تعتبر المسألة الكردية في تركيا من أخطر وأكثر المشكلات المعقدة التي ورثتها الجمهورية التركية منذ فترة سقوط الحكم العثماني وبداية الدولة التركية الحديثة، وقد شهدت العلاقات التركية الكردية تاريخًا أسود من الصراعات الدامية والسياسات القمعية.

مؤخرًا، دعا عبد الله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني المعتقل في السجون التركية أنصاره إلى عقد مؤتمر مع الحكومة في أنقرة، واتخاذ قرار تاريخي بإلقاء السلاح مؤكدًا على أن السلام قد صار أقرب من أي وقت مضي

وتوصف الأزمة الكردية بأنها “كعب أخيل السياسة في تركيا” ففي الوقت الذي تطرح الدولة التركية ذاتها باعتبارها نموذجًا في التعايش السلمي وتحقيق الديمقراطية، تقوم بإنكار بعض الحقوق الكردية، واللجوء إلى العنف أحيانًا، وهو ما يُرى تناقضًا مع الصورة التي تحاول تركيا تصديرها دوليًا، فما حقيقة المسألة الكردية في تركيا؟ وهل تقوم الحكومة التركية الحالية يقمع الأكراد ومنعهم من حقوقهم أم ماذا؟ وكيف ومتى بدأت أزمة الأكراد في تركيا؟

1- من هم الأكراد؟

هم شعوب تتواجد في المنطقة الجبلية في جنوب غرب آسيا، والمعروفة بجبال كردستان، والتي يُطلق عليها الأكراد “كردستان الكبرى” ويعتبرونها وطنهم التاريخي، وهي أجزاء من العراق، وسوريا، وتركيا وإيران، بالإضافة إلى هذه المناطق يتواجد الأكراد في لبنان وأرمينيا وآسيا الوسطى، ولغتهم الرسمية هي اللغة الكردية.


اختلفت النظريات حول أصل الأكراد فجاء في بعض المؤلفات أن الأكراد هم “بدو الفُرس” وجاء في مؤلفات أخرى أن أصلهم من العرب، ثم ذهبوا إلى أرض العجم وانتشروا فيها.

من أشهر الشخصيات التاريخية ذات الأصل الكردي: صلاح الدين الأيوبي، وبديع الزمان سعيد النورسي.

في تركيا، تقدّر نسبة الأكراد بحوالي 20% من عدد السكان، 70% سنّة ويتبعون المذهب الشافعي، و30% علويون، مع وجود أقليات من اليزيديين.

يعتبر الجدل حول الأكراد وأصلهم وحقهم في وطنهم “كردستان الكبرى” من أكبر الجدالات التي استمرّت على مر التاريخ، وزادت حدّتها في الآونة الأخيرة نظرًا للأحداث والتغيرات في المنطقة، وقد استطاع الأكراد الوصول للاستقلال والحكم الذاتي في العراق بعد الغزو الأمريكي وتشكيل الولايات المتحدّة لمنطقة حظر الطيران، كما تعترف إيران بالمنطقة الكردية على أرضها من خلال محافظة “كردستان” ، إلا أن المسألة الكردية حتى في الدول التي استطاع الأكراد الحصول على اعتراف بأراضيهم فيها، تُعَد من أعقد المسائل وأكثرها اضطرابًا، ففي العراق قام الأكراد بمعارك ضد الجيش العراقي لسنوات طويلة، وقاموا بحركات تمرد في إيران، وقد شهدت تركيا توترًا تاريخيًا مع الأكراد من بداية الدولة الحديثة وحتى يومنا هذا.

 

2- الأكراد والدولة العثمانية تحالف أم تقسيم لدولة كردستان التاريخية؟

تعتبر معركة جالديران عام 1513م بين الدولة العثمانية والدولة الصفوية من المعارك الفاصلة في التاريخ الكردي- التركي، فالأكراد يرون أن هذه المعركة كانت السبب في تقسيم كردستان الكبرى بين الدولتين الصفوية والعثمانية وهو ما يجعلهم يطالبون بحقهم التاريخي في دولة كردستان الكبرى، إلا أنه في رأي بعض المؤرخين لم يكن هناك أي وجود تاريخي لدولة كردستان بين الدولتين، وبالرغم من ذلك فإن المعركة كانت مرحلة فاصلة في العلاقات الكردية – التركية، حيث انحاز الأكراد إلى جانب العثمانيين ضد الصفويين الفرس مرجحين الانتماء المذهبي “السنّي” برغم من انتماءهم العرقي “للفرس”.

مخطوطة فارسية تصور الشاه إسماعيل في مواجهة مع القائد العثماني في أرض المعركة


استطاع الأكراد من خلال هذا التحالف التوسع في شمال العراق وشرق تركيا، وأصبحوا شركاء للجيش التركي في مغانم الحروب والفتوحات والحكم.

ويمكن القول أن إبان حكم الدولة العثمانية استطاع الأكراد أن يتمتعوا بدرجة معينة من الحكم الذاتي، حيث كان لكل مجموعة مذهبية أو عقائدية مجموعة من القوانين الخاصة بالمناطق التي تسكنها المجموعات، إلا أنه في الوقت نفسه كانت الدولة العثمانية تحاول أن تحكم سيطرتها وتعزز سلطتها المركزية، وهو ما أدى لوجود بعض التوترات بين الأكراد والدولة.

 

3- الأكراد إبان الحرب العالمية الأولى وحتى سقوط الخلافة العثمانية


هزمت الدولة العثمانية من دول الحلفاء في الحرب العالمية الأولى، وتم التوقيع على اتفاقية “سيفر” عام 1920 والتي كانت تنص على حصول منطقة الحجاز على الاستقلال، وكذلك أرمينيا، وحصول اليونان على تراسيا الغربية، وفرنسا على كيليكيا “كردستان الجنوبية”، ومنح الأكراد الحكم الذاتي، إلا أن الأتراك رفضوا هذه الاتفاقية، وظهرت مقاومة شديدة تطورت إلى حركة تحرر وطني بقيادة مصطفى كمال أتاتورك، الذي وصف المعاهدة بأنها حكم بالإعدام على تركيا.

يذكر ها هُنا أن الاكراد قد قاموا بالتحالف مع أتاتورك في مقاومته ضد قوات الحلفاء، وشاركوا في عمليات عسكرية مع الحركة الكمالية، ويرجع البعض سبب ذلك أن أتاتورك قد استطاع استثمار الفروق والتمايزات القبلية والسياسية والاجتماعية بين الأكراد من أجل إخضاعهم.

خريطة من عام 1813 تظهر كردستان باللون الزهري، وتشمل مناطق من جنوب شرق تركيا وشمال غرب إيران وشمال شرق العراق، والحد الغربي لها هو الخط الواصل بين شرق جزيرة ابن عمر وشرق الموصل وشرق تكريت التي يتجه عندها شرقا ثم شمالا شرقا إلى داخل إيران


ثم كانت اتفاقية لوزان في يوليو عام 1923، والتي بموجبها تم استعادة جزء كبير من الأراضي التي خرجت من تحت نفوذ الدولة العثمانية بموجب اتفاقية سيفر، ولم يعد مطروحًا حصول أرمينيا أو كردستان على الاستقلال، وبذلك صارت الهوية الكردية جزءًا من الهوية التركية.

في أكتوبر عام 1923 أٌعلنت الجمهورية التركية بسقوط الخلافة العثمانية، وإعلان مصطى كمال أتاتورك أول رئيس لجمهورية تركيا الحديثة، وبالرغم من تعاون الأكراد السابق معه إبان حرب الاستقلال ضد قوات التحالف، إلا أنه أنكر الهوية الكردية بما تعنيه من ثقافة ولغة وحقوق، بل أن الأيديولوجية العلمانية رفضت تسميتهم بالأكراد وأطلقت عليهم “أتراك الجبل”، واعتبرتهم أتراكًا يجب “تمدينهم”.

ينبغي الذكر ها هُنا أن لحظة سقوط الخلافة العثمانية وتأسيس الجمهورية التركية في رأي بعض المحللين هي لحظة ملتبسة إلى حد كبير، وبها جوانب من الغموض خاصةً في الشأن الكردي، فيما يرى محللون أن المشكلة الكردية قد كانت صنيعة الاستعمار من الأساس، والتحوّلات من تأييد حصول كردستان على الاستقلال في اتفاقية سيفر، إلى إنكار دولة كردستان والحكم الذاتي للأكراد في اتفاقية لوزان، لم يكن إلا نتيجة تغيّر في رؤية الاستعمار للمصالح من الأكراد واستقلالهم.

4- الأكراد في تركيا الحديثة والنضال ضد سياسات أتاتورك

مصطفى كمال أتاتورك

جاء الدستور التركي عام 1923 ليقر اللغة التركية لغة رسمية واحدة، ولا يقر التعدد القومي والعرقي، ولا التعدد اللغوي، وعلى إثر ذلك قد تعرّض الأكراد لما وُصِف بسياسات “تتريك” قسرية، كان يتم تطبيقها أحيانًا باستخدام الأسلوب الأمني.

لم يذعن الأكراد لهذه السياسات، فكانت الثورات والانتفاضات ضد سياسات الدولة خلال حكم أتاتورك وحده 18 مرة، كان من أهمها انتفاضة عام 1925م والتي عُرِفت بانتفاضة الشيخ سعيد النورسي، وانتفاضة آغري 1928 – 1930، وثورة ديرسيم 1938، وكانت هذه الانتفاضات مما بين الانتفاضات الإسلامية ضد علمانية الدولة التركية الحديثة، أو انتفاضات قومية ضد سياسات الدولة التركية.
استطاع الأكراد بهذه الانتفاضات أن يشكلوا أكبر مصدر تهديد للأمن القومي لدولة تركيا، فكانت العمليات القمعية لانتفاضات الأكراد، والتي توُصف أحيانًا بـ “حرب الاستقلال الداخلية”.

بعد وفاة أتاتورك في عام 1938م لم تتغير الأحوال كثيًرا في سياسات تركيا مع الأكراد، واقتصرت سياسات الحزب الديمقراطي بعد وصوله إلى الحكم في دمج الأعيان المحليين من زعماء العائلات الكردية والجماعات الدينية في المجموعات البرلمانية الخاصة بهم، فضلًا عما شهدته تركيا من انقلابات عسكرية متتالية لمواجهة كل ما يمثل تهديدًا على الهوية العلمانية لتركيا، كانت هذه الانقلابات هي الأخرى سببًا في التضييق على الهوية الكردية.

إلى أن نشطت الحركات اليسارية في أوساط الشباب الأكراد وظهر البعد القومي بشكل واضح في المقاومة الكردية، حتى ظهر حزب العمال الكردستاني (PKK) وتزعم الانتفاضات والمقاومة ضد السلطة في تركيا منذ عام 1978.

 

1 2

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد