محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة في تركيا، في 15 يوليو (تمّوز) 2016 الماضي، كان لها آثار وتبعات كثيرة على عدة مستويات وأصعدة مختلفة، سواء بين الدولة التركية والدول الأخرى، أو حتى بين الدولة التركية والجماعات المختلفة من داخل الشعب.

ويعتبر الأكراد من الفئات العرقية التي تتواجد في عدد من دول الشرق الأوسط وغرب آسيا؛ حيث يتركز وجودهم في منطقة كردستان الكبرى، والتي هي عبارة عن أجزاء من شمال شرق العراق، وشمال غرب إيران، وشمال شرق سوريا، وجنوب شرق تركيا.

وتعتبر تركيا الدولة الأكبر لتركز الأكراد؛ حيث إنهم يمثلون حوالي 25% من إجمالي تعداد الشعب التركي، ويصل عددهم إلى حوالي 18 مليون نسمة في الدولة التركية، أي حوالي 56% من عدد الأكراد في العالم، أي أن أكثر من نصفهم موجود في تركيا.

غير أن الدولة التركية، وبخاصة بعد محاولة الانقلاب الفاشلة، تمارس العديد مما وُصف بـ«انتهاكات حقوق الإنسان» في حق الأكراد بتركيا، متهمةً إياهم بالوقوف وراء محاولة الانقلاب.

ماذا يحدث للأكراد في تركيا منذ محاولة الانقلاب الفاشلة؟

منذ حوالي 38 عامًا، وتحديدًا في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) 1978، بدأ الصراع الكردي، بين الحكومة التركية والأكراد، وذلك بعد إعلان عبد الله أوجلان عن الهوية الكردية في تركيا، بتأسيس حزب العمال الكردستاني، ما أدى إلى ظهور حملات من أجل حقوق الأكراد من قبل الحركات الطلابية، والعمالية، والمزارعين، وغيرهم، إلى أن بدأ النزاع المسلح بين الطرفين منذ هذا الحين وحتى الآن، والذي راح ضحيته إلى الآن ما يزيد على 45 ألف قتيل، مع نزوح ما يزيد على ثلاثة ملايين شخص بسبب النزاع المسلح، وفقدان 17 ألف شخص، بالإضافة إلى تدمير حوالي أربعة آلاف قرية تقريبًا.

وفي الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، أعلنت السلطات التركية القبض على صلاح الدين دميرطاش، وفيجان يوكسك داغ، الرئيسين المشاركين لحزب الشعوب الديمقراطي المعارض، والموالي للأكراد. ويعتبر حزب الشعوب الديمقراطي ثاني أكبر أحزاب المعارضة في تركيا، فضلًا عن كونه ثالث أكبر كتلة سياسية في البلاد.

وأكدت السلطات التركية، أن أسباب توقيف رئيس الحزب، بالإضافة إلى 11 نائبًا برلمانيًّا من أعضاء الحزب في البرلمان، وإحالتهم إلى القضاء، يأتي في إطار تحقيقات تتعلق بمكافحة «الإرهاب».

ردود الفعل.. تركيا تقلص فرص انضمامها للاتحاد الأوروبي

انهالت ردود الأفعال المحلية والدولية على الحادث؛ حيث اتهم الحزب، الحكومة بتنفيذ محاولة «انقلاب على الديمقراطية»، بإلقاء القبض على رئيسه وبعض أعضاء الحزب، فضلًا عن وقوع مصادمات واشتباكات بين الشرطة التركية، وأنصار الحزب، الذين نظموا احتجاجات ضد الاعتقالات، كما أطلقت الشرطة قنابل الغاز المسيل للدموع على المحتجين في إسطنبول.

من جانبه، اتهم نائب رئيس الحزب، هيشيار أوزسوي، الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بأنه يدفع تركيا إلى حافة الحرب الأهلية، كما أعلن أيهان بيلكن، المتحدث باسم حزب الشعوب الديمقراطي، تجميد أنشطة الحزب في البرلمان التركي، مع عدم المشاركة في أعمال الجمعية العامة، ولجان البرلمان.

غازات لفض تظاهرة تنديدًا بالقبض على رئيس حزب الشعوب (المصدر: بي بي سي)

كما أدانت رئاسة حكومة إقليم كردستان، اعتقال رئيسي الحزب وأعضائه، واصفة الأمر بـ«غير المقبول»، وأنه قد «يزيد من التصعيد السياسي، وتعقد الأمور بين الحكومة التركية والأكراد».

وعلى المستوى الدولي، اتهمت المفوضية الأوروبية، تركيا، بالتراجع بدرجة خطيرة فيما يتعلق بالحقوق وحكم القانون، منذ الانقلاب الفاشل في 15 يوليو) تموز) الماضي.

وقال مفوض شؤون توسيع الاتحاد الأوروبي، يوهانس هان، على حسابه الشخصي على موقع التدوينات القصيرة، تويتر، إن «الإجراءات التي شهدتها تركيا عقب محاولة الانقلاب أثرت في شرائح المجتمع كافة».

وأشار هان إلى أن عمليات الاعتقال والقبض والفصل والوقف عن العمل الواسعة، قد تُبعد تركيا عن الانضمام للاتحاد الأوروبي.

أكد رئيس المفوضية الأوروبية، جان كلود يونكر أن إجراءات تركيا الأخيرة منذ الانقلاب، تجعلها تتحرك في طريق أبعد عن الاتحاد الأوروبي، مضيفًا: «نحن في حاجة إلى تركيا، ولكن لا يمكننا أن نساوم بشأن مبادئنا».

العلاقات التركية الكردية إلى أفق مسدود

الإجراءات الأخيرة التي اتخذتها السلطات التركية بالقبض على رئيسي الحزب وعدد من أعضائه، ربما تكون نفقًا مُظلمًا في العلاقات التركية الكردية، حيث أكد محمد عبد القادر، رئيس تحرير مجلة شؤون تركية، الصادرة عن مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، أن إلقاء القبض على أعضاء من حزب الشعوب الديمقراطي، هو تحول مفصلي في العلاقات التركية الكردية، كما أنه يؤدي إلى تأجيج الصراع العرقي بينهما، لتصل العلاقات بينهما إلى أفق مسدود.

وأشار عبد القادر في حديثه لـ«ساسة بوست»، إلى أن حزب الشعوب الديمقراطي، كان حلقة وصل بين الحكومة التركية والأكراد، وباعتقال أعضائه ومعاداتهم من قبل الحكومة، فإنه «لا يوجد أي فرصة للحوار السياسي بين الطرفين، فضلًا عن توقعات باستمرار المواجهات العسكرية المحتدمة منذ عام 2015»، كما قال.

«معركة الموصل» سبب الإجراءات التركية ضد الأكراد

يبدو أن محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا، لم تكن السبب أو الدافع الوحيد للحكومة التركية، للهجوم على الأكراد، ولكن يرى كرم سعيد، الخبير في الشأن التركي بمركز الأهرام للدراسات، أن معركة الموصل كانت أحد الأسباب المهمة لانتفاضة السلطات التركية ضد الكرد من جديد، إذ إن إعلان مجلس النواب العراقي في أوائل أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، رفضه مشاركة تركيا في معركة الموصل، مع سماحه لقوات البيشمركة الكردية بالمشاركة في المعركة، كان سببًا للتصعيد التركي ضد الأكراد في تركيا، كما يرى.

وتصاعدت مؤخرًا حدة التوترات بين تركيا والعراق، بتهديد حيدر العبادي، رئيس الوزراء العراقي، بحرب إقليمية ما لم تسحب تركيا قواتها، مشيرًا إلى رفضه التام مشاركة تركيا في معركة الموصل، بينما أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في وقت سابق قبل انطلاق المعركة، أن عدم مشاركة تركيا في المعركة سيؤدي إلى عواقب وخيمة؛ حيث يؤكد أنه من الأولى مشاركة تركيا في المعركة في الموصل، كونها تبعد عن الحدود المشتركة بين البلدين حوالي 350 كيلومترًا.

وقال سعيد لـ«ساسة بوست»، إن التصعيد التركي ضد حزب الشعوب الديمقراطي، جاء بسبب النجاحات التي يحققها الأكراد في مدينة الموصل العراقية، والتي تم عزل تركيا عن المشاركة فيها، فضلًا عن معركة «غضب الفرات» التي تستهدف تحرير مدينة الرقة السورية، التي استبعدت تركيا أيضًا من المشاركة فيها.

واتفق معه صلاح لبيب، الباحث في الشأن التركي، الذي يرى أن التصعيد التركي ضد الأكراد، هو وسيلة تركيا للضغط على أوروبا والتحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، من أجل المشاركة في معركتي الموصل، وغضب الفرات.

ويرى «لبيب» أن العلاقات الجيدة بين حزب الشعوب الديمقراطي، والدول الأوروبية المختلفة، كان سببًا في التصعيد التركي ضد الأكراد في تركيا، فضلًا عن رفض طبيعة الشعب التركي لوجود أي هُوية في الدولة غير الهُوية الكردية.

واتفق كرم سعيد، معه فيما يخص حالة التقارب وحالة الود بين أوروبا والولايات المتحدة من طرف، مع الأكراد من طرف آخر، والتي يرى أنها كانت سببًا إضافيًّا لتصعيد المواجهات من قبل الحكومة التركية ضد الأكراد في تركيا.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد