تتلاحق التطورات على الساحة السورية، وخاصة في مدينتي الطبقة والرقة السوريتين، حيث تخوض أطرافٌ عدة نزاعًا تتشابك دوافعه وتختلف أيضًا.

أكراد سوريا أو الوحدات الكردية الذين لا يزالون تحت أثر صدمة الضربة التركية لهم، أخذوا يستعيدون طاقتهم بعد الموقف الأمريكي الداعم لهم بشكل غير مسبوق، والذي وصل لحد تواجد القوات الأمريكية في القامشلي، على الحدود السورية التركية، وبينما تعلن الآن وسائل الإعلام نزوحًا مدني الطبقة، تتواصل الخطوات الأمريكية والكردية والتركية لتشكل ما هو خطير في خارطة الصراع السوري.

الولايات المتحدة.. دعم رسمي للأكراد

في الساعات الأخيرة، كانت عربات «الهامفي» الأمريكية تجوب شوارع مدينة القامشلي، على الحدود السورية التركية في مناطق سيطرة الوحدات الكردية (المليشيات المسلحة الرئيسية للجنة الكردية العليا)، وعلى بعد أمتار قليلة من أفرع أمن النظام السوري حيث المدينة الواقعة تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية المتحالفة مع واشنطن.

لم يعد الأمر خفيًا، فقد قالها أمس بوضوح المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، «جيف ديفيس»: «لدينا شركاؤنا في قوات سوريا الديمقراطية يعملون هناك، ونحن نعمل معهم، على مقربة منهم»، وهو ما يعد إعلانًا رسميًّا عن وجود قوات أمريكية على الحدود التركية السورية، إذ تنتشر القوات الأمريكية في المنطقة الشمالية من سوريا، وقد وصلت مدينة القامشلي التابعة لمحافظة الحسكة، بعد يوم واحد فقط من القصف التركي الذي وقع في 25 أبريل (نيسان) الماضي، ضد مواقع الوحدات الكردية في «جبل كراتشوك» في بلدة رميلان التابعة لمحافظة الحسكة.

 يعني ذلك أن هذه القوات جاءت بغية الفصل بين القوات التركية من جهة وقوات سوريا الديمقراطية من جهة أخرى، وكذلك جاءت لتؤكد على التزام واشنطن بدعم الأكراد السوريين والتحالف معهم، ولتستجيب للوحدات الكردية في التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة التي طالبت بالتدخل لوقف ما أسمته بـ«التعديات التركية».

صورة للقوات الأمريكية في القرمشلي نشرها نشطاء سوريون.

فبالرغم من أن تركيا تصنف قوات سوريا الديمقراطية مع جناحها السياسي حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) كـ«جماعة إرهابية» على اعتبار أنها امتداد لحزب العمال الكردستاني، إلا أن الولايات المتحدة تدعم هذه القوات خاصة في حربها ضد «تنظيم الدولة»، تلك الحرب القائمة الآن في الرقة والطبقة السوريتين، ومع وصول إدارة ترامب إلى الحكم زاد الدعم الأمريكي للأكراد السوريين، فقد وصلت مركبات مدرعة لأول مرة لهذه القوات، وقد ضمت الشحنة ذاتها أيضًا ناقلات جند، وكما يقول المتحدث باسم التحالف «طلال سلو» ذلك «دليل على أن هناك بوادر دعم، سابقًا لم يكن يأتينا بهذا الشكل، كان يأتينا أسلحة خفيفة وذخائر، وهذه هي المرة الأولى التي يأتينا فيها هذا الدعم العسكري بهذا الشكل».

وفي مرور سريع على أسباب الدعم الأمريكي للأكراد، يمكننا القول إن الولايات تعتبر الأكراد حليفًا رخيص الثمن، وبينما هي تعلن أنها تهدف من التحالف معه إلى محاربة تنظيم الدولة، هناك دافع غير معلن يتمثل في ابتزاز تركيا، ومنعها من الاستفراد بالقواعد العسكرية، ناهيك عن أن الولايات المتحدة لا تثق في المعارضة السورية وتشعر بالقلق إزاء مرحلة ما بعد الأسد، خاصة من تنظيم فتح الشام (النصرة سابقًا)، ولا يخفى أنها معنية بتقليص مساعي روسيا بالتقارب مع حلفاء واشنطن داخل سوريا.

يقول المحلل السياسي «أحمد الهواس» إنه في إطار الرغبة الأمريكية بإنهاء التجربة التركية، ومنع القيادة التركية الحالية من البقاء حتى 2023، يظهر أن الولايات المتحدة لا تريد حربًا تقليدية، أي حرب جيوش، بل تريد عملية إنهاك من خلال وكلاء في المنطقة، ويوضح لـ«ساسة بوست»: «لهذا استغلت الحالة السورية في دعم الأكراد في سوريا، وهي تغريهم بصناعة كيان على الحدود التركية، وحتى لا تثير تركيا بأنها تدعم حزب العمال الكردستاني (PKK) الإرهابي فقد صنعت ما يسمى قوات سوريا الديمقراطية كتشكيل كردي عربي ضد تنظيم الدولة، بغية عزل الشمال السوري بحزام كردي».

ويوضح«الهواس» أن هذا يقوي الأكراد ويدفع فيما بعد للتورط بحرب مفتوحة مع تركيا، حرب تستنزفها اقتصاديًا، وقد تكون مدخلًا لاعتبار تركيا دولة غازية لدولة مستقلة، وهو ما يستلزم قرارًا من مجلس الأمن يضعها تحت البند السابع، حسب الهواس.

تركيا تتوعد الأكراد وتأمل في انحياز واشنطن لصالحها

«لم نكتفِ بمكافحة الإرهابيين داخليًا، بل طالتهم عملياتنا خارج الحدود من خلال قصف الاتحاد الديمقراطي الكردي ووحدات حماية الشعب.. أترون كيف يهاجموننا بقذائف الهاون من هناك – شمال سوريا – وتحت غطاء مَن؟ ولكننا نحول تلك المناطق إلى مقابر لهم، ولن نتوقف»، ذلك آخر ما صرح به الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان» حول الدور التركي في مواجهة الأكراد في سوريا.

آلة عسكرية على الحدود السورية التركية (المصدر: أ ف ب).

أردوغان الذي لا يكف عن تحذير واشنطن من إشراك مقاتلي وحدات «حماية الشعب الكردية» في معركة الرقة وغيرها، لم يتوانَ عن شن هذه الغارات بعد الاستفتاء التركي الأخير الذي منحه المزيد من الصلاحيات، وقد اعتبرت الضربة التركية الأخيرة ضد الأكراد «رسالة اختبار القوة» قبل لقاء أردوغان المرتقب منتصف مايو (أيار) القادم مع الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب»؛ رسالة تؤكد على استياء تركيا من دعم واشنطن لوحدات حماية الشعب الكردية.

إذًا، أردوغان لن يتنازل عن معركته مع الأكراد الذين يسيطرون على معظم طول الحدود السورية التركية البالغة 400 كم، وقد أعلنت تركيا أن مدينة منبج التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية منذ أغسطس (آب) 2016 هي هدفها بعد مدينة الباب، ومن أجل ذلك تقوم الآن بتدريب ما يقارب الـ20 ألف عنصر من فصائل المعارضة السورية بهدف المشاركة في معركة ضد الوحدات من مدينة تل الأبيض التي تنتمي إداريًا إلى مدينة الرقة في حال نفذت تدخلًا بريًا.

مسلح تابع لوحدات حماية الشعب الكردية في نقطة تفتيش عند مدخل مدينة عفرين (رويترز).

لكن ماذا عن الموقف الأمريكي؟ الملفت أن تحركات الدعم الأمريكي للقوات الكردية في سوريا تتزامن مع سير الولايات المتحدة نحو تعزيز التعاون العسكري مع أنقرة، لذلك يرى المستشار في جمعية مريديان الاستراتيجية للأبحاث في أمريكا «خالد صفوري» أن: «الولايات المتحدة ستتخلى عن الأكراد بعدما استخدمتهم في محاربة داعش في إطار محاولة استعادة العلاقات مع تركيا بعد تضررها في عهد باراك أوباما».

ويضيف صفوري لـ«سكاي نيوز عربية»: «على الرغم من إنفاق الولايات المتحدة 2.5 مليار دولار لدعم الأكراد عسكريًا في سوريا، إلا أن استعادة العلاقات مع تركيا الحليف الاستراتيجي ستكون أهم من دعم الأكراد».

أما المختص في الشأن الكردي «نواف الركاد» فيرى خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أن: «الإدارة الأمريكية الجديدة لم تحسم قرارها بعد لجهة التخلي عن خطط الإدارة الأمريكية السابقة التي كانت تهدف لتحقيق ضربة مزدوجة لتنظيم الدولة وللأمن القومي التركي عبر دعم تنظيم حزب العمال الكردستاني (PKK)، وفي الأيام القادمة ستتضح المعالم النهائية للاستراتيجية الأمريكية الجديدة».

روسيا تسحب الأكراد من واشنطن

على مبدأ «عدو عدوي هو صديقي» يظهر التنسيق بين قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من واشنطن مع موسكو، فقد دفعت التطورات الأخيرة نحو احتمال قيام تحالف روسي-كردي، وقد شرعت موسكو في إبداء تعاطفها مع قضية الأكراد في سوريا.

مقاتلون أكراد (رويترز).

ويؤرخ موقع «ديلي بيست» إلى حادثة إسقاط القاذفة الروسية من قبل سلاح الجو التركي في 24 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي كبداية للتقارب الروسي مع الأكراد، فقد بدأت في الشهر نفسه سلسلة لقاءات بين مسؤولين روس وأكراد بهدف ما قيل إنه بحث خططه للحكم الذاتي في المناطق الكردية بسوريا.

وفي خطواتها الأخيرة التي أحدثت ضجة سياسية، أقدمت روسيا في مارس (آذار) الماضي على إقامة قاعدة عسكرية بالاتفاق مع الأكراد في منطقة عفرين الواقعة شمال غرب سوريا، وهي خطوة ستحقق الكثير من المصالح الكبرى لروسيا، كما ستقدم روسيا على تدريب مقاتلي الوحدات في إطار مكافحة الإرهاب كما قال مسئولون أكراد.

سياسيًا، هناك توافق كردي روسي، فروسيا تؤكد أنه من الاستحالة تحقيق حل سوري من دون الأكراد، وقد توافقت مسودة مشروع دستور سوري أعدها حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، مع الدستور السوري الجديد الذي اقترحته روسيا، وهنا تظهر عدة نقاط مشتركة بين المسودتين، فبينما شملت المسودة الكردية كل ما يحقق الطموح الكردي من فيدرالية وغيرها، قدمت المسودة الروسية ما لم تقدم أي مقترحات سياسية سابقة، كإزالة كلمة العربية من اسم الجمهورية السورية والتخلي عن تحديد دين رئيس الدولة، وتشمل المسودة الروسية بندًا ينص على: «تستخدم أجهزة الحكم الذاتي الثقافي الكردي ومنظماته اللغتين العربية والكردية لغتين متساويتين».

أكراد سوريا (المصدر :أ ف ب).

ورغم أن الأكراد قد لا يعتبرون تعاونهم مع الروس خيانة لعلاقتهم مع الولايات المتحدة، إلا أن الأخيرة تظهر تخوفها من هذا التقارب، خاصة مع حاجتها للتوافق مع تركيا، مما سيخلق فجوات مع الأكراد قد تستغلها روسيا.

كما أن الأكراد لم ينسوا يوم قصفت تركيا مناطقهم في عملية «درع الفرات»، فطالبتهم الولايات المتحدة بالانسحاب إلى شرق نهر الفرات ودعمت العملية العسكرية التركية هناك، إضافة إلى ذلك تجربة واشنطن بالابتعاد عن المعارضة السورية التي تسميها بـ«المعتدلة»، والتي تجعل احتمال ابتعاد واشنطن التدريجي عن الأكراد واردًا في مخيلتهم، وذلك بحكم أن الولايات المتحدة في النهاية معنية بعدم الخروج عن الصف الدولي.

 هنا يقول الباحث في معهد «أمريكان إنتربرايز»، والمسؤول السابق في البنتاغون «مايكل روبين»: «أدى تخبط الدبلوماسية الأمريكية لدفع الأكراد للميل نحو روسيا، إذ يعمل الروس على تقريب حلفاء أمريكا منهم، ولكن العلاقات مع الروس لن تكون قوية ولا ثابتة كما هي مع أمريكا».

تحالف الأكراد مع النظام السوري

في بداية الثورة السورية عام 2011، وما أن خرج الأكراد الذين عانوا الأمرين من ديكتاتورية النظام السوري مطالبين بالحرية، حتى وعدهم الأسد بأنه سيعترف ببعض حقوقهم، كالسماح بتسجيلهم كمواطنين وحصولهم على بطاقات هوية، وهي الحقوق التي حُرموا منها منذ عام 1962.

تمثال حافظ الأسد في القرمشلي (المصدر : أورينت نت).

بالرغم من أن النظام السوري لا يزال لا يعترف بأي حقوق كُردية بشكل رسمي، حتى في دستوره الجديد الذي تم إقراره ، إلا أن الأكراد تربطهم مصالح مع النظام السوري في عموم المدن الكُردية السورية، ويستشهد على عمق العلاقات بين النظام والأكراد، بما هو كائن على أرض الواقع في مدينة القامشلي، كبرى مناطق محافظة الحسكة التي حررها الأكراد من النظام قبل نحو العامين، فهذه المدينة الخاضعة لسيطرة قوات الحماية الشعبية (YPG) ما زالت تحتفظ بتمثال حافظ الأسد في أبرز مناطقها.

ولا تزال أعلام النظام تُرفرف على المدارس ومؤسسات الدولة في القامشلي وعفرين، ولا ينسى هنا ذكر الوثائق العسكرية التي كشفت في مايو (أيار) عام 2015، والتي أظهرت قيام وزارة دفاع النظام السوري بتدريب وتسليح مقاتلين أكراد من قوات الحماية الشعبية (ميلشيا كردية سورية)، كما ظهر هذا التعاون العسكري مؤخرًا بهدف إعاقة تقدم تركيا وحلفائها من الجيش السوري الحر في شمال سوريا، إذ أقدمت هذه القوات على التحالف مع النظام السوري.

أما آخر التصريحات التي تظهر قبول الأكراد بـ«بشار الأسد»، فجاءت في يناير (كانون الثاني) الماضي على لسان ممثل حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) في روسيا «عبد السلام علي» الذي قال: «لفترة ما، قبل بدء المرحلة الانتقالية، يجب أن يبقى الأسد، في أي حال من الأحوال، لأنه في حال رحيله، ستوصل التنظيمات المتطرفة الوضع في سوريا إلى حالة ليبيا أو اليمن أو الصومال، وستجري (صوملة) سوريا».

من جانبه، يقول المتحدث باسم تيار المستقبل الكردي السوري «جيان عمر»: «في الحقيقة دعم نظام الأسد لحزب الاتحاد الديمقراطي لم يقتصر على الجانب العسكري واللوجستي والمادي بل تجاوزه إلى الدعم السياسي، بما في ذلك محاربة وإضعاف بقية أطراف الحركة السياسية الكُردية في سوريا لفسح المجال لتمدد (PYD) والهيمنة على القرار الكُردي».

هل تحقق واشنطن حلم الدولة الكردية؟

لا ينفك الأكراد عن السعي لتحقيق حلمهم الأكبر في إقامة دولة كردية في سوريا، وقد منحت التطورات المتلاحقة في سوريا دون غيرها من مناطق تواجدهم مجالًا للتحرك في هذا الإطار، فالاتفاقات الإقليمية والدولية التي عُقدت مع الأكراد بهدف محاربة «تنظيم الدولة» منحتهم قوة كبيرة، وشكل التقدم العسكري لهم على أرض الواقع، محطة هامة في تبني قضيتهم في الانفصال والاستقلال.

أكراد في فعاليات للمطالبة بالاستقلال (رويترز).

في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2013، أعلن حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) الحكم الذاتي في المنطقة الكردية بسوريا، أما إعلان بناء المناطق الآمنة، وكذلك إعلان إنشاء نظام فيدرالي تحت مسمى «المجلس الديمقراطي الفيدرالي في كردستان سوريا» فإنه يقربهم أكثر من هذا الحلم، وقد أعلنت قوات سوريا الديمقراطية الشهر الماضي عن تشكيل مجلس مدني لإدارة الرقة وريفها بمجرد الانتهاء من دحر تنظيم الدولة، ويأتي ذلك في إطار العمل على إقامة كيان كردي مستقل في الشمال الشرقي لسوريا.

ويشكل الدعم الأمريكي للأكراد محطة مهمة في قضية إقامة الدولة الكردية، إذ يعزز دعمهم بالسلاح عملية تقسيم الأراضي السورية، لكن هذا لا يعني أن أمريكا قد تترك الأكراد يقيمون دولة لهم، إذ إنها تستخدمهم لتحقيق مصالحها، وقد قال المتحدث باسم الخارجية الأمريكية «جون كيربي» في مارس (آذار) الماضي: «غير معنيين في تشكيل مناطق فيدرالية، ما نريده هو سوريا موحدة بكاملها، بها حكومة لا يقودها (الرئيس) بشار الأسد تستجيب (لتطلعات) الشعب السوري».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد