يميل سكان محافظة السليمانية، ممثلين في حزب «الاتحاد الوطني» الكردي، إلى الحكومة العراقية في بغداد، خاصة بعد انتخاب جلال طالباني رئيس الحزب رئيسًا للعراق، والذي استمر في منصبه حتى 2014، في حين انتُخب مسعود بارزاني – المنافس الأبرز له – رئيسًا لكردستان العراق.

وتُظهر البيانات الرسمية التي صدرت في عام 2017 عقب الاستفتاء الشعبي على استقلال الأكراد عن العراق، خلافًا جوهريًا بين المنطقتين، فسكان أربيل ودهوك معقلي الحزب الديمقراطي أيدوا الانفصال بنسبة 90%، بينما أبدى 55% من سكان محافظة السليمانية رغبتهم في الانفصال.

تتجه الأنظار في الوقت الحالي – ومع بلوغ العراق مرحلة التخمة في الانهيار الاقتصادي وتردي الأوضاع المعيشية – نحو محافظة السليمانية التي طالبت مؤخرًا باستقلالها عن إقليم كردستان، وإنشاء إقليم منفصل بإدارة منفصلة، وهو ما قد يشي بعودة الاقتتال الكردي – الكردي القديم.

محافظة السليمانية و«حلم الإقليم»!

في مساعٍ ليست جديدة برز مرة أخرى على السطح في محافظة السليمانية شمالي شرقي العراق المحاذية لإيران؛ «حلم الإقليم». ففي سبتمبر (أيلول) الفائت طالبت «هيئة أقلمة السليمانية» بتحويل محافظة السليمانية بجنوب كردستان إلى إقليم مستقل.

وكانت اللجنة المشتركة لـ«الاتحاد الوطني الكردستاني» و«حركة التغيير» قد بحثتا في عام 2016، تحويل محافظة السليمانية إلى «إقليم مستقل» يضم محافظتي حلبجة وكركوك، ويكون موازيًا لإقليم أربيل، لكن الفكرة التي حظيت بموافقة أولية من بغداد لم تنجح لعدم قدرة الإقليم على إدارة نفسه.

عودة الفكرة مؤخرًا جاءت لأسبابٍ، أبرزها إهمال السليمانية اقتصاديًا من قبل حكومة إقليم كردستان، وسوء الخدمات الأساسية، والخلاف على أموال عائدات النفط، علاوة على تطبيق نظام الفيدرالية، الذي سيساهم في معالجة الأزمات بالعراق وكردستان، وهو نظام ناجح في عدة دول، مثل ألمانيا وأمريكا وروسيا، حسب بريار عمر عبد الله المشرف على مشروع «أقلمة السليمانية».

وبحسب الدستور العراقي، فإن مشروع «أقلمة السليمانية» يحتاج في البداية جمع 30 ألف توقيع والذي يشكل نسبة 2% من ناخبي السليمانية، وتوجيهها إلى مفوضية الانتخابات العراقية لوضع صناديق خاصة بالاستفتاء، ومن ثم التصويت على تحويل المحافظة إلى إقليم مستقل، وهو ما يدعمه مجلس النواب العراقي بقراره رقم (13) لعام 2008، استنادًا إلى المادة (19) من الدستور العراقي الدائم.

وبموجب الإجراءات التربوية يحق لكل عائلة تربية وتعليم أبنائها بلغات ولهجات مختلفة، ولكن اللغة الرسمية للإقليم ستكون اللغة الكردية، فضلًا عن أن الإقليم سيكون له علم ونشيد يخصانه، ولكن لحين كتابة دستور دائم بموجب الإجراءات القانونية، وإقرارها من قبل أغلبية المصوتين، فستواصل مؤسسات المحافظ، ومجلس المحافظة، والإدارة، والمديرون العاملون في المنطقة، مزاولة مهامها.

بالأرقام.. «أقلمة السليمانية» سيُضعف أربيل اقتصاديًا

تشير الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة الاقتصاد العراقية إلى أن محافظة السليمانية تتربع على كمية احتياطي النفط بما يفوق 35 مليار برميل موجودة في 27 وحدة نفطية، لكن الاستثمار فيها في أدنى مستوياته؛ لأن أغلب الوحدات النفطية في السليمانية لا يجري العمل فيها.

فعندما كانت الظروف مواتية منع الحزب «الديمقراطي الكردستاني» العمل في تلك المواقع وفقًا للسياسات التي كانت تتّبعها، فإقليم كردستان يصدّر من 450 إلى 500 ألف برميل نفط يوميًا، ما بين 40 إلى 50 ألف منها تُنتجه السليمانية، بحسب تصريح غالب محمد النائب في البرلمان العراقي عن محافظة السليمانية.

وزراة التخطــيط خطــة التنميــة الإســتراتيجية لإقلــيم كردســتان

وتوضح إحصاءات وزارة الموارد الطبيعية في حكومة إقليم كردستان أن حجم الغاز الطبيعي في الإقليم يُقَدّر بحوالي 5.7 تريليون متر مكعب، أغلب المواقع التي يُستَخرَج منها الغاز، أي حوالي (70% إلى 80%) توجد ضمن حدود محافظة السليمانية، إلا أن واردات الغاز لا تعود للمحافظة، وتُستَخدم دون مقابل لإنتاج الطاقة الكهربائية في الإقليم، وما يتبقّى منها يُتصرف فيه من قبل شركة «دانة غاز».

وتعتمد المحافظة على النقل البري والجوي بين المدن العراقية، فضلًا عن مطار السليمانية الدولي الذي يقع في الجزء الغربي من المدينة، ويسير رحلات يومية إلى أنحاء العراق الأخرى، ومن حيث الزراعة فإن المحافظة تمتلك مليونين و800 ألف دونم (الدونم يساوي ألف متر مربع) من الأراضي الزراعية، إضافة إلى 110 دونم من البساتين، ومليون و660 ألفًا من رؤوس المواشي، و800 حقل دواجن، وألفي دونم مخصصة لأحواض تربية الأسماك، وسدين كبيرين هما سد دوكان وسد دربنديخان، إضافة إلى قرابة ألف معمل يشكل نسبة 30% من الصناعة في العراق.

الأكراد.. اقتتال قديم وحرب جديدة تلوح في الأفق

تولد الحكم الذاتي الكردستاني في العراق بعد اتفاق الاستقلال بين الحكومة العراقية وقادة الأحزاب الكردية عام 1970، وتبنت الأمم المتحدة القرار 688 في مجلس الأمن لضمان سلامة اللاجئين الأكراد؛ الأمر الذي مهد للقوات الجوية الأمريكية والبريطانية بحماية المنطقة الكردية داخل العراق. وبحسب المحلل السياسي الكردي محمد زنكنة، فإن خلافات الحزبين الرئيسين للمكونات الكردية العراقية تعود إلى فترة الستينات، خاصة بعد الانشقاق الذي حصل في المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني بين عامي 1964 و1966.

فتيل القتال بين الحزبين الذي خلّف آلاف القتلى اندلع في مايو (أيار) 1994 بدعم إيراني للحزب الديمقراطي الكردستاني، بعد ثلاثة أعوام من عقد اول انتخابات برلمانية كردية، وتقاسم الحزبان الرئيسان آنذاك – الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال الطالباني، والحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البارزاني – مقاعد البرلمان بالتساوي، لكن الصراع على النفوذ والموارد أشعل الصراع الذي امتد إلى سبتمبر 1998، حينما فرضت أمريكا على الحزبين توقع اتفاقية السلام.

ألغت ذروة القتال بين الطرفين إبان عقد طالباني التحالف مع إيران وساعد الأخيرة في التوغل بشمال العراق في يوليو (تموز) 1996، لينطلق بارزاني إلى صدام حسين، ويطلب منه تدخلًا فوريًا للقوات العراقية، التي كسرت مناطق الحظر الجوي التي فرضها التحالف بـ30 ألف مجند، لتعود أربيل تحت سيطرة الديمقراطيين، بعد سقوط ما يقرب من 5 آلاف قتيل وآلاف الجرحى، ويعود الحزبان إلى مواقعهما الرئيسة، الديمقراطي الكردستاني يتحكم في محافظتي دهوك وأربيل، بينما يسيطر الاتحاد الوطني على السليمانية.

سياسة

منذ 3 سنوات
حديث الساعة.. ما وراء أحداث كردستان العراق المشتعلة الآن 

في سبتمبر 1997 قامت القوات التركية بإعادة دخول شمال العراق. ولكنها كانت متحالفة هذه المرة مع الحزب الديمقراطي الكردستاني، وهاجمت مواقع الاتحاد الوطني الكردستاني وحزب العمال الكردستاني في محاولة لفرض حالة وقف إطلاق النار بين الفصائل.

وحاضرًا يبدو أن المواجهة ستتجدد؛ فأسباب الخلاف التي اندثرت سابقًا عبر الوساطات الدولية باتت تظهر بدعوات انفصال محافظة السليمانية وأقلمتها، وهي أشبه ما سيكون بمواجهة دولتين متجاورتين، ولكن مختلفتين في المواقف والموارد والسيطرة. إضافة لما تشهده منطقة «زينه ورتي» في جنوب كردستان بالوقت الحالي، من تصعيد عسكري بين الاتحاد الوطني والديمقراطي بالتزامن مع قصف جوي تركي مع استقدام الحزب الديمقراطي لتعزيزات عسكرية إلى المنطقة القريبة من جبال قنديل.

وما يتردد في بال العراقيين أن الاقتتال الكردي – الكردي لن يُحل حتى بتقاسم الأقاليم؛ فالقوى الدولية تستغل التسلح الكردي لتنفيذ مشاريعها، في إشارة إلى الرسالة التي نقلها البارزاني إلى القادة الأتراك، بطلب ماكرون لردع الغزو التركي خلال زيارته في مطلع سبتمبر الفائت، بحسب السياسي الكردي محمد أمين بنجويني في حديثه لموقع «روناهي».

لماذا تُرعب فكرة الأقاليم المستقلة الساسة؟

تلوح في الأفق العراقي بوادر لانخراط عدة محافظات في السباق الإقليمي؛ ففي أبريل (نسيان) 2019 صوت مجلس محافظة البصرة على أقلمة المحافظة التي تنتج 80% من النفط العراقي، وفي عام 2015 طالب العرب والتركمان بتحويل كركوك إلى إقليم مستقل؛ الأمر الذي يرفضه – في الوقت ذاته – الأكراد؛ لأنها مقيدة بالمادة 140 من الدستور العراقي.

Embed from Getty Images

تحويل السليمانية إلى إقليم فكرة غير مقبولة في نظر القيادي بالحزب الديمقراطي الكردستاني سعيد ممو زيني؛ لأنها تهدف إلى إثارة الفوضى وتفتيت وحدة الكرد، وأن جهات خارجية تدعم المشروع. هذه النظرية تتقاطع في بعض طياتها مع عدة جهات سياسية وعلمية، فعلى المستوى الشعبي يتخوف الرأي العام العراقي من فكرة الأقاليم، ويخشى تحول العراق إلى دويلات.

وينوه منقذ داغر رئيس «المجموعة المستقلة للأبحاث» في حديثه لوكالة «الأناضول التركية» إلى أن الرأي العام العراقي معارض لفكرة الأقاليم، ففي آخر استطلاع بلغت نسبة من يوافقون على «أقلمة البصرة» أقل من 15%، ويظهر أن النخب السياسية العراقية في موقف محرج، لا سيما أنهم من أعطوا الشرعية للدستور، الذي يضمن بنفسه حق المحافظات في التحول إلى أقاليم.

هل ستسمح أمريكا بعودة الصراع الكردي – الكردي؟

من المحتمل أن تتدخل الإدارة الأمريكي التي باركت مؤخرًا لرئيس الحكومة العراقية الجديد مصطفى الكاظمي، في حال نشب نزاع جديد بين الأكراد شمالًا، لا سيما أنها تريد الابتعاد عن أماكن النزاعات، عبر ترك بغداد وإغلاق سفارتها هناك بعد هجمات الميليشيات المدعومة من إيران ضدها.

فذكرت صحيفتا «واشنطن بوست» و«وول ستريت جورنال» الأمريكيتان أن إدارة ترامب أبلغت المسؤولين العراقيين بأن واشنطن على وشك إغلاق سفارتها في بغداد، ونقل قسم كبير من طاقمها إلى القنصلية الأمريكية في أربيل التي لن يتم إغلاقها.

عربي

منذ شهرين
بدأ المعركة مبكرًا.. هل ينجح الكاظمي في كبح جماح الفصائل المسلحة العراقية؟

وبعد ورود تعليمات أمريكية للشركة المنفذة التي تضم أكثر من ألف عامل بتسريع عمليات بناء القنصلية، التي تشيد في الوقت الحالي على مساحة 200 ألف متر مربع على الطريق الرئيس الرابط بين مدينة أربيل وبلدة بيرمام، وكان من المفترض أن يتم افتتاحها صيف عام 2023، كأكبر قنصلية في العالم. يبدو جليًا عدم وجود نية لدى الإدارة الأمريكية بالسماح للمكونات الكردية في الدخول بنزاعات مسلحة من جديد، فماذا سيحدث في الأيام القادمة؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد