مع فشل الحكومة المركزية العراقية في منح تنازلات مرضية للسنة والأكراد، وتشكيل حكومة وحدة وطنية، والسقوط السريع لقوات الجيش والشرطة العراقية، حاولت حكومة إقليم كردستان تسويق هذه الأوضاع للغرب في سبيل الحصول على الدعم المادي والعسكري، كخطوات أولية نحو الاستقلال، وإقناعها بضرورة الاعتماد عليها كشريك عسكري ناشئ.
خلال السطور التالية، تشرح “ساسة بوست” كيف أصبح إقليم كُردستان الوطن البديل للعراق العربي، في ظل حصول ما يقرب من مليون عراقي على حق اللجوء في كُردستان، وسعي الحكومة لاستصدار تشريعات قانونية تجعلها مستقلة ماديًا، وقانونيًا.

من يهيمن على حُكم إقليم كُردستان حاليًا؟

يهيمن الحزب الديمقراطي الكردستاني، بزعامة رئيس إقليم كردستان الحالي مسعود البرزاني، والاتحاد الوطني الكردستاني، بزعامة رئيس العراق السابق جلال الطالباني، على النظام جنبًا إلى جنب مع اثنتين من الأسر الحاكمة هما البارزاني والطالباني.

كما يتقاسم قطاعَ الأمن وأجهزةَ الاستخبارات وقيادةَ الوحدات العسكرية في حكومة إقليم كردستان الحزبُ الديمقراطي الكردستاني والاتحادُ الوطني الكردستاني.

وفق إحصاء 2005، يبلغ عدد سكان إقليم كردستان العراق 5.5 ملايين نسمة أكثرهم من الأكراد إضافة لأقليات أخرى كالعرب والتركمان والأشوريين، ويصدر الإقليم نحو 100 ألف برميل نفط يوميًا عبر ميناء جيهان التركي.

إقليم كردستان حليف أمريكا الراسخ

يُعتبر إقليم كردستان الحليف المُستقر والداعم للولايات المتحدة، فهو الداعم والموالي للغرب ولأمريكا في هجماتها ضد السلفيين الجهاديين، كما أن كونه مصدرًا كبيرًا للنفط سهل له منح عقود لشركات أمريكية عدة، بما فيها “إكسون موبيل” و”شيفرون”. وتستضيف أربيل، عاصمة إقليم كردستان، عددًا كبيرًا من الأمريكيين.

كذلك تكون أهمية إقليم كُردستان لأمريكا في قدرة الإقليم على إضافة أكثر من 200 ألف برميل يوميًا من النفط المنتج في أراضيها إلى أسواق الطاقة العالمية بحلول نهاية هذا العام، بحيث تستطيع نقل أكثر من 120 ألف برميل يوميًا من النفط الاتحادي الذي لا توجد سبل لتصديره من كركوك وذلك عبر شبكة الأنابيب الداخلية الخاصة بها.

تظهر أهمية هذا الإقليم للولايات المُتحدة الأمريكية من حجم الاستثمارات الأمريكية التي وصلت إلى 30 مليار دولار أمريكي في إقليم كردستان في قطاع البناء والتشييد، ما ساهم في تحقيق أرباح سريعة وكبيرة.

كذلك فأهمية كُردستان لأمريكا مرتبطة بكونها أداة للبيت الأبيض للضغط على بغداد في حال عدم التزام حكومة رئيس الوزراء العراقي الجديد حيدر العبادي بتحقيق كافة مطالبها السياسية.

في مقابلة تلفزيونية معه، قال فؤاد حسين، مدير مكتب رئيس حكومة إقليم كردستان مسعود بارزاني إن الأكراد تعرّضوا إلى “استعمار داخلي” من جانب الأنظمة العربية المتتالية في بغداد، ونتيجة لذلك، فهم لا ينظرون إلى الجهات الدولية الفاعلة باعتبارهم مستعمرين.

ما هي الدعائم التي جعلت من «كردستان» «العراق الآخر»؟

خلال الفترة الأخيرة نجحت الجهود التسويقية لإقليم كردستان في إنشاء 31 بعثة دبلوماسية في كردستان، بما فيها القنصلية العامة الصينية، والتي افتُتحت في أربيل في 31 ديسمبر 2014. كما أصبح يوجد لحكومة إقليم كردستان مكاتب تمثيلية في أربعة عشر بلدًا. ويجري حاليًا إنشاء سوق أربيل للأوراق المالية، وهي أول سوق للأوراق المالية في الإقليم.

حصول ما يقرب من مليون عراقي، بما في ذلك العديد من المسيحيين، على حق اللجوء في كردستان، جعل من الحجج التي تقدمها كردستان للاستقلال معقولة كذلك.

بلغ احتياطيات النفط المؤكّدة في الإقليم 45 مليار برميل، فيما تتراوح احتياطيات الغاز الطبيعي بين 100 و200 تريليون قدم مكعب.

تتمتع “كُردستان العراق” بموقع مثالي كنقطة انطلاق للهجمات ضد الجهاديين والخلافة، حيث تقع على بعد 600 ميل من مناطق تمركز تنظيم الدولة الإسلامية، وهي الأمور التي جعلتها بمثابة القاعدة لانتصارين مهمين الشهر الماضي في سد الموصل وقرية آمرلي.

جزء من ارتباط الإقليم بالغرب هو موقعه الجغرافي الاستثنائي المميز، حيث يقع في منطقة جيو-استراتيجية تتاخم إيران وسوريا وتركيا، حيث يلاصق حدود ثلاث دول هي سوريا في الغرب، وتركيا في الشمال، وإيران في الشرق والجنوب.

كذلك تعد الدعامة الرئيسية لبروز مكانة إقليم كُردستان، هي تدهور الأوضاع السياسية في العراق العربي، والصراع الطائفي بين طوائف المُجتمع، والسقوط السريع لقوات الجيش والشرطة العراقية، وفشل الحكومة المركزية في منح تنازلات مرضية للسنة والأكراد.

إقليم كردستان: الطريق إلى الحكم الذاتي

في مرحلة زمنية من تاريخ الإقليم، كانت الجهود القائمة لحكومة كُردستان تعتمد بشكل أساسي على توحيد الجهود، وتسويق فكرة قائمة على سعي حثيث على أن يكونوا جزءًا من العراق، في تنسيق مع الغرب الذي كان يرى أن هذا الترتيب الشكلي أقل تهديدًا من الاستقلال الكردي التام والشرعي.

لكن في الفترة الأخيرة، أظهرت تصريحات المسؤولين الأكراد ميلًا واضحًا للاستقلال، وإن كانت على استحياء، مقابل زيادة الإجراءات لجعل كُردستان مُستقلة اقتصاديًا وماليًا.

حيث تم الانتهاء بمجرد إقرار الميزانية العراقية الاتحادية لعام 2015، على اتفاق يسمح ضمنيًا للأكراد ببيع نحو نصف مليون برميل من النفط يوميًا بشكل مستقل خلال العام المقبل، بجانب تشريع أعدته حكومة “إقليم كردستان» لتمويل الديون يدعم جهودها الحثيثة لأخذ القروض السيادية من المصارف الدولية مع طرح عائداتها النفطية كضمانة لتلك القروض.

كذلك تأتي الاتفاقية المؤقتة لتقاسم الإيرادات، التي أعلن عنها رئيس وزراء «حكومة إقليم كردستان» نيجيرفان بارزاني ووزير النفط العراقي عادل عبد المهدي في 14 نوفمبر لتبين الرغبة الكبيرة للإقليم في النزوح نحو الاستقلال.

كُل هذه الإجراءات السابقة، يراها الخبراء، أنها خطوات حثيثة نحو تأسيس لكيان دولة مُستقلة، حتى وإن اختلفت التسميات.

كيف استطاع الأكراد تسويق قضيتهم للغرب؟

سعى الدبلوماسيون الأكراد العراقيون لتقديم أنفسهم باعتبارهم الجهات الفاعلة الوحيدة التي يعوّل عليها في العراق، والتي يمكنها متابعة مصالح العواصم الأجنبية، والتأكيد لواشنطن على أن الحكومة المركزية في بغداد غير جديرة بالثقة وعاجزة.

وتقدّم القيادات الكردية نفسها علنًا بأنها الجهات الفاعلة الوحيدة في العراق التي تلتزم بالدستور، من خلال نزع الشرعية عن الأحزاب العراقية العربية، والتقدم الذي أحرزوه في مجال حقوق الإنسان والديمقراطية مقابل عجز بغداد عن هذه القضايا.

بعد سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على الموصل، ذهب فؤاد حسين، رئيس ديوان رئاسة إقليم كردستان، إلى واشنطن، وقال في حديث إن “الناس في الخارج يطلبون منا قيادة العملية السياسية في بغداد بسبب وجود نقص في القيادة”.

وهو ما جعل الولايات المتحدة تساعد «حكومة إقليم كردستان» على تطوير ثمانية من ألوية البشمركة التابعة لها وذلك بمساعدة أمريكية قيمتها 92 مليون دولار، وحصول قوات البشمركة (المقاتلين الأكراد) على شحنات أسلحة مباشرة وبرامج تدريبية بقيادة مستشارين أجانب لقوات البشمركة، والتعويل على هذه القوات لصد هجمات تنظيم الدولة الإسلامية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد