اليوم يتهم قادة إقليم كردستان العراق الحكومة الإيرانية باستغلال انشغال أكراد العراق بمحاربة تنظيم «الدولة الإسلامية» والعمل من أجل دعم قادة حزب الاتحاد الوطني الموالي وحركة التغيير الموالين لإيران في تنفيذ خطة انفصال عن الإقليم، إذ تأخذ طهران على مسعود بارزاني الذي يرأس إقليم كردستان العراق منذ ٢٠٠٥ أنه وثق علاقاته بتركيا، وهو مصر على تنفيذ برنامج «رؤية للغد» الذي يتضمن إجراء استفتاء عام لتقرير المصير وإعلان الدولة الكردية في كردستان الجنوبية، وهو ما ترفض إيران.

في إيران ثاني أكبر تواجد للأكراد في المنطقة، لكن سوء أوضاعهم يأتي في المرتبة الأولى؛ فالحكومة الإيرانية تتجاهل مطالب أكراد إيران وتطلعاتهم ولها مسيرة حافلة معهم بالقمع والقتل والتشريد.

تتغير مواقف إيران أيضًا مع الأكراد في مناطق تواجدهم حسب مصالحها، وما تفرضه عليها الظروف السياسية والعسكرية والجغرافية الكردية، فأكراد سوريا والعراق وتركيا، الذين يمرون بتغييرات كبيرة تتباين مواقف إيران معهم، فبينما هي تدعم الانقسام في شمال سوريا، ترفض منح أكرادها أي نوع من السيادة، أو حتى الحقوق السياسية والمعيشية العادية، وهي أيضًا لا توافق على سيادة إقليم شمال العراق، وتدعم معارضيه الأكراد للانشقاق عن هذا الإقليم، أما في تركيا، فتدعم حزب العمال الكردستاني (PKK)، وتزوده بالمال والسلاح، خاصة في الفترة الأخيرة.

الأكراد في الداخل الإيراني

تبلغ نسبة الأكراد الإيرانيين 10% من نسبة السكان، إذ يقدر عددهم بأكثر من عشرة ملايين إيراني، من أصل 75 مليون نسمة هم مجموع الإيرانيين، في الغالب يقطن أكراد إيران محافظات کردستان، وکرمانشاه، وإيلام، وأذربيجان الغربية.

سجلت أبرز محطات الصراع بين الأكراد والحكومة الإيرانية عام 1946، عندما أعلن الأكراد عن ولادة «جمهورية مهاباد الشعبية الديمقراطية»، في عهد الشاه الإيراني محمد رضا بهلوي، وذلك على مساحة 30% من إجمالي مساحة كردستان الشرقية، لكن بعد نحو عشرة أشهر انهارت هذه الجمهورية، إذ تمكنت السلطات الإيرانية من القضاء عليها، واستمرت علاقة التوتر بين الأكراد والحكومة الإيرانية، مسجلة محطة جديدة بعد عام 1979 عندما قامت الثورة الإسلامية.

بعد قيام الثورة، استمر القمع الحكومي لأكراد إيران، بخاصة أن الأحزاب الكردية رفضت الدستور الإيراني الجديد، ما دفع الخميني إلى إصدار فتوى ضد الأكراد تعدهم كُفارًا. ولم تكتفِ الحكومة الإيرانية بذلك، إذ تطور الأمر إلى حد قصف المناطق الكردية بالطائرات، ما دفع الأكراد إلى إعلان «الكفاح المسلح»، الذي استمر من 1979 إلى 1988، مُسفرًا عن مقتل آلاف الأكراد الإيرانيين. واستمرت السلطات الإيرانية في اغتيال قادة الأكراد، وفي القمع السياسي المتمثل في منعهم من المشاركة في الحياة السياسية، وحظر الأحزاب الكردية، وأهمها حزب الكوملة والحزب الديمقراطي الكردستاني.

1وحتى اليوم لا يزال عداء الحكومة الإيرانية لهذه الأقلية السنية قائمًا، فلا تُدرّس اللغة الكردية في المدارس، كما يمارس ضدهم التميز الديني كون أغلبهم سُنّة، ويسجن ويعذب الناشطون الأكراد. أما على المستوى المعيشي، فأكراد إيران يعانون من الركود الاقتصادي، ومناطقهم هي الأفقر والأقل اهتمامًا من قبل الحكومة.

وفي مايو (أيار) الماضي، تسبب انتحار امرأة كردية تدعى «فريناز خسرواني»، أرادت الإفلات من مصير الاغتصاب من قبل أحد المسؤولين الأمنيين، في اندلاع أحداث عرفت بـ«أحداث مهاباد». ومع أن الحادث اعتبر أمرًا عفويًّا ليس له خلفيات سياسية، إلا أن الأحداث أخذت زخمها السياسي الوطني من أصداء دعم من أكراد تركيا وسوريا وكردستان العراق، ما اضطر النظام الإيراني للتعامل بعنف شديد مع أكراد إيران، ومنع خروج هذه الاحتجاجات عن السيطرة.

الحزب الكردستاني وعودة العمل المسلح ضد إيران

أسس الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني عام 1945، بقيادة قاضي محمد، وبهدف «الكفاح المسلح ضد النظام الإيراني». وتعد أبرز محطات صراع الحزب مع الحكومة الإيرانية، بعد الثورة الإسلامية عام 1979، إذ أعقبت الثورة حملة عسكرية قضت على حياة 10 آلاف كردي.

ودفعت حملة قمع واغتيال قادة الأكراد في إيران إلى نزوحهم نحو كردستان العراق. واضطر الحزب في عام 1995، إلى الانسحاب نحو المناطق التي كان يسيطر عليها في إقليم شمال العراق، وأوقف العمل المسلح. لكن في 20 مارس (آذار) الماضي، أي بعد توقف دام حوالي 23 عامًا، أعلن الحزب استئنافه للعمل المسلح ضد الحكومة الإيرانية، كان ذلك خلال الاحتفال بـ«عيد النوروز»، وفي مقره القائم بجبال قنديل الواقعة على الحدود الإيرانية – العراقية، داخل أراضي إقليم كردستان العراق.

ويأتي الإعلان عن استئناف العمل المسلح، بعد نشاط ملحوظ لعناصر الحزب في العامين الماضيين، فقد تمكن الحزب من بناء شبكة سرية من أعضاء الحزب في مناطق شمال غرب إيران، التي تعرف باسم «روجهيلات»، كما أنشأ قوة أمنية سرية تتلقط الجواسيس، تعرف بـ«حماة روجهيلات». وأشارت مصادر في الحزب، إلى أن عضوية الحزب في ازدياد من قبل الأكراد، كما لا يستبعد المحللون ارتباط نشاط الحزب الأخير بالتطورات المتعلقة بإعلان الفيدرالية من طرف واحد لأكراد سوريا، إضافة إلى قضية احتمال إجراء استفتاء حول استقلال كردستان العراق.

ويؤكد تقرير موسع نشره موقع «ميدل إيست آي» أن «قمع الدولة، وغياب الفرص، عززا من صفوف الحزب المخضرم بشباب جدد»، إذ إن «استئناف العمليات العسكرية جاء بعد قرارات إستراتيجية اتخذتها قيادة الحزب في إطار أهداف مرسومة وفقًا للظروف الراهنة والتحليلات الجغرافية والديمغرافية»، كما قال كاوه جوانمرد، عضو اللجنة المركزية في الحزب.

وبعد تهديده بعمليات أضخم خلال المرحلة المُقبلة، وفي الخامس من مايو (أيار) الجاري، أعلن الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني مقتل 10 جنود إيرانيين، وجرح 20 آخرين، في اشتباكات اندلعت بإيران في ريف مدينة سردشت، بمحافظة أذربيجان الغربية الإيرانية قرب الحدود العراقية.

إيران تدعم أكراد سوريا.. ولكن

مع أن عدد أكراد سوريا محدود بالمقارنة مع أكراد إيران، إلا أن الأخيرة أدركت بعد تحالفها مع نظام الأسد خلال سنوات الحرب السورية، أن الأكراد يشكلون أهمية بالنسبة لها. برز ذلك أكثر بعد التدخل الروسي، وتحالف روسيا مع الأكراد، دون التفات إلى مصالح إيران التي أبدت تخوفها من قوة الأكراد.

لا تستبعد إيران، أن يدفع الروس الأكرادَ باتجاه الانفصال عن سوريا، لضمان مصالحهم في سوريا والمنطقة، في ظل تفاهم أمريكي روسي، وهو ما يهدد إيران حتى على المستوى الداخلي، على اعتبار أن انفصال المناطق الكردية في سوريا سوف يشجع أكراد إيران على الانفصال.

ويذكر موقع «فردا» الإيراني أنه «بعد بناء قواعد عسكرية روسية في مناطق الأكراد بسوريا، وإعلان وزير خارجية الولايات المتحدة جون كيري أنه بنهاية عام 2016، سيتم القضاء تمامًا على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، فإن هذا يؤكد أن هناك منافسة أمريكية روسية على دعم الأكراد وتشكيل إقليم كردي منفصل عن الحكومة المركزية السورية شمال البلاد«.
تلك المخاوف دفعت إيران لدعم أكراد سوريا، من أجل تحقيق مصالحها على الأراضي السورية، إذ كشفت مصادر بريطانية وتركية عن تعاون إيراني سوري روسي مع القوات الكردية، وهو تعاون أكده تجنب الضربات الجوية الإيرانية السورية للأكراد، واقتصارها فقط على المواقع التي تتمركز فيها الجماعات التي يقاتلونها.

وأكدت صحيفة صباح التركية أن «إيران تواصل تقديم الدعم المالي واللوجيستي لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري، وقد عقد قائد إيراني يدعى جواد، لقاء خاصًا مع سيبان حمو، قائد ميليشيات وحدات حماية الشعب الكردي، الذراع العسكري للحزب، ويمثل امتدادًا لمنظمة حزب العمال الكردستاني الانفصالية». وأشارت الصحيفة إلى أن جواد وفر مساعدات مالية تصل قيمتها إلى 3.5 ملايين دولار وقاذفات صواريخ للميليشيات الكردية المسلحة بسوريا. 

إيران تدعم حزب العمال الكردستاني في تركيا

في السنوات الأخيرة، حظي أكراد تركيا باهتمام الحكومة الإيرانية بشكل يغاير تعاملها مع أكراد إيران وسوريا والعراق، وبدأت تظهر دلائل لإعادة بناء علاقات جيدة مع أكراد تركيا، وتحديدًا مع حزب العمال الكردستاني (PKK).

عدة مكاسب تدفع إيران لتصبح حامي حمى الأكراد في تركيا؛ مكاسب إستراتيجية وتكتيكية، أولها استخدام أدوات تخدم معركتها مع تركيا، فبينما تمنح تركيا الأكراد الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وترفض رفضًا قاطعًا انقسامهم في شمال سوريا، تريد إيران أن يبقى أكراد تركيا شوكة في حلق الحكومة التركية، يهاجمون الأراضي التركية حتى إقامة دولتهم، لذلك هي تدعم إنشاء كيان كردي يمتد بين سوريا والعراق، ويقوده حزب العمال الكردستاني (PKK). ويعدّ البعض الهجمات المتكررة في تركيا على حزب العمال الكردستاني بـ«مثابة دعوة لإيران لتجرّ تركيا نحو كابوس أسوأ من ذاك الذي سعى أردوغان لتفاديه».

يقول الخبير الإسرائيلي مايكل تانخوم، في مقال له نشرته مجلة فورين أفيرز: «الأدهى والأمر من ذلك كله أن توافقًا إيرانيًا كرديًا الآن سيعزز نفوذ طهران في أقاليم تركيا الكردية الواقعة جنوبي شرق تركيا التي يتعسر على أنقرة السيطرة عليها، وهي مساحة لا يستهان بها إذ تشكل ربع مساحة تركيا».

دعم خطة انفصال بين أكراد العراق

في مايو (أيار) الماضي، وبعد «أحداث مهاباد»، لجأ عدد كبير من أكراد إيران إلى إقليم كردستان العراق عبر الحدود، وذلك هربًا من مطاردة الحكومة الإيرانية لهم، وسرعان ما أصبح احتضانهم تحت رعاية رئيس الإقليم، مسعود بارزاني، واضحًا، إذ أعلن بارزاني أن «أبواب كردستان مفتوحة للأكراد الإيرانيين المعارضين، بخاصة الفارين من بطش النظام الإيراني».

لم يكن الاحتضان السابق هو الأول، فقد لجأت عناصر من الأحزاب الكردية الإيرانية إلى مناطق كرد العراق أثناء حرب الخليج الأولى (1980- 1988) بعد أن قدمت لهم العراق الدعمَ عقب الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، وعاش منذ ذاك الوقت عناصر الحزب في المنفى بكردستان العراق.

ومع هذا يمكن القول إنّ علاقة إيران مع أكراد العراق شهدت حالات مد وجزر، وانقسام بين قرب أو بعد عن إيران، فبينما شهدت علاقة إيران بالحزب الديمقراطي الكردستاني سوء تفاهم في الغالب، كانت علاقة إيران بحزب الاتحاد الوطني الكردستاني متينة.

اليوم يتهم قادة إقليم كردستان العراق، الحكومة الإيرانية باستغلال انشغال أكراد العراق بمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية، والعمل من أجل دعم قادة حزب الاتحاد الوطني الموالي، وحركة التغيير الموالين لإيران، في تنفيذ خطة انفصال عن الإقليم، إذ تأخذ طهران على مسعود بارزاني الذي يرأس إقليم كردستان العراق منذ ٢٠٠٥، أنه وثّق علاقاته بتركيا، وهو مُصرّ على تنفيذ برنامج «رؤية للغد»، الذي يتضمن إجراء استفتاء عام لتقرير المصير، وإعلان الدولة الكردية في كردستان الجنوبية، وهو ما ترفض إيران التي تعمل، حسب اتهامات حزب الديمقراطي الكردستاني، على دعم قادة أكراد إلى فصم السليمانية عن الإقليم، وتشكيل إقليم خاص منشق عن إقليم كردستان العراق، مستغلة سلسلة صراعات سياسية يعيشها الحزب بعد غياب قائده جلال طالباني.

عرض التعليقات
s