بات من المحتم على الأحزاب السياسية التي لا تولي للمشكلة الكردية أية أهمية أن تركز أكثر على هذه النقطة، وأن تعطيها الأولوية في جدول أعمالها؛ لأن حلها يتطلب تضافر كافة الجهات، وفي بيئة ديمقراطية.

جدير بالذكر أن الخلاف حول طبيعة القضية الكردية في تركيا، وسقف حلّها، وآلية تطبيقه، والضمانات المستقبلية بخصوصه، هو على أشدّه بين الجانبين المعنيين مباشرة بحل هذه المسألة: التركي والكردي من جهة، وكذلك القوى الفاعلة في كل جانب من جهة ثانية، وكل الأطراف تعتبرها أحد أهم القضايا التي يمكنها حسم الصراع المحتدم بين الأحزاب والقوى المتنافسة في الانتخابات القادمة.

من هم أكراد تركيا؟

 

يشكل كرد تركيا 56% من مجموع الكرد في العالم. عددهم 15,016,000 نسمة (20% من مجموع سكان تركيا). يعيش معظمهم في الجنوب الشرقي لتركيا.

بعد سقوط الخلافة العثمانية وإقامة الجمهورية التركية الحديثة تبنى مصطفى كمال أتاتورك نهجًا سياسيا يتمحور حول إلزام انتماء الأقليات العرقية المختلفة في تركيا باللغة والثقافة التركية وكانت من نتائج هذه السياسة منع الأقليات العرقية في تركيا ومنهم الأكراد من ممارسة لغاتهم في النواحي الأدبية والتعليمية والثقافية ومنع الأكراد من تشكيل أحزاب سياسية وكان مجرد التحدث باللغة الكردية عملا جنائيا حتى عام 1991.

قوبلت محاولات مصطفى كمال أتاتورك بمسح الانتماء القومي للأكراد بمواجهة عنيفة من قبل أكراد تركيا وقرر الأكراد والأقليات الأخرى بقيادة الزعيم الكردي سعيد بيران (1865 -1925) القيام بانتفاضة شاملة لنزع الحقوق القومية للأكراد والأقليات الأخرى، على أن تبدأ الانتفاضة في يوم العيد القومي الكردي عيد نوروز 21 مارس 1925. انتشرت الانتفاضة بسرعة كبيرة وبلغ عدد الأكراد المنتفضين حوالي 600،000 إلى جانب حوالي 100،000 من الشركس والعرب والأرمن والأثوريين وفرضوا حصارا على مدينة ديار بكر ولكنهم لم يتمكنوا من السيطرة على المدينة وفي منتصف أبريل 1925 تم اعتقال سعيد بيران مع عدد من قادة الانتفاضة ونفذ حكم الإعدام فيه في 30 مايو 1925.

أتاتورك

 

بعد انتكاسة ثورة سعيد بيران شنت الحكومة التركية حملة اعتقالات وتصفيات واسعة في المناطق الكردية في تركيا وحسب مذكرات جواهر لال نهرو عن اعترافات حكومة أنقرة، فقد بلغ عدد القتلى الأكراد في تلك الأحداث مليونًا ونصف مليون. [ادعاء غير موثق منذ 1122 يومًا] استمرت الحكومات التركية المتعاقبة على نفس النهج وكان مجرد تلفظ كلمة أكراد يعتبر عملا جنائيا إذ كان يطلق على الأكراد مصطلح “شعب شرق الأناضول” ولكن الاهتمام العالمي بأكراد تركيا ازداد بعد العمليات المسلحة التي شنها حزب العمال الكردستاني في الثمانينات مما حدا برئيس الوزراء التركي آنذاك توركت أوزال (1927 – 1993) ولأول مرة أن يستعمل رسميا كلمة الأكراد لوصف الشعب الكردي في تركيا وفي عام 1991 رفع أوزال الحظر الكلي باستعمال اللغة الكردية واستبدله بحظر جزئي.

المقاتلون الأكراد

 

أثناء صراع الحكومة التركية مع حزب العمال الكردستاني تم تدمير 3000 قرية كردية في تركيا مما تسبب في تشريد ما يقارب 378،335 كردي من ديارهم. في عام 1991 تم انتخاب ليلى زانا في البرلمان التركي وكانت أول سيدة كردية في كردستان تصل إلى هذا المنصب ولكنه وبعد 3 سنوات أي في عام 1994 حكم عليها بالسجن لمدة 15 عاما بتهمة “إلقاء خطابات انفصالية”.

مقاتلات كرديات في الجيش الكردي

 


القُوَى العظمى ولعبة الأكراد

تستَخدِم القُوَى الخارجية المتمرِّدين الأكراد في محاربة الأنظمة المحليَّة؛ فقد ساعَدتْ بريطانيا أكرادَ تركيا ضد حكومة تركيا في العشرينات، وقدَّمتْ أمريكا وإسرائيل الدَّعم للأكراد ضد نِظام البعث العراقي في السبعينات، كما ساعَد السوريون الأكراد ضد تركيا.


وساعَدت أمريكا الأكرادَ ضد إيران، وعلى النَّقِيض استخدم العراق الأكراد الإيرانيين ضدَّ دولتهم، وفي المقابل دعَّمت إيران أكرادَ العراق ضد صدام حسين، وفي الحرب الأنجلو أمريكيَّة على العراق استخدمت الولايات المتحدة الفصائل الكردية للسيطرة على شمال العراق، ودخلتْ قوات البشمرجة الكردية إلى الموصل وكركوك، إلى أنْ أمرَتْها القوات الأمريكية بالرحيل شمالاً مرَّة أخرى بعد تذمُّر تركيا من هذا التصرُّف، وقد ظلَّت مشكلة الأكراد مستعصيةً على الحل؛ حيث لم تنجح أيٌّ من الدول التي تنتَشِر القبائل الكردية على حُدودِها في عِلاجها والاستجابة لأمنيَّات الشعب الكردي، واستُغلَّت مشكلة الأكراد لإثارة القلاقل بين الدُّوَل أو بين الفصائل الكردية ذاتها، وزاد من المشكلة تغيُّر الولاء لزُعَماء العشائر والقبائل الكرديَّة.


النزاع بين الأكراد وتركيا

المشكلة الكردية كلفت تركيا خسائر بشرية ومادية فادحة منذ اندلاع الصراع الدموي بين حزب العمال الكردستاني وقوات الأمن التركية تقدَّر بحوالي خمسين ألف قتيل ونحو أربعمائة مليار دولار، ولا تزال تقف هذه المشكلة أمام تركيا كمعضلة مستعصية رغم المبادرات التي طرحت في السابق، إلا أن الحكومة التركية برئاسة رجب طيب أردوغان تبدو اليوم عازمة على حلها هذه المرة مهما كان الثمن، كما أن الطرفين أقرب للحل من أي وقت مضى.

عبد الله أوجلان

المفاوضات مع زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان المسجون في جزيرة “إيمرالي” ببحر مرمرة بدأت في نهاية العام الماضي التوصل إلى إنهاء النزاع المسلَّح، وذهب وفود من نواب حزب السلام والديمقراطية إلى أوجلان ليحملوا رسائله إلى قادة الحزب المقيمين في المعسكرات بجبال قنديل في شمال العراق، وصدرت تصريحات إيجابية سواء كانت من الحكومة التركية أو القادة الأكراد تبشر بأن الخطوات تسير باتجاه حل المشكلة.

 

في خطوة لبناء الثقة وإظهار حسن النية، أفرج حزب العمال الكردستاني في 13 مارس/ آذار الماضي عن ثمانية أتراك، ستة جنود وضابط شرطة بالإضافة إلى مسؤول محلي، كانوا محتجزين لديه منذ نحو عامين، وسلَّمهم إلى وفد من ممثلي منظمات المجتمع المدني التركية ونواب حزب السلام والديمقراطية.

 

ثم جاء خطاب أوجلان في عيد النيروز تتويجا لهذه الجهود، حيث دعا فيه الأتراك والأكراد إلى التعاون من أجل المستقبل، وطلب من عناصر حزبه إلقاء السلاح والانسحاب من الأراضي التركية، مؤكدا أن المرحلة الحالية هي مرحلة السياسة لا السلاح.


عوامل تدفع الطرفين لإنهاء النزاع

هناك عوامل عدة دفعت الطرفين باتجاه البحث عن الحل السلمي للمشكلة بدلا من الاستمرار في النزاع المسلَّح وإراقة الدماء لحسم المعركة عسكريا، ومهدت الطريق لهذه المبادرة الأخيرة، ومن أهم تلك العوامل:

 

1- الظروف الإقليمية:

فالتحولات التي تشهدها المنطقة في ظل ثورات الربيع العربي قلّصت المساحة التي كان حزب العمال الكردستاني يتحرك فيها على طول الشريط الحدودي الممتد من الأراضي الإيرانية إلى الشمال السوري مرورا بشمال العراق، ومع اندلاع الثورة في سوريا اختار حزب العمال الكردستاني الوقوف بجانب النظام السوري ظنا منه أن التحالف مع دمشق سوف يفتح أمامه فرصا جديدة ومساحة أكبر للتحرك، ولكن صمود الثوار بمشاركة كردية خيَّب آماله وأدرك حتمية سقوط النظام السوري عاجلا أو آجلا وأنه لا مكان له في سوريا الجديدة المتحالفة مع تركيا.

 

2- تحسن العلاقات مع كردستان العراق:

 

علاقات تركيا السياسية والاقتصادية والتجارية مع إقليم كردستان العراق تحسنت كثيرا في السنوات الأخيرة بعد أن قررت أنقرة تعزيز العلاقات مع أربيل وإنهاء سياسة التجاهل.

 

ووصل التبادل التجاري بين تركيا وكردستان العراق العام الماضي إلى 12 مليار دولار بعد أن كان أربعة مليارات قبل أربع سنوات. وتشكل الشركات التركية حاليا حوالي نصف الشركات المستثمرة في كردستان العراق. وهناك خطط مستقبلية للتعاون في مشاريع أخرى خاصة في مجال الطاقة ونقل النفط الكردي إلى أوروبا.

 

وكان مسعود البارزاني قد صرح في مقابلة تلفزيونية مع إحدى القنوات العربية بأن أكبر حلمه ربط أربيل إلى أوروبا بالسكك الحديدية. ولا يمكن أن يتحقق هذا الحلم إلا بالتعاون الوثيق مع تركيا.

 

وكان من نتائج هذه السياسة الجديدة تعزيز التعاون الأمني لمكافحة الإرهاب، بالإضافة إلى الشعور لدى الأكراد بأنهم ليسوا مستهدفين من قبل الحكومة التركية، بل المستهدف هو ما يمارسه حزب العمال الكردستاني من الأعمال الإرهابية. ودعمت هذا الشعورَ تصريحاتُ قادة الإقليم المؤيدة للخطوات التي تتخذها حكومة أردوغان في سبيل حل المشكلة مع حزب العمال الكردستاني بالطرق السلمية.

3- سياسة الانفتاح:

حزب العمال الكردستاني منذ تأسيسه يرفع راية الدفاع عن حقوق الشعب الكردي المهضومة، وسياسة الانفتاح التي تبنتها حكومة أردوغان تجاه الأكراد بالإضافة إلى الإصلاحات الديمقراطية وتعزيز الحريات العامة أثبتت أن الأبواب مفتوحة على مصراعيها للنضال الديمقراطي والحصول على الحقوق دون الحاجة للجوء إلى الأعمال المسلحة وسفك الدماء، وسحبت هذه السياسة البساط من تحت أقدام حزب العمال الكردستاني الذي دأب على استغلال عدم الاعتراف بحقوق الشعب الكردي تبريرا لهجماته الدموية.

4- الضغوط الشعبية:

الصراع الدموي بين حزب العمال الكردستاني وقوات الأمن التركية خلف حتى الآن عشرات الآلاف بين قتيل وجريح من كلا الطرفين بالإضافة إلى الخسائر المادية الكبيرة التي تكبدتها تركيا في حربها ضد الانفصاليين.

 

وبكت الأمهات التركيات والكرديات على رحيل فلذات أكبادهن في ريعان شبابهم. وبعد سنوات من القتل المتبادل، سئم الأتراك والأكراد من استمرار إراقة الدماء، في ظل تنامي القناعة لديهم بأن حزب العمال الكردستاني لا يمكن أن يصل إلى أهدافه بالهجمات التي تحصد أرواح المدنيين من الأتراك والأكراد، كما أن الحكومة التركية لن تستطيع أن تحل المشكلة الكردية بالتدابير الأمنية وحدها. وارتفعت الأصوات سواء في الأوساط التركية أو الكردية ترفض القتل وتدعو إلى الحل السلمي للمشكلة.

 

5- تأييد المجتمع المدني للحل السلمي:

كانت منظمات المجتمع المدني والجماعات الإسلامية من ضمن الأوساط الضاغطة على الطرفين لإنهاء النزاع المسلح والوصول إلى المصالحة لتنعم تركيا عموما ومحافظات جنوبي الشرق على وجه الخصوص بالأمن والاستقرار وتزدهر بالمشاريع الاقتصادية والتنموية التي حرمتها الأعمال الإرهابية منذ سنين. ومن أكبر الجماعات الإسلامية التي دعمت مبادرة الحل السلمي جماعة فتح الله كولن، ذات النفوذ الواسع داخل تركيا وخارجها، حيث أعرب زعيمها الأستاذ فتح الله كولن المقيم بالولايات المتحدة عن تأييده للمبادرة قائلا “الصلح خير”.

 

6- التنافس الإقليمي والربيع العربي:

في عهد حكومات حزب العدالة والتنمية تصاعد الدور التركي واشتد التنافس بين القوى الإقليمية، وكشفت الثورة السورية عن أن تركيا لا يمكن أن تصل إلى أهدافها دون أن تحل المشكلة الكردية التي تعطي القوى الإقليمية الأخرى فرصة استغلال هذه الورقة ضدها لاستنزاف قوتها وإشغالها بالمشاكل الداخلية.

 

كما أن موقف تركيا من الربيع العربي ورياح الثورات التي تهب في المنطقة يفرض على الحكومة التركية التعامل مع الملف الكردي بمرونة أكثر، بعيدا عن القمع والحلول الأمنية البحتة، إذ لا يمكن مبدئيا ولا أخلاقيا أن تؤيد مطالبة الشعوب الأخرى بالحرية والديمقراطية بينما تتجاهل مطالب الأكراد.

 

7- شعبية أردوغان:

الجلوس على طاولة التفاوض مع حزب العمال الكردستاني ليس بأمر هين يستطيع أي زعيم سياسي أن يتحمل عواقبه، بل يحتاج إلى زعيم ذي شخصية قوية وشعبية واسعة يثق به الشارع التركي. ووجود زعيم مثل أردوغان لقيادة مراحل عملية السلام فرصة ذهبية لإقناع الأغلبية التركية بأن الخطوات التي تقدمها حكومته ليست استسلاما للإرهاب، ولن تؤدي إلى تقسيم البلاد.


 

8- تفكيك الشبكات الإجرامية:

نجاح أي مبادرة للحل السلمي لم يكن ممكنا في ظل وجود شبكات إجرامية كشبكة “أرغينيكون” أو ما يعرف في تركيا بـ”الدولة العميقة” لأنها كانت قادرة على إفشالها وقتلها في مهدها، بهجمات مشبوهة تسفر عن مقتل عدد كبير من الجنود الأتراك، وتحريض المجتمع التركي ضد المبادرة عبر وسائل الإعلام الخاضعة لإملاءاتها، وغيرها من الأساليب التي من شأنها أن تدفع أصحاب المبادرة إلى التراجع تحت ضغوط الأحداث والرأي العام، لاستمرار نفوذ العسكر وتدخلاته في إدارة شؤون البلاد بحجة مكافحة الإرهاب.

ولكن الكشف عن محاولات الانقلاب العسكري على الحكومة وإلقاء القبض على قادة شبكة “أرغينيكون” في موجات اعتقالات طالت كبار الضباط في الجيش التركي وتفكيك “الدولة العميقة” وضعَ حدا لجرائم الشبكات الإجرامية وقلَّل من قدرة “الدولة العميقة” في التآمر على مبادرات الحل السلمي.

 

تأثير الوجود الكردي في العلاقات العربية

1- ضخامة الوجود الكردى فى تركيا بما يثير أزمة عدم تكامل حقيقية وبالذات مع الوعي الكردي المتنامي منذ أواسط القرن الماضي، ثم مع الانعطافة المسلحة التي بدأها الأكراد في عام 1984 بزعامة حزب العمال الكردستاني وقائده الهارب إلى دمشق كما يثار عبد الله أوجلان.

2- ضخامة نسبية للوجود الكردي في العراق أيضا وهو الأمر الذي أثار أزمات متتالية للحكومة العراقية وبالذات أعوام 58، 63،75، 1991م. وكان اتفاق الحكم الذاتي في سنة 1970م أحد إفرازاتها.

3- ضآلة نسبية للوجود الكردي في إيران حيث يعد الأكراد أقلية لا تتجاوز 2% من تعداد السكان ينتشرون على مساحة شاسعة بطريقة أقل كثافة من حالتي تركيا والعراق بما لا يثير أزمة حادة للتكامل القومي الإيراني ويجعل من إيران دولة متعادلة التأثير وليست شديدة التأثر بالمشكلة الكردية كما في حالة تركيا على وجه الخصوص أو العراق.

4- هامشية الوجود الكردي في سوريا لضآلة العدد، والانتشار غير الكثيف لهم مما يجعل منها دولة مؤثرة في المشكلة أكثر منها متأثرة.

5- أن أكراد تركيا لضخامة عددهم يطالبون بالانفصال، بينما تصر الحكومة التركية على عدم الاعتراف بالاستقلال أو حتى بالحكم الذاتي ولا تسمح سوى بحقوق ثقافية منقوصة، بينما أكراد العراق وهم أقل عددا تعترف بهم الحكومة العراقية وسبق أن أبرمت معهم اتفاقية سنة 1970 م رغم أنهم لا يطالبون بالانفصال، بل فقط الحكم الذاتي وهذه مفارقة.

6- أن المطالب الكردية في إيران غير واضحة أو مبلورة تماما رغم ما تثيره الأقلية الكردية من حالات القلق أحيانا، بينما نجد هذه المطالب منتفية تماما في سوريا.

 

جهود الحكومة التركية مع الأكراد

 

بدأت تركيا في اتخاذ خطوات تحفيزية متعددة لإقناع الحزب بجديتها في السعي للوصول إلى اتفاق، حيث أقر البرلمان التركي – في 24 يناير/ كانون الثاني الفائت – قانونًا يسمح للمتهمين الأكراد باستخدام لغتهم في المحاكم، وهو مطلب أصر عليه عدد كبير من السجناء الأكراد (680 سجينًا) الذين قاموا بتنظيم إضراب عن الطعام في نوفمبر/ تشرين الثاني 2012، ولم ينته إلا بعد تدخل أوجلان شخصيًا من خلال رسالة وجهها عبر شقيقه.

 


كما أوصى تقرير قدم للبرلمان التركي – حسب تقارير إعلامية – بأن أنسب الطرق للتعامل مع المسألة الكردية يتمثل في نزع صفة العدو عن الحزب، واعتباره تنظيمًا إجراميًا يتم التعامل معه من خلال القانون، وإعادة تعريف مفهوم الإرهابي وجريمة الانضمام إلى حزب إرهابي. فضلاً عن ذلك، تعهد أردوغان بعدم تعقب عناصر الحزب التي سوف تسلم أسلحتها وتخرج من تركيا، مؤكداً أن هذه السياسة كانت خاطئة ولن تتكرر، في إشارة إلى قيام القوات التركية بتعقب المنسحبين من تركيا إلى شمال العراق في الفترة الماضية.


 

قبيل الانتخابات

أعلن حزب الشعوب الديمقراطية عن بيانه الانتخابي عبر الرئيس المشارك “صلاح الدين داميرتاش” و”فيغان يوكساك داغ” والذي كان ينتظره الكثيرون في مدينة إسطنبول.

وقد أدرك تنظيم حزب العمال الكردستاني أن حلّ القضية الكردية بصورة عادلة أمر لا غنى عنه في أي سعي إستراتيجي طموح على المستويين الإقليمي والدولي. لكن، في المقابل، لم يعد سرًا عدم ارتياح العديد من القوى الإقليمية لأخبار وتطورات المباحثات بين الجانبين التركي والكردي لحل القضية الكردية، وعمل تلك القوى بكل السبل على عرقلة هذه المباحثات، بل المصادرة على نتائجها المرجوة بأساليب عدة، بينها الضغط على المفاصل المتناغمة معها ضمن العمال الكردستاني نفسه، واستخدام ورقة كرد سوريا، ومحاولة توسيع دائرة التغلغل الإيراني في العراق، ليشمل إقليم كردستان العراق أيضًا بهذه الصورة أو تلك.

وحزب الشعوب الديمقراطية نجح، طوال الشهور التي خلت، في تصدير صورة ذهنية إيجابية للحزب ولعدالة القضية الكردية، وبدا ذلك في جذبه أصواتًا يسارية وليبرالية غير كردية، فضلاً عن أنه بات الخيار الأفضل للأقليات التركية؛ العلويين والأرمن، وهو ما يرشحه لتجاوز العتبة الانتخابية ودخوله البرلمان للمرة الأولى بحصوله على أكثر من 10 % من الأصوات، ناهيك عن عرقلته للحزب الحاكم في الحصول على الغالبية، بعدما اعتاد أن يظفر بنحو 40 مقعدًا من أصوات الأكراد لفشل حزبهم في تخطي الحاجز الانتخابي.

ومن جهة أخرى، فإن عملية التسوية التي تهدف إلى الوصول إلى السلام الداخلي تبقى على المحك في ظل إعادة الإجراءات الاستثنائية والقمعية، مثل فرض حظر التجوال ونزول الجيش للمرة الأولى منذ سنوات إلى ديار بكر، حيث الغالبية الكردية، وتجاهل المتظاهرين الأكراد والجناح العسكري لتنظيم حزب العمال الكردستاني دعوات “أوجلان” إلى التهدئة وإلقاء السلاح وإفساح المجال للحوار بين قياداتهم السياسية والحكومة.

تجدد المواجهات بين الأكراد والحكومة صياغة خريطة التوازنات السياسية من جهة، وتزيد من سخونة المشهد التشريعي الذي يستعد له الشعب التركي في السابع من حزيران/ يونيو المقبل.

المشكلة الكردية باتت تستخدم كورقة رابحة من قبل الأحزاب السياسية قبيل الانتخابات؛ بهدف كسب أصوات الناخبين الأكراد، غير أن هذا لا يمنع من حيث المبدأ تخصيص هذه القضية وسبل حلها في البيانات الانتخابية للأحزاب السياسية وتبنيها والعمل عليها بعد فوزها بالانتخابات.

الغريب أن حزب الشعب الجمهوري لم يُعطِ لهذه المشكلة الحيز الذي تستحقه في برنامجه الانتخابي، وهو كان أفضل حالاً من حزب العدالة والتنمية الذي أطلق برنامجه الانتخابي الذي لم يتضمن ذكر عملية السلام مع الأكراد في أي بند من بنوده، حيث أن رئيس الوزراء “داوود أوغلو” أرجع ذلك إلى أن بعض الصفحات سقطت وهي في طريقها إلى المطبعة، وهو ما أثار سخرية وسائل الإعلام على هذه الحجة.

تبقى القضية الكردية من بين المحاور والمحركات الأساسية للانتخابات المقبلة، وورقة رابحة من يُجِدْ استخدامها يمكنْه أن يضمن عددًا كبيرًا من الأصوات قد يحسم معركة الانتخابات التركية القادمة.

عرض التعليقات
تحميل المزيد