب بهم في المنطقة.

لذلك، فإن احتمالات صعود دولة كردية في المنطقة قد يغيّر معادلات كثيرة ويخفف من صراع النفوذ التاريخي القائم بين «تركيا السنية» و«إيران الشيعية»، وهو ما يفتح الطرق أمام بروز ميزان قوى جديد في الشرق الأوسط لصالح إسرائيل وأمنها القومي.

طرف آخر ينظر إلى أن العلاقة الجيدة مع إسرائيل كفيلة بتأمين الدعم والحماية الأميركية للأكراد، في وجه المخاطر الإقليمية التي تهددهم، في المقابل هناك تضخيم إعلامي بشأن العلاقة من قبل دول إقليمية، لا سيما إيران وتركيا بهدف جلب مزيد من الضغط على الأكراد، وعدم تحقيق حلمهم في قيام دولة مستقلة.

المشهد الحالي بين إسرائيل والأكراد، يوحي بأن الحزب الديمقراطي الكردستاني، بزعامة البرزاني، هو من أسس لهذه العلاقة، حيث أن قياداته تعتبر دمية تحركها أميركا وإسرائيل وقتما وكيفما شاءت.

ويستشهد أصحاب هذا الرأي بما جرى للبارزاني الأب الملا مصطفى، وتجربته مع أميركا وإسرائيل وإيران عام 1975، عندما تخلت الدول الثلاث عنه، وتركته هو وقوات البشمركة في مرمى الدبابات والطائرات العراقية.

بغض النظر عما سبق من مخاوف حول العلاقة بين الطرفين، وما تشهده المنطقة اليوم من متغيرات متلاحقة، فإن إسرائيل اتبعت إستراتيجيات منفصلة ومحددة، لدعم مصالحها الإستراتيجية وتأمين الاستقلال الكردي، حيث كثفت من مساعداتها الاقتصادية المباشرة لـحكومة إقليم كردستان، من خلال توفيرها التدريب لقوات الأمن، وإنشاء المطارات، وإقامة البنية التحتية للاتصالات، فضلًا عن ممارسة ضغوط على أمريكا نيابة عن حكومة إقليم كردستان، بشأن الانفصال عن العراق.

ومن أبرز الإستراتيجيات أيضًا والتي طفت على السطح مؤخرًا هي شراء النفط الكردي من حكومة إقليم كردستان، وهو ما يوفر لها عائدات النفط الأساسية لإقليم يعاني من ضائقة مالية خلال السنوات القليلة الماضية.

سياسة إسرائيل مع العراق

لابد من الإشارة إلى أن العراق دولة اصطناعية، شُكّلت لإرساء التوازن بين السنة والشيعة، ومنذ إقامتها لم يشعر الأكراد بأنهم شركاء في هذا الوطن، وما أفرزته السنوات الماضية من تحرك الجيش العراقي ضد الشعب الكردي والقوات الكردية، يوحي بتمسك الأكراد في دولة مستقلة.

فضلًا عن أن سيطرة «تنظيم الدولة» على محافظة الموصل غيّرت وجه البلاد؛ فواقعًا، كان العراق قبل أحداث الموصل مختلفًا: له جيشه الخاص، دون أن يكون للمسلحين دولتهم الخاصة، رغم نشاطهم في عدة أماكن آنذاك، ما فتح الطريق أمام الأكراد بالتمسك في إقامة دولتهم.

وتعتمد السياسة الإسرائيلية في التعامل مع العراق على البعد التاريخي والديني، إذ تُعد الجماعات اليهودية في العراق الأقدم في العالم، إذ إن أصولهم تعود لفترة السبي البابلي الذي لحقه الشتات.

إضافة إلى أن احتلال العراق عام 2003 فتح الباب واسعًا أمام الاختراق الإسرائيلي، وعليه لم يعد العراق القوة الأمنية المهددة لأمن إسرائيل كما كان، بل بات البلد الذي تتنازعه الانقسامات السياسية والطائفية والقومية والجغرافية.

ثمة معضلة قد تواجه إسرائيل وعلاقتها مع الأكراد، وتشكيل محور إسرائيلي-كردي ضد إيران، وهي أن «تنظيم الدولة» غيّر العلاقات الإستراتيجية الإقليمية بطرق أخرى، كما أن العلاقات بين أربيل وطهران توطدت بصورة ملحوظة.

لذلك، تدرك إيران تمامًا كيف يؤدي تواجدها العسكري ونفوذها السياسي في أربيل إلى تقويض المصالح الإستراتيجية الإسرائيلية، وكما يبدو أنها لن تسمح بتحقيق أحلام نتنياهو فيما يتعلق بالعراق، بعد كثافة تحركات إسرائيل سريًّا داخل الإقليم.

يمكن القول إن العلاقة الإسرائيلية الكردية، قائمة أساسًا، وفقًا للمصلحة الأمنية والسياسية، وهو ما يفسر دور إسرائيل في استثمار أي صراع إقليمي ودولي، وانقسام حاصل في أي دولة، كما الأكراد في العراق.

ويُؤكد هذه العلاقة الرئيس الإسرائيلي السابق شمعون بيريس، في رسالةٍ وجهها إلى نظيره الأمريكي باراك أوباما، بأنه لا يرى توحيد العراق ممكنًا بدون تدخل خارجي كبير، وأن هذا يؤكد انفصال الأكراد عن الأغلبية الشيعية والأقلية العربية السنية.

وبالتالي، فإن العلاقات بينهما ممتدة لفترات طويلة، وخروج بعضٍ من أسرارها خلال السنوات القليلة الماضية ليست بالجديدة، وإنما ناتجة عن قوة وجذور العلاقة بينهما، رغم محطات الخلاف والاتفاق.

عرض التعليقات
تحميل المزيد