خلال الساعات القليلة الماضية، برز خبر إعلامي يفيد باستعداد الأكراد السوريين لمشاركة النظام السوري في الهجوم المتوقع على محافظة إدلب، معقل المعارضة السورية الخاضعة لاتفاق وقف التصعيد.

بالنسبة لكثيرين، لا يبدو الخبر مستغربًا لما سبقه من دلائل تشير إلى تقارب واقعي بين النظام والأكراد، حيث عجل الطرف الأخير بتسليم مقاره وتغير أسمائه وشعاراته استجابة لاتفاق غير معلن مع النظام، هذه التحركات التي تتدخل بها أطراف دولية عدة ناجمة ربما -بنظر البعض- عن قرب تحقيق التوافق الإقليمي-الدولي لإعادة الأوضاع في سوريا إلى ما كانت عليه الأمور قبل الانتفاضة  على النظام عام 2011، لكن للأكراد والنظام أنفسهم أهداف أخرى يكشفها التقرير التالي.

الأكراد يسارعون لتصالح مع النظام السوري

إن مجلس منبج العسكري، بالإضافة إلى غالبية أهالي منبج، يعتبرون تركيا بمثابة مُحتل، ولا يريدون تكرار مأساة عفرين في منطقتهم، لذلك يرغبون بعودة الحكومة السورية إلى المنطقة.

 هذا ما ذكرته صحيفة «الوطن» الموالية للنظام السوري في إطار تأكيدها على وجود مفاوضات بين مجلس منبج العسكري (أكراد سوريا) والنظام  تهدف لحل قضية الأكراد السوريين.

وبالرغم من أن التصريحات تتحدث عن أن الأمر مجرد مفاوضات، تظهر الدلائل أن ما تم هو وصول فعلي إلى اتفاق غير معلن بين حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (PYD) والنظام السوري، فقد تم تسليم النظام مناطق كانت تحت سيطرة القوات الكردية، من بينها حي النشوة بالحسكة، ومناطق أخرى شرق نهر الفرات،كما غيرت ميليشيا «الأسايش» التابعة للحماية الكردية، شعارها واسمها، فأصبح اسمها «قوى الأمن الداخلي» بدلًا من  «آسايش روج آفا»، كما غيرت شعارها على الحواجز في مداخل ومخارج البلدات التي تسيطر عليها، ومقارّها الأمنية.

وقد جاءت فكرة المصالحة بين النظام والأكراد بعد زيارة وفد من النظام إلى محافظة الحسكة، عقد فيها العديد من الاجتماعات، التي تمخض عنها قبول الأكراد ببعض شروط النظام، كإنزال العلم الكردي من المنطقة ورفع العلم السوري، وتأمين وصول جيش النظام إلى المحافظات والقرى الكردية، وإنشاء حواجز طرق مشتركة، وتذكر الصحيفة السورية أبرز الشروط التي تم الاتفاق عليها وهي  «إزالة صور الميليشيات الكردية ورموزها وأعلامها في مناطق سيطرتها، وانضمام مسلحي الميليشيات الكردية إلى صفوف جيش النظام، وتسليم معبرَي اليعربية وسيمالكا النهري مع شمال العراق، ومنفذَي الدرباسية ورأس العين الحدوديين مع تركيا، إضافة إلى تسليم حقول النفط والغاز لوزارة النفط السورية والإدارة العامة لرميلان والجبسة».

أما عن شروط الأكراد فهي: «جعل اللغة الكردية مادة أساسية في المنهج الدراسي الحكومي، ومنح مقعد وزارة النفط السورية لشخصية كردية بشكل دائم، واحتساب مدة خدمة أبنائهم في صفوف الميليشيات الكردية من مدة الخدمة الإلزامية لدى الجيش».

ويبدو واضحًا اضطرار الأكراد للتخلي عن أحلام الفدرالية والحكم الذاتي، والتحول نحو الحديث عن اللامركزية نتيجة الواقع السياسي الراهن، فقد فضل الأكراد تسليم المنطقة للنظام على أن تدخلها القوات التركية التي ترفض إنشاء إقليم كردي شمال سوريا، إذ تخشى إدارة منبج من تعامل تركي مثيل لما حدث بعفرين، ومن أن يجد الأكراد أنفسهم في معركة عسكرية جديدة أمام الجيش التركي الساعي إلى وأد أي محاولة لتشكيل إقليم مستقل شمال سوريا، وبذلك يسحب حزب الاتحاد الذرائع من يد أنقرة التي تهدد بالقيام بعمل عسكري في شرقي الفرات شبيه بعملياتها درع الفرات وغصن الزيتون ضد الأكراد.

قوات كردية سورية (المصدر :جيتي)

وقد لعبت تطورات هذه المعارك دورًا في تعديل استراتيجية الأكراد، ودفعتهم نحو فتح باب حوار جدي مع النظام، تجنبًا لعمليات عسكرية تركية ربما تفضي إلى اختفاء الحزب نهائيًا من المشهد العسكري والسياسي السوري، خاصة بعد تخلي واشنطن عن «قوات سوريا الديموقراطية» (قسد) ذات الغالبية الكردية والإدارة الذاتية في الشمال.

فقد استنتج الأكراد إمكانية استفراد الروس والنظام وتركيا في فرض تسوية للأوضاع في هذه المنطقة على حساب الأكراد، وتخشى قوى كردية عدة من صفقة مع روسيا تفضي إلى تخلي واشنطن عن الأكراد مع قرب انتهاء الحملة العسكرية على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في شرق الفرات.

ويؤكد القيادي في «المجلس الوطني الكردي» في سوريا فؤاد عليكو أن: «PYD فضّل أن يعيد علاقته بالنظام، وخصوصًا بعدما شعر بأن الولايات المتحدة بصدد التخلي عنه، وهناك توضيح لأكثر من مسؤول أمريكي أن العلاقة التي تجمعهم بالمقاتلين الأكراد هي علاقة عسكرية الغاية منها محاربة الإرهاب، وليست علاقة سياسية».

ويضيف في حديث لـ«عربي 21»: «لقد أصبح PYD وحيدًا في الساحة السورية، ولهذا أعادوا فتح قنوات الاتصال مع النظام، فالحزب بات يبرر تسليمه المناطق تباعًا للنظام تحت حجج تقنية وتنموية وغيرها، كما يجري الآن بشأن تسليم سد الفرات، حيث برر الحزب تسليمه السد بضرورات تقنية لازمة لعمل السد، لا يمتلكها هو».

تركيا متخوفة من الضوء الأخضر للأكراد

لا يبدو لمتابع الشأن السوري أن قبول واشنطن بالمفاوضات الكردية مع النظام مستبعدًا، إذ إن واشنطن -التي طالبت الأكراد بعدم محاربة النظام-، غيرت أجندتها التي ألحت عليها سابقًا وهي إسقاط النظام، وأصبحت أولويتها هي تحجيم الوجود الإيراني في سوريا استجابة لرغبة إسرائيل.

لذلك يرى المراقبون أن «الوحدات الكردية» التي تتلقى الدعم العسكري من الولايات المتحدة أقدمت على التصالح مع النظام بضوء أخضر من واشنطن، وبتشجيع من بعض قيادات «المنطقة الوسطى الأمريكية»، يقول الباحث بالشأن السوري، سنان حتاحت: «المسؤولون الأمريكان يتوجهون بالنصائح للقوات الكردية بأن يتفاوضوا مع النظام، ليحصنوا جزءًا من المكتسبات العسكرية التي سجلت لهم في حربهم على تنظيم الدولة».

ويضيف لـ«عربي 21»: «الولايات المتحدة أعطت هامشًا من الحرية للمقاتلين الأكراد، لاتخاذ القرارات الأفضل لهم، ويتشابه هذا الموقف الأمريكي مع موقفها في الجنوب، وذلك عندما وجهت واشنطن رسالة للفصائل هناك، أبلغتهم بأن عليهم التصرف وفق ما تقتضي مصلحتهم هناك، قبيل تصعيد النظام».

هذا وظهر في قمة هلسنكي التي جرت في 16 يوليو (تموز) 2018، بين الرئيسين فلاديمير بوتين ودونالد ترامب، توافق مشترك على إيجاد طريقة لحل القضية الكردية السورية، ولذلك سرعان ما أعربت تركيا عن مخاوفها من انعكاساتُ التفاهم الأمريكي الروسي على الشمال السوري حيث يقبع الأكراد، وذلك في وقت كانت تهدف فيه أنقرة للقضاء على العدو اللدود لها، مقاتلي وحدات حماية الكردية، لمنعَ إقامة كيان كردي مستقل من الظهور.

الرئيسان الروسي والأمريكي (المصدر: رويترز)

هذه المخاوف التي بددت فرحة أنقرة بما حققته عمليات درع الفرات وغصن الزيتون في شمال سوريا ناتجة عن احتمال تقاسم الحدود بين الأكراد والنظام، بعد الوصول إلى ترتيب ترعاه الولايات المتحدة وروسيا للحصول على قدر من الحكم الذاتي للأكراد، وتكشف صحيفة «خبر ترك» التركية، عن عرض روسي يفضي إلى تطبيق نموذج إقليم «كردستان العراق» في شمال سوريا، أي منح الأكراد إدارة ذاتية ضمن الدولة السورية.

إيران تتدخل لصالح الأكراد بهدف «ضرب واشنطن»

مع بداية الشهر الجاري، كشف النقاب عن قيام جهات كردية نافذة في إدارة حزب الاتحاد الديمقراطي بتكثيف عملياتها في تهريب النفط السوري إلى إيران عبر مدينة شنكال الواقعة بإقليم كردستان العراق، والتي يسيطر عيها حزب العمال الكردستاني (PKK)، وبالطبع تم ذلك بتنسيق مع النظام السوري.

الأكراد يسيطرون على مناطق واسعة من شمال سوريا وشرقها (المصدر :جيتي)

فرغبة في حصول الحزب على أموال قبل أن ينتهي دوره بناء على ما سبق ذكره من بنود اتفاق، عجل بتهريب كميات كبيرة و بأسعار متدنية (يباع الطن بـ160 دولارًا فقط) إلى إيران، وما ساعده على ذلك وجود معابر غير قانونية تنشط في مناطق شمال العراق (دهوك وأربيل وجبال سنجار) تسهل عملية وصول النفط السوري إلى إيران ليتم بيعه مع النفط الإيراني.

وفيما يتوافق حرص إيران على منع تقاسم خيرات هذه المنطقة من النفط وغيره مع الآخرين مع رغبة النظام السوري، فإن لإيران أهدافًا أخرى هي قطع الطريق بين الأكراد وواشنطن، وسحب البساط من الولايات المتحدة التي تهدد وجودها في سوريا، ففي إطار محاولتها استباق الضغوط لإخراجها من الساحة، تحاول إيران إحداث اضطراب كبير لواشنطن، ولذلك وجدت طهران موطأ لها في القضية الكردية السورية، فعرضت على أكراد سوريا أن تقوم بدور الضامن للحوار بينهم وبين النظام السوري، واقترحت العمل على منحهم تطبيق «الإدارة الذاتية» لكنهم رفضوا.

يقول الكاتب والسياسي الكردي صلاح بدر الدين: «منذ أن تعاملت أمريكا مع القوات العسكرية التابعة لجماعات حزب العمال الكردستاني (PKK) السورية عبر «قسد» وقنوات أخرى، وهي تتعرض في داخل صفوفها إلى هزات وصراعات، لأن تلك الجماعات تابعة لمركز قنديل المرتبط منذ عقود بنظام طهران»، وتابع القول: «كما يظهر فإن الأكراد السوريين في صفوف هذه الجماعات أقرب إلى الجانب الأمريكي، فيما الأكراد الأتراك والإيرانيون- وهم يتولون المسؤوليات الرئيسية- أكثر ارتباطًا بمركز قنديل، والحقيقة أن المسألة تتعلق بالإيرانيين وتلك الجماعات. والأكراد بغالبيتهم ليسوا معنيين بهذا العرض الواهم، لأن القسم الأكبر ضد النظام وحماته الروس والإيرانيين وليس مع الأمريكان، وهذا هو سبب الرفض الأبرز».

النفط في مقدمة تنازلات الأكراد للنظام

تميزت مناطق الإدارة الذاتية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) بتعدد مواردها الطبيعة وعلى رأسها النفط والغاز، فناهيك عن تنوع الإنتاج الزراعي والحيواني في الشمال والشرق السوري، يتركز في تلك المساحات الشاسعة جزء كبير من الثروات النفطية والمائية والزراعية السورية، إذ كانت آبار النفط والغاز في مناطق شرق الفرات التي تقع الآن تحت سيطرة الإدارة الذاتية كانت تشكل 25% من الدخل الوطني السوري قبل عام 2011.

حقل آراك للغاز في حمص السورية (المصدر : أ ف ب)

وتوقع المراقبون أن يكون النفط على وجه التحديد عاملًا مهمًا في إنجاح المشروع السياسي للأكراد ومحركًا للاقتصاد في الشمال السوري، فالحقول التي سيطرت عليها الإدارة الذاتية تصل طاقتها الإنتاجية في حال تم استثمارها بشكل صحيح إلى أكثر من نصف مليون برميل يوميًا، لكن هذه الإدارة بسبب ضعف الإمكانيات المحلية استخرجت فقط 30 ألف برميل يوميًا.

ولأن عين النظام السوري على هذا النفط فقد جعله في مقدمة الاتفاق بينه وبين الإدارة الذاتية، إذ يقضي الاتفاق بإعادة تولي النظام لإدارة منشآت الحسكة النفطية، وأن تكون عمليات بيع النفط حصرية بيد النظام، وتؤكد مصادر محلية أن حزب الاتحاد الديمقراطي سلم في الرابع عشر من الشهر الجاري حقل العمر النفطي الواقع على الضفة الشرقية لنهر الفرات للنظام، وهو أحد أكبر الحقول النفطية، كما تم تشكيل لجنة خاصة بالبترول بين النظام والحزب لإدارة المنشآت النفطية في الحسكة.

يذكر أن حزب الاتحاد الديمقراطي، يسيطر على ربع مساحة سوريا، فتحت سيطرته تقع منطقة شرق الفرات التي تلقب بـ«سوريا المفيدة» لثرواتها المائية والزراعية والنفطية، ويسيطر الأكراد كذلك على غالبية محافظة الرقة، وكامل ريف دير الزور شمال نهر الفرات، وغالبية محافظة الحسكة، كما يسيطرون على ريف حلب الشمالي الشرقي، شرقي نهر الفرات، وسلسلة قرى جنوب نهر الفرات تمتد من مدينة الطبقة غربًا وحتى مدينة الرقة شرقًا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد