أظهرت السنوات الأخيرة حقيقة العلاقة بين دولة الاحتلال الإسرائيلي و أكراد العراق على وجه التحديد، علاقات لم تكن وليدة اللحظات التجارية الأخيرة وحمولة النفط الكردي رخيص الثمن.

أظهرت السنوات الأخيرة حقيقة العلاقة، بين دولة الاحتلال الإسرائيلي، و أكراد العراق على وجه التحديد، علاقة لم تكن وليدة اللحظات التجارية الأخيرة، وحمولة النفط الكردي رخيص الثمن، وإنما علاقة تتوج بجميل أكراد العراق، الذين مكنوا يهود كردستان من الهجرة إلى الكيان المحتل، عندما أوصلوهم بمركباتهم إلى الحدود العراقية الإيرانية، وتستمر حتى اليوم بانبهار الاحتلال بقوة الأكراد العسكرية، في قتال تنظيم الدولة الإسلامية «داعش». فهل تصل تل أبيب لهدف تحقيق حلم «إسرائيل الكبرى» عن طريقهم؟

تاريخ علاقة «إسرائيل» مع أكراد العراق

قبل وعد بلفور، هاجر يهود كردستان إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي، وما أن حلت بداية الثلاثينيات، حتى فُرّغت قرًى كاملة في كردستان ممن فيها من اليهود، ومع إعلان قيام دولة الاحتلال الإسرائيلي، عام 1948، لم يبق يهوديًا واحدًا من كردستان العراقية، إلا وهاجر مع يهود تركيا وإيران إلى «أرض الميعاد».

ورغم هجرة جميع يهود كردستان، إلا أن دولة الاحتلال بقيت على علاقة شبه وثيقة، مع أكراد شمال العراق غير اليهود، تطبيقًا لإستراتيجية توثيق العلاقات، مع أي أطراف تخوض صراعات ضد دول عربية، إستراتيجية اعتمدها رئيس الوزراء الإسرائيلي الأول، ديفيد بن غوريون، وتعود العلاقات العسكرية بين دولة الاحتلال والأكراد إلى عام 1966، عندما تمكن الجنرال الإسرائيلي، تسوري ساغيه، من مساعدة كتيبتين كرديتين على خوض حرب استنزاف، ضد الجيش العراقي، ليقتلوا منه ثلاثة آلاف جندي.

وتكرر الأمر ذاته عام 1974، عندما أرادت دولة الاحتلال، قبل حرب الأيام الستة عام 1967، استنزاف الجيش العراقي بالقتال مع الأكراد، فتعاونت مع الاستخبارات الإيرانية، لتدريب عشرات الضباط الأكراد، على تنفيذ عمليات داخل العراق.

يقول الإعلامي السوري أحمد الهواس: «بعد هذا الدعم الذي أنهك العراق، وكلف العراقيين الكثير، لم يتم إنهاء التمرد الكردي إلاّ من خلال أمرين، الأول: توقيع نائب الرئيس العراقي، صدام حسين، اتفاقية الحكم الذاتي مع الأكراد، عام 1970، والثاني: توقيع العراق، ممثلًا بنائب الرئيس صدام حسين، لاتفاقية الجزائر مع إيران، عام 1975، والقاضية بتنازل العراق عن نصف شط العرب، مقابل وقف المساعدات العسكرية للأكراد».

وشهدت الفترة الممتدة بين عامي 1965 و1975 ذروة علاقات التعاون، بين أكراد العراق ودولة الاحتلال، فقدمت الأخيرة معونات عسكرية للأكراد، وأقامت مخيمات تدريب لعناصر البشمركة الكردية، وساعدت في بناء جهاز الاستخبارات السرية للأكراد «برستين»، وقدمت لهم مساعدات اجتماعية  وإنسانية وطبية، وكل ذلك مقابل تسهيل الأكراد لحملات تهجير يهود كردستان، من العراق إليها. كما حصلت دولة الاحتلال، من سياسيي العراق الأكراد، العاملين في الحكومة العراقية، على معلومات استخباراتية خطيرة.

وعلى مدار سنوات الثمانينيات والتسعينيات، خلال حرب الخليج الثانية، وبعد غزو العراق وسقوط نظام البعث العراقي، عُزز التعاون بين دولة الاحتلال وسياسيين أكراد، مستغلين التأييد الرسمي الدائم للأكراد ضد صدام حسين، يقول هواس لـ«ساسة بوست»: «بعد حرب الخليج عام 1991، بدأت العلاقة تأخذ منحنى أكثر تقاربًا بين إسرائيل والأكراد في شمال العراق، بعد تطبيق حظر طيران على العراق، في منطقتي الشمال والجنوب»، ويتابع هواس: «وصلت العلاقة بين إسرائيل والأكراد إلى درجة عالية جدًا من التنسيق والاستثمار، في مجالات النفط والزراعة، بعد غزو العراق عام 2003، حيث افتتح أكثر من مكتب ارتباط في شمال العراق، وباتت تلك المنطقة من أهم مناطق تواجد الموساد الإسرائيلي».

أما بعد اندلاع ثورات الربيع العربي، وتراجع سلطة النظام المركزي العراقي في المحافظات الكردية، سارعت دولة الاحتلال، التي يحيا فيها 150 ألف كردي يهودي، لاستئناف مساعداتها للأكراد في العراق، وبلغ التقارب بين الطرفين أوجه مع إعلان رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، في 29 يونيو (حزيران) من عام 2015، أن إسرائيل تؤيد إقامة دولة كردية مستقلة في شمالي العراق.

مصلحة «إسرائيل» في قيام دولة كردية مستقلة

تُعنى دولة الاحتلال الإسرائيلي بتمكين حكومة إقليم كردستان، من تأمين شروط إعلان استقلال الإقليم عن العراق، وتعمل على إقامة دولة كردية في شمال العراق، كي تكون نواة لدولة كردية أكبر، تضم لها لاحقًا مناطق التواجد الكردي، في شمال وشمال شرق سوريا، وشرق تركيا، وغرب وشمال غرب إيران.

وقد دلل رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، على أهمية قيام دولة كردية مستقلة في العراق، وذلك «لأنهم جديرون بها« كما قال، وطالب رئيس المجلس الوطني الكردستاني في سوريا، شيركو عباس، دولة الاحتلال مباشرة بدعم الدولة الكردية، وقال إن «الأكراد لم يناصبوها يومًا العداء، وإنهم المحرك للديمقراطية في الشرق الأوسط، ودعم إسرائيل للأكراد سيساهم في بناء حدود آمنة لها».

ويمكنا حصر مصلحة دولة الاحتلال بقيام دولة كردية مستقلة في التالي:

1 – تصفية وجود الدولة السورية والعراقية

أدركت دولة الاحتلال الإسرائيلي أهمية دعم الأكراد، في إقامة دولتهم، في كل من إيران وتركيا والعراق وسوريا، وعجلت بتدشين علاقات تحالف معها، فإقامة دولة كردية مستقلة، بعد تقسيم العراق وسوريا إلى دويلات متنازعة، يخدم مصلحة تل أبيب بالتأكيد.

إذ ستُضعف هذه الدولة العراق وسوريا إستراتيجيًا، وستضمن تحقيق المصالح الإسرائيلية في سوريا، متمثلة في الهدف الإستراتيجي وهو تصفية وجود «الدولة السورية»، بشكلها المتماسك الموحد، وتحويلها إلى كانتونات ذات صبغة عرقية ومذهبية، كما سيقضي إنشاؤها على تواجد جماعات إسلامية سنية، قد تتخذ من سوريا نقطة انطلاق، للوصول للعمق الإسرائيلي وتهديده، وسيقلص قيام دولة كردية في العراق فرصة تدشين جيش شيعي، برعاية إيران وحزب الله.

يقول الخبير في الشئون الكردية، د. رجائي فايد، لـ«ساسة بوست»: «إسرائيل تدعم الحركة الكردية، ليس حبًا فيها، ولكن نكاية في الآخر، في البداية دعمتها ضد الحكومة العراقية، فقد كان رئيس الأركان الإسرائيلي، رفائيل إيتان، يتواجد في المناطق الكردية، وقدم الدعم بالمال والسلاح والتدريب للأكراد، ولا ينكر الأكراد ذلك»، وأضاف: «اليوم إسرائيل تسعى لتقارب أكبر مع الأكراد، لإثارة النعرات في المنطقة، وكي تصبح شوكة بظهر الدول العربية، فهي تدرك أن انفصال الأكراد، عن العراق وسوريا، سينهيهما لتنشأ الدولة الكردية على أنقاضهما، وبالتالي تعمل تل أبيب على إضعاف الدولتين، لتصبح هي الأقوى».

2 – محاصرة كل من إيران وتركيا

على صعيد العلاقة المتوترة لدولة الاحتلال مع تركيا، والعداء السافر بينها وبين وإيران، سيضمن قيام دولة كردية محاصرة الدولتين، إذ يعني ذلك وجود فاصل بينها وبين إيران وتركيا، وتقوية ما تسميه دولة الاحتلال بـ«مواقف الأطراف المعتدلة بالمنطقة»، وكما تقول وزيرة القضاء في حكومة الاحتلال الإسرائيلي، آيليت شاكيد: «نحن نشهد عملية تفكك الدول القومية، والتي قامت عوضًا عنها قوى إسلامية، مثل داعش وإيران بعد الاتفاق النووي، وقيام دولة كردية مصلحة عالمية إستراتيجية واضحة».

فقيام دولة كردية، وانشغال إيران بها، سيقلص من قدرتها على التفرغ للاهتمام بالصراع مع دولة الاحتلال مستقبلًا، ولذلك عملت دولة الاحتلال مبكرًا على هذا المخطط، إذ كشفت معلومات أولية أن دولة الاحتلال استخدمت إقليم كردستان، في العمل ضد طهران، فانطلقت من الإقليم لتنفيذ عمليات سرية، ضد المنشآت النووية الإيرانية، كما أن التقارب مع الأكراد يعني تعويض دولة الاحتلال نسبيًا عن فتور علاقاتها بتركيا.

3 – تحقيق فوائد اقتصادية جمة

إضافة لأهمية تحقيق الإستراتيجية الإسرائيلية، المتمثلة في إقامة علاقات وثيقة، مع دول وجماعات غير عربية، هناك أيضًا فوائد اقتصادية جمة تحققها دولة الاحتلال، نظير التقارب مع الأكراد، فوائد لا تقتصر على استيراد 77% من نفطها، بأسعار مخفضة من المناطق التي ‏يسيطر عليها الأكراد، شمالي العراق، وإنما تمتد لما هو أبعد من ذلك.

فقد كشفت صحيفة معاريف الإسرائيلية، في يونيو (حزيران) لعام 2014، أن شركات إنشاءات هندسية ومقاولات إسرائيلية، تؤدي دورًا مهمًا في تدشين مشاريع بنى تحتية، في إقليم كردستان. وقالت الصحفية إنها شركات تتبع قيادات سابقة، في الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية، كالموساد، وجهاز الاستخبارات الداخلية «الشاباك»، وشعبة الاستخبارات العسكرية «أمان»، كما ذكرت الصحفية أن: «كبار القادة الاستخباريين يستغلون علاقات العمل السابقة مع الأكراد، في خدمة مصالح شركاتهم، ويقف على رأس المستثمرين الإسرائيليين في كردستان، الجنرال داني ياتوم، الرئيس الأسبق لجهاز الموساد».

تحقيق حلم «إسرائيل الكبرى»

بالعودة إلى ما قبل 13 عامًا، وتحديدًا في عام 2003، عندما كشف الصحفي الأمريكي، وين مادسن، عن مخطط إسرائيلي لاستيطان العراق، تحقيقًا لحلم «إسرائيل الكبرى»، ظهر دور الأكراد في عمليات شراء الأراضي، في منطقة تعتبرها دولة الاحتلال ملكية يهودية تاريخية، ومنها أضرحة الأنبياء ناحوم ويونس ودانيال، وكذلك حزقيل وعزرا وغيرهم.

وقامت الإدارة الأمريكية برعاية هذا المخطط، ونفذه ضباط من جهاز الموساد، بعلم القيادات السياسية في الحزبين الكرديين الكبيرين، حزب الاتحاد الوطني بزعامة جلال الطالباني، والحزب الديمقراطي بزعامة مسعود البارزاني. وتتفاخر اليوم دولة الاحتلال بأن يهود كردستان فيها، وأنهم «ما زالوا يحافظون على ولائهم لكردستان، ويتمنّون من قلوبهم مجيء اليوم الذي سيحقق فيه الشعب الكردي استقلاله، بعد سنوات طويلة من الاضطهاد».

«تنظيم الدولة» يقرب تل أبيب من الأكراد أكثر

بينما كان العالم يتابع بشغف تطورات المعركة، بين الأكراد و«تنظيم الدولة» في كوباني، كان الجنرال الإسرائيلي تسوري ساغيه، البالغ من العمر 83 عامًا، والمحتفظ بعلاقة جيدة مع رئيس الإقليم مسعود البارزاني،  منذ عام 2005، يشتاط غضبًا لأن «دولة إسرائيل لديها منظومات عسكرية وأمنية»، على حد قوله، تمنعه من الذهاب لقتال «تنظيم الدولة»، مع بني عرقه الأكراد، في إقليم كردستان العراق.

للوهلة الأولى بدا ظهور «تنظيم الدولة» وكأنه يفرض تحديات كثيرة أمام الأكراد، لكن سرعان ما اتضح أنه يقدم خدمات إستراتيجية لهم، أولها توحد الشباب الكردي، في جهد التصدي المسلح «ببسالة»، وثانيها نيل الأكراد للدعم العسكري الأمريكي والغربي، والخدمة الأهم هي كسب ثقة دولة الاحتلال الإسرائيلي، بدور الأكراد الهام في صد «تنظيم الدولة»، خاصة بعد تقهقر الجيش العراقي أمامه، وسرعان ما أبدت دولة الاحتلال إعجابها بالأداء والانضباط العسكري للأكراد، و«جرأتهم» في ساحات القتال.

وناهيك عن أن دولة الاحتلال تهدف، بالتقرب من الأكراد، إلى توظيف تلك العلاقات في تحسين بيئتها الإقليمية، فإنه يؤرقها أيضًا اقتراب «تنظيم الدولة» أو «الإسلام الجهادي»، كما تسميه، وتجذبها النجاحات الكردية في مواجهة التنظيم عسكريًا، وترى دولة الاحتلال أنه بالإمكان توظيف قوة الأكراد العسكرية، لوقف زحف «تنظيم الدولة» لعمقها الإستراتيجي.

يقول مدير مركز تراث الاستخبارات ودراسة الإرهاب، الجنرال رؤفين إيرليخ: «باستثناء الأكراد، لا توجد قوة محلية بإمكان إسرائيل الاعتماد عليها، في مواجهة التنظيمات الجهادية السنية»، كما صرح سفير دولة الاحتلال في الولايات المتحدة، رون ديرمر، في مارس (آذار) الماضي قائلًا: «نقدر جدًا روحهم القتالية، ونقف إلى جانبهم في نضالهم من أجل الاستقلال، نتوقع أن تستمر علاقات الصداقات بيننا، ليس فقط في السنوات القريبة، لكن لعقود طويلة»، وأضاف: «إسرائيل تعلم جيدًا أن الأكراد يحاربون الفاشية التي تهدد العالم، ونشعر بوجود علاقات متينة بين اليهود والأكراد، وبين إسرائيل وكردستان».

«إسرائيل» وسيط الأكراد لإقناع واشنطن بدولتهم

يدرك الأكراد قوة اللوبي اليهودي الأمريكي، ودولة الاحتلال الإسرائيلي، في التأثير على الولايات المتحدة الأمريكية، ودفعها نحو قبول فكرة تحويل الإقليم إلى دولة، وهم يتطلعون الآن إلى دور إسرائيلي ضاغط، على دوائر صنع القرار في واشنطن، لتأييد انفصال كردستان العراق، وتهيئة الرأي العام العالمي لهذه الدولة.

لذلك لم تتوان دولة الاحتلال عن شن حملة، سياسية ودبلوماسية ودعائية، تهدف إلى اعتراف دولي بـ«دولة كردية مستقلة» عن العراق، واستقبلت دولة الاحتلال المستشار السياسي في حكومة إقليم كردستان، ناهرو زاغروس، للتباحث مع كبار المسؤولين الإسرائيليين، حول سبل الدعم السياسي اللازمة، لنزع اعتراف دولي باستقلالها عن العراق، خاصة بعد ما اعتبره «تحولات إيجابية» طرأت على موقف الكونغرس والإعلام الأمريكي، من فكرة انفصال الإقليم العراقي.

وتتضح المساعي الكردية بـ«مغازلة» قادة الأكراد لدولة الاحتلال، ويهودها الكرد، من خلال إحياء عاصمة الإقليم «أربيل» لذكرى «الهولوكوست»، وبالرغم من عدم وجود أكراد يهود في كردستان العراق، إذ أعلن الآلاف الذين كانوا هناك إسلامهم منذ سنوات، أعلنت السلطات الكردية نيّتها إنشاء كنيس يهودي، وترميم الحي اليهودي في أربيل، كما قررت إقامة قسم خاص لليهود، في وزارة الأديان، مثل باقي الأقسام التي تعالج شؤون الأقليات الدينية.

وبما أن هذه القرارات تعني أن الإقليم قد يخوض صراعًا، من أجل إعادة الأملاك اليهودية لأصحابها، لم يخف الأكراد أنه من مصلحة كردستان أن يعود اليهود الأكراد إليها، «لأن ذلك ينعش الاقتصاد والاستثمار في البلاد» كما قال أحد سكان أربيل.

وقد نجحت مقاصد الأكراد تلك، عندما حث وزير الخارجية الإسرائيلي السابق، أفيغدور ليبرمان، في 22 يونيو (حزيران) لعام 2014، نظيره الأميركي جون كيري، على تغيير موقف بلاده من استقلال كردستان، على اعتبار أن العراق مقسم عمليًا، كما ذكرت مصادر إسرائيلية أن نتنياهو كلف الرئيس السابق، شمعون بيريز، بمحاولة التأثير على الإدارة الأمريكية، وإقناعها بإعلان دعم صريح للاستقلال الكردي عن العراق.

عرض التعليقات
تحميل المزيد