في الوقت الذي تحقق فيه “داعش” انتصاراتها، تشتد قبضة الأكراد على النفط والأرض والسلطة.

وسط الأنقاض التي خلفها هياج المتمردين الإسلاميين في العراق، يبدو أن مجموعة واحدة تستعد للاستفادة مما جرى؛ الأكراد. فاستجابة بغداد الضعيفة للهجوم الذي شنته الدولة الإسلامية في العراق والشام يفتح الباب باتساع الرقعة الجغرافية للمنطقة الكردية، بما سيضع ضغطًا أكبر على الحكومة المركزية، واحتمال أقوى من أن تصبح المنطقة الكردية أحد المناطق الرئيسية لتصدير الطاقة.

واصل المتمردون الإسلاميون، المعروفون اختصارًا باسم داعش، زحفهم جنوبًا صوب العاصمة العراقية يوم الخميس الماضي بعد أن استولوا على المدن الشمالية الرئيسية، بما في ذلك الموصل. لكن رد الفعل الكردي لم يقل صرامة؛ فعلى النقيض تمامًا مما فعلته القوات العراقية التي فرّت من أماكنها على الرغم من تفوقها العددي على داعش، سيطرت القوات الكردية على كركوك يوم الخميس، وهي مدينة مهمة تضم أجزاء عربية وكردية وتمثل محور صناعة النفط في الجزء الشمالي من العراق. يبرهن الاحتلال الكردي الذي جاء في غضون ساعات؛ للمدينة – التي كانت موضع خلاف بين العرب والأكراد على مدى قرون وخاصة خلال حكم صدام حسين للعراق – كيف أن هجوم داعش يعيد رسم خريطة العراق.

“قد تكون هذه هي نهاية العراق الذي كنا نعرفه. فاحتمالات أن يعود العراق دولة مركزية كتلك التي كان يحاول رئيس الوزراء نوري المالكي استعادتها باتت ضئيلة في هذه المرحلة” كما تقول مارينا أوتاواي، المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط في مركز ويلسون.

إن تباين الحالة الأمنية بين المناطق الكردية والفراغ الأمني ​​الذي سببه فرار القوات العراقية قد يضع القيادات الكردية في أربيل في موقف تحسد عليه، وخصوصا عندما يتعلق الأمر بالحرب على موارد الطاقة.

“إن الفشل الاستراتيجي للقوات العراقية قد غير بشكل كامل توازن القوة بين حكومة إقليم كردستان وبغداد”، وفقاً لما ذكرة أيهم كامل، مدير قسم الشرق الأوسط في مجموعة أوراسيا، وهي شركة استشارية للأزمات. ويواصل “سيتيح هذا حقا لحكومة إقليم كردستان التفاوض مع بغداد بشروط مختلفة تماما” وذلك عندما يتعلق الأمر بحق الأكراد في تصدير النفط مباشرة”.

لسنوات، سعى الأكراد في شمال العراق لاستفادة أكبر من موارد النفط والغاز الوفيرة في المنطقة، ولكن صادرات الطاقة كانت بيد الحكومة المركزية في بغداد، مع تقسيم لعائدات الصادرات بين المناطق في العراق. وقد احتجت القيادات الكردية لأن الصفقة لم تمنحهم نسبة 17 في المئة من العائدات التي وُعِدوا بها.

ونتيجة لذلك، قرر الأكراد – في مواجهة وابل من التهديدات والتخويف من بغداد – بناء البنية التحتية لتصدير الطاقة الخاصة بهم، التي تمكنهم من نقل النفط مباشرة إلى تركيا المجاورة. افْتُتِحَ خط الأنابيب هذا العام وتقول شركات الطاقة العاملة في المنطقة أنه سيدخل مرحلة التشغيل الكامل في وقت لاحق منه. إن تشغيل خط أنابيب التصدير هذا يمثل أهمية بالنسبة للحكومة الكردية. فهي بحاجة إلى تصدير نحو 450000 برميلا من النفط يوميا لكسب ما تتقاضاه من الحكومة المركزية. وبحلول نهاية العام المقبل، تأمل حكومة إقليم كردستان تصدير ما يصل الى 1000000 برميلٍ يوميا.

ولكن مؤخرًا، بدت بغداد قادرة على سحق أحلام الطاقة الكردية. فقبل ساعات من بدء داعش هجومها، تعهد المسؤولون العراقيون بنقل النزاع إلى الأمم المتحدة. فقد عطلت الشكوك القانونية المحيطة بالنفط الكردي من بيعه بسهولة إلى مشترين جدد.

كل ذلك يبدو وكأنه إعادة للتاريخ الآن. فتركيا، السوق الرئيسي للنفط الكردي، حريصة هي والأكراد على السيطرة على مصادر جديدة للطاقة وتعزيز الاستقرار على الحدود المضطربة. وذلك بالنظر إلى أن عدم شن المتمردين أي هجمات داخل المناطق الكردية يسبب راحة للمسؤولين في كل من أربيل وأنقرة.

“لقد أظهرت الأحداث في العراق للمجتمع الدولي أيُّ الأطراف يمكن اعتباره شريكًا جديرًا بالثقة ومصدر للطاقة لنا”، كما قال كاروان زيباري، مدير تمثيل حكومة إقليم كردستان في واشنطن. وأضاف: أن حكومة إقليم كردستان ملتزمة بوحدة العراق ولا تسعى الاستقلال.

قد يؤدي الاحتلال الكردي لكركوك، برفقة إحباط هجوم داعش في خضم غياب أي وحدات للجيش العراقي، إلى تحول كل من الديناميكيات السياسية داخل العراق وتغيير شكل قطاع الطاقة في البلاد. وهذا لأنه قد يثبت صعوبة استعادة السيطرة هناك. نظرا للأولويات الملحة الأخرى في بغداد.

“إنهم يحاولون الاستفادة من لحظة ضعف عابرة لفرض وقائع على الأرض”، كما يقول كريستيان كوتس، المتخصص في شؤون الشرق الأوسط في معهد بيكر في جامعة رايس. و يضيف “إن الوضع المضطرب يمكن أن يحيي فكرة تقسيم العراق إلى مناطق عرقية وسياسية منفصلة. “هذا قد يحدث على أرض الواقع، في الوقت الذي تنتهز فيه مختلف الفئات الفرصة للاستفادة من الفراغ في السلطة.”

يقول كامل من مجموعة أوراسيا إن السيطرة الكردية على كركوك، والحقول النفطية الهائلة الكائنة بالقرب منها؛ يمكن أن يكون لها أثر مضاعف على بقية صناعة النفط العراقية.

وتابع قائلاً “إن حكومة إقليم كردستان تعمل وفق مصالحها وقد تلجأ إلى فرض شروط على العقود المستقبلية الخاصة بحقل كركوك”

ويعتمد خروج الأكراد أقوى من معركة العراق ضد المتطرفين على مدى نجاحهم في عزل أنفسهم عن العنف وعدم الاستقرار.

تقول أوتاواي من مركز ويلسون “السؤال الآن هو ما إذا كان يمكن أن تبقى كردستان واحة للاستقرار على الرغم من الاضطرابات المحيطة، إذا كان كذلك، فمستقبلها النفطي واعد.”.

عرض التعليقات
تحميل المزيد