أبى رئيس النظام السوري، بشار الأسد وحلفاؤه، منح الأكراد السوريين القليل من الوقت للفرحة بقرب دحر عدوهما المشترك «تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا (داعش)»، فعجل بمباغتتهم بتهمة «الخيانة». نقطة التحول الكبير في مسار العلاقة بين الأكراد والنظام السوري، والتي حكمت بالمصلحة المشتركة، تنذر بصدام محتمل، صدام قد تفرضه رغبة النظام بالسيطرة على الأراضي التي سيطر عليها الأكراد وحقول نفطها، بينما يريد الاكراد إقامة حكم ذاتي أو فيدرالية على تلك الأراضي.

بعد دحرهم لـ«تنظيم الدولة».. الأسد يعجل بتخوين الأكراد

في 18 ديسمبر (كانون الأول) الحالي وقف رئيس النظام السوري، بشار الأسد، أمام وفد حكومي روسي، يوجه خطابًا هجوميًا نوعيًا نحو «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» التي تسيطر على مساحات واسعة في شمال وشمال شرق سوريا، قال «الأسد» موجهًا خطابه للأكراد: «كل من يعمل لصالح الأجنبي، خصوصًا – الآن – تحت القيادة الأمريكية (…) وضد جيشه وضد شعبه، فهو خائن. بكل بساطة».

قوات أمريكية تدعم قوات سوريا الديمقراطية في حربها على تنظيم الدولة بسوريا (رويترز)

لم يكن هذا التصريح الأول للنظام الذي ينم عن تغير اللهجة تجاه الأكراد السوريين مؤخرًا، فقد سبق واعتبرت مستشارة النظام «بثينة شعبان» الأكراد قوة غير شرعية في سبتمبر (أيلول) الماضي، فقالت: إنه «سواء كانت قوات سوريا الديمقراطية أو داعش أو أية قوة أجنبية غير شرعية موجودة في البلد تدعم هؤلاء، فنحن سوف نناضل، ونعمل ضد هؤلاء، إلى أن تتحرر أرضنا كاملة من أي معتد».

فيما رد نائب وزير الخارجية «فيصل المقداد» على موقف الأكراد المندد بتخوينهم: «هناك داعش آخر قد تسمى قسد، ويحاول الأمريكيون دعمها ضد إرادة الشعب السوري»، مضيفًا: «هي في خدمة أمريكا، وخدمة المخططات الغربية ضد شعب سوريا، وضد الدولة السورية، من يعمل على تفتيت الدولة السورية، ويضع شروط على إعادة دمج المناطق السورية ببعضها ليس بسوري، ولا يمكن الوثوق به».

وردًا على تلك المواقف، اعتبر الأكراد أن النظام السوري ما زال يراهن على الفتنة الطائفية والعرقية، كما لم يخل رد (قسد)، الذراع العسكري لـ«حزب الاتحاد الديمقراطي (ب. ي. د)»، من مبادلة «الأسد» نفس الاتهام، حين قالت عنه: «هو بذاته أحد تعريفات الخيانة التي إن لم يتصد لها السوريون، ستؤدي بالبلاد إلى التقسيم، وهو ما لن تسمح به قواتنا بأي شكل من الأشكال».

مجلس دير الزور العسكري التابع لقسد في مؤتمر صحافي

وجاء في بيان (قسد) الذي وصف بشديد اللهجة: أن «هذا النظام هو المسؤول مباشرة عن إطلاق يد الفصائل الطائفية في البلاد، والتي عاثت فسادًا في نسيج سوريا، أرضًا وشعبًا، وهذا النظام هو من فتح أبواب البلاد على مصراعيها أمام جحافل الإرهاب الأجنبي التي جاءت من كل أصقاع الأرض، كما أنه هو بالذات الذي أطلق كل الإرهابيين من سجونه ليَلِغوا في دماء السوريين بمختلف تشعباتهم».

وأضاف البيان الذي حمل عنوان «نحن من أسقط الخيانة»: «هذا النظام الذي ما زال يراهن على الفتنة الطائفية والعرقية ويتخدنق وفق هذه المعطيات، هو بذاته أحد تعريفات الخيانة، التي إن لم يتصد لها السوريون؛ سيؤدي بالبلاد إلى التقسيم، وهو ما لن تسمح به قواتنا بأي شكل من الأشكال».

لم تأمن القوات الكردية النظام السوري بعد اتهامه لها بالخيانة، ولذلك عجلت بتحصين مناطق سيطرتها بشرق سوريا وشمالها، فكثّفت الشرطة الكردية (أسايش)، و«وحدات حماية الشعب» الكردية، دورياتها في تلك المناطق، فيما أعلنت قوات النظام استنفارًا كاملًا بعد اعتقال عنصرين من «حزب الاتحاد الديمقراطي»، وحدث انتشار أمني وكثافة غير مسبوقة للحواجز من قبل الطرفين.

الأكراد.. من رفع شعارات الثورة إلى التحالف مع النظام 

شارك الأكراد في بدايات الثورة السورية في العام 2011، وصدحت حناجرهم في القامشلي وعامودا بشعارات الثورة، فقد وجدوا فيها أملًا يخلصهم من النظام السوري، بل اعتبروا هذه الثورة امتدادًا لانتفاضتهم في العام 2004.

تشييع أحد المقاتلين الأكراد الذي قتل خلال المعركة مع تنظيم الدولة

لكن سرعان ما أدركت أجهزة النظام السوري أهمية تحييد الأكراد واستمالتهم بعيدًا عن الثورة، فعجلت بكسبهم عبر إعادة تجنيس أكثر من 200 ألف كردي، بعدما حرموا من الجنسية في 1962، وبالرغم من وجود رفض حينها بين قطاع من الشارع الكردي تجاه التحالف مع الأسد، إلا أن حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي ارتبط بعلاقات أمنية وعسكرية مرئية مع النظام السوري بدأت مع العام 2012، وتسربت العديد من الدلائل التي تشير إلى تعاون الوحدات الكردية مع النظام في المناطق التي تسيطر عليها، وبعد عام 2013، أصبح من الممكن أن ترى في شارع (الوحدة) الكائن وسط مدينة القامشلي (الحسكة)، إكسسوارات عليها صور رئيس النظام بشار الأسد أو علم النظام.

وقد عجل «حزب الاتحاد الديمقراطي» بقمع الأصوات الكردية المخالفة لهذا التوجه، سواء بالقتل أو الاعتقال أو النفي أو التهجير، وبينما كان العديد من الأكراد السوريين يرتبطون في تحالف مع الولايات المتحدة، كان يمد هؤلاء جسور التواصل مع النظام وحلفائه الروس والإيرانيين، وقابل ذلك فتح النظام الباب أمام الأكراد لبسط نفوذها في الشمال، بغية أن تشكل هذه السيطرة حاجزًا جغرافيًا أمام تمدد فصائل المعارضة.

مقاتلات كرديات في سوريا

وهذا الأمر لا يعني أن الحزب كان جزء من سياسة النظام السوري، لكن ما حدث كان تحالفًا يؤجل الخلاف العميق لصالح محاربة كل طرف لأعداء آخرين، فالنظام أولويته كانت محاربة فصائل المعارضة، العدو المشترك للنظام مع الوحدات الكردية التي كانت ترى فيه عدوًا يمنعها من بسط هيمنتها في مناطقها، ولذلك اعتبر أنه لم ينل من الأكراد ما ناله من السوريين المعارضين، وهو ما جعل البعض يشبه دور الأكراد بالعيش في ثورة «سياحية».

الصراع الخفي بين روسيا وإيران.. طهران تدفع دمشق لمواجهة عسكرية مع الأكراد

عدة اعتبارات تقف وراء قرار الإيرانيين تنغيص فرحة الأكراد بانتهاء الحرب على «تنظيم الدولة»، فطهران لم تتوان عن دفع دمشق إلى مواجهة عسكرية مع (قسد)، يشجعها على ذلك تلقي أكراد العراق ضربة كبرى بعد خيبة الاستفتاء الذي أجراه إقليم كردستان على الاستقلال.

امرأة ترفع صورة الزعيم الكردي، عبد الله أوجلان

إذ تعتقد إيران أن الطموح الكردي بسوريا مع بدء مرحلة جديدة من المفاوضات يتمثل في سعيهم نحو الحصول على حكم ذاتي في شمال سوريا، فيما يرى الإيرانيون كالنظام السوري أحقيتهم في السيطرة على المناطق التي انتزعتها قوات سوريا الديمقراطية من «تنظيم الدولة»، ولذلك قال أمين مجلس الأمن القومي الإيراني «علي شمخاني»: إن بلاده ستبقى في سوريا «حتى القضاء نهائيًا على كافة المجموعات الإرهابية، فالمحدد الوحيد لتحركات طهران في سوريا هو مقتضيات الأمن القومي الإيراني، وحفظ أمن المنطقة واستقرارها».

 ويذكر تقرير صحفية «هآرتس» الإسرائيلية أنه ضمن إعادة رسم الخريطة في سوريا لصالح الأسد، فحكومة النظام ستستعيد المناطق التي تحتفظ بها القوات الكردية، يأتي ذلك حسب التقرير: «في الوقت الذي صرح فيه مسؤول إيراني كبير مؤخرًا أن حكومة النظام ستستعيد المناطق التي تحتفظ بها القوات التي تقودها الولايات المتحدة والقوات الكردية، أبرمت روسيا صفقات مع الأكراد وداعميهم الأمريكيين».

يبتعد الموقف الروسي من الاكراد عن الموقف الإيراني لحد ما، فطالما بعثت روسيا إلى الاكراد رسالة مبطنة تهدف إلى سحب حزب الاتحاد الديمقراطي من تحت عباءة واشنطن، وقد كانت تبحث عن شراكة مع الأكراد تدفعهم للتخلي عن واشنطن وسحب أي تواجد للقوات الأمريكية في سوريا، وقد لعبت موسكو على وتر منح الأكراد حكم إدارة ذاتي ضمن حكومة مركزية مقرها دمشق، ولذلك جاءت دعوة وزير الخارجية السوري، وليد المعلم عبر قناة «روسيا اليوم» حين وجه الخطاب للأكراد قائلًا: «في الماضي كانت حليفة، وباستمرار الولايات المتحدة تتخلى عن حلفائها، وهذه دروس يجب فهمها».

مقاتل كردي في سوريا

وحاولت روسيا، التي تدرك أنه لم يعد لدمشق قوة لإملاء شروطها على «الإدارة الذاتية الكردية»، الضغط على النظام السوري للقبول بنوع ما من اللامركزية، ومنع الوحدات الكردية من الاستفراد بمناطق نفوذها في النواحي العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية.

هل يتحول الخلاف بين الأكراد والنظام السوري إلى صراع عسكري؟

تعامل النظام السوري بمرونة مؤقتة مع أحلام الأكراد الخاصة بالحصول على حكم ذاتي وفيدرالية لمناطقهم كما أسلفنا، وقد كانت المغازلة الأخيرة للنظام في سبتمبر (أيلول) الماضي، حيث قال وليد المعلم: »يريدون شكلًا من أشكال الإدارة الذاتية ضمن حدود الجمهورية العربية السورية. عندما ننتهي من القضاء على داعش يمكن أن نجلس مع أبنائنا الأكراد، ونتفاهم على صيغة للمستقبل».

 لكن طبيعة هذا النظام كانت تضع انطباعًا مسبقًا بأنه لن يقبل بأية حال في المستقبل بخروج الأكراد عن سيطرته، الأمر الذي ظهر بوضوح مع قرب الانتهاء من محاربة «تنظيم الدولة»، وهو ما يقابله رفض الأكراد للعودة لسوريا السابقة ذات الحكم المركزي المضطهد لحقوقهم، من وجهة نظرهم، وفي وقت تحاول «قسد» خلق وقائع سياسية على الأرض تشرعن وجودها العسكري، يتحرك النظام الآن لاختراق البنى الاجتماعية في مناطق الاكراد عبر التحالف مع العشائر العربية التي يشكل وجودها  70% من «الوحدات» الكردية، ولذلك قال أحد الشيوخ حسب صحيفة «الشرق الأوسط»: «إذا فرض على أبنائنا التجنيد، فسنرسلهم للخدمة في الجيش السوري الذي سيعود إلى المنطقة عاجلًا، وليس آجلًا، ولن نرسل أبناءنا للخدمة العسكرية وتقديم التحية لعبد الله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني».

فيما قال شيخ عشيرة طي في سوريا، محمد الفارس حسب الصحيفة أيضًا: «الوحدات تنظر إلى عناصرها العرب كمرتزقة، وهم وقود أية معركة يدخلها الأكراد». وتابع: «عندما يتعلق الأمر بالوطن، سيكون العرب، وكل شرفاء محافظة الحسكة، وكل سوريا، يدا واحدة ضد أي مشروع انفصالي أو غيره».

وقد اعتبر الأكراد تصريحات الأسد السابقة نذير تصعيد عسكري تجاهها، فالنظام السوري غير راض عن النتائج التي أفضى إليها الصراع العسكري في سوريا، والتي صبت في صالح حزب الاتحاد الديمقراطي، ومكنته من السيطرة على جزء كبير من الثروات الباطنية والمائية في شمال وشرق سوريا، إذ تسيطر قسد وفق آخر الدراسات على 42,053 كم2، أي ما يمثل 23% من مساحة سوريا.

العلم الكردستاني السوري

وتنقل «رويترز» عن قائد عسكري غير سوري، في التحالف الذي يحارب لصالح الأسد قوله: «الرسالة واضحة جدًا لمسلحي سوريا الديمقراطية ولداعميهم في التحالف وعلى رأسهم أمريكا أن كل الأراضي التي حرروها من داعش هي حق للدولة السورية ولا سلطة شرعية غير الشرعية السورية، ولهذا صدر كلام رسمي من الدولة السورية عدة مرات كان آخرها موضوع مدينة الرقة».

مضيفًا بدون ذكر اسمه: «وكذلك نقول هنا بخصوص ثروات الشعب السوري من آبار نفط وغير ذلك في المناطق الشرقية لن نسمح لأحد أن يستمر بالسيطرة على ثروات البلد وعمل كانتونات أو التفكير بالحكم الذاتي»، ويصر النظام على استعادة السيطرة على حقول النفط الشرقية التي سيطرت عليها قوات سوريا الديمقراطية في أكتوبر (تشرين الأول)، ومن بينها أكبر حقل في سوريا، خاصة أن سيطرة الجيش العراقي على نفط كركوك شجع النظام السوري على التقدم صوب بعض من هذه الآبار النفطية بنفس الطريقة.

ولذلك يرى بعض المراقبين أن مرحلة التحالف بين النظام والأكراد تشارف على نهايتها، وتتجه نحو مزيد من التعقيد، مع عدم اهتمام الولايات المتحدة برعاية مصالح حلفائها الأكراد بعد انتهاء دورهم في محاربة «تنظيم الدولة»، وذلك حرصًا على ردء الصراع مع تركيا وروسيا، وهو ما يعني أن الاكراد قد يجدون أنفسهم في مواجهة حقيقية مع النظام السوري الذي يريد استعادة المناطق التي تقع تحت سيطرتهم، أو على الأقل سيكونون مضطرين للدخول في مفاوضات مع النظام لتجنب الضغط التركي المتزايد.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد