كجيرانها الخليجيين تسعى الكويت لتحقيق التنوع الاقتصادي والاستعداد لما بعد عصر النفط، إذ تأمل البلد الذي تعتمد في ميزانيتها العامة على النفط بأكثر من 90%، أن تصبح مركزًا رائدًا إقليميًا وماليًا وتجاريًا بحلول عام 2035، كما تسعى لتحويل البلاد إلى مركز جاذب للاستثمار يقوم فيه القطاع الخاص بقيادة النشاط الاقتصادي وتشجيع روح المنافسة ورفع كفاءة الإنتاج، وذلك بحسب ما ذكر موقع الرؤية، لكن خطط الكويت لا تختلف كثيرًا عن السعودية، إذ تتضمن رؤيتها عشرات المشاريع التنموية والاستراتيجية لتطوير السياحة والبنية التحتية والطاقة والنقل وصناعة البتروكيماويات والتجارة، وهي نفس أهداف السعودية.

هذه الأهداف والكلمات الرنانة تصطدم بواقع مختلف تمامًا عن هذه الآمال، ورغم مرور ما يقرب من ثلاث سنوات على إعلان هذه الرؤية لا يزال كثير من المتخصصين يشككون في إمكانية نجاحها، وبالنظر إلى الموازنة الحالية وأرقامها لن نجد تغيرًا يذكر من الممكن أن يعزز فكرة نجاح البلاد في رؤية 2035، فلا زالت الفجوة بين الإيرادات النفطية وغير النفطية كبيرة جدًا، إذ تصل قيمة الإيرادات النفطية إلى 14.516 مليار دينار، مقارنة بـ1.867 مليار دينار، بزيادة 5.4% فقط عن تقديرات الموازنة السابقة، وهو ما يشير إلى نمو ضعيف للإيرادات غير النفطية التي تقوم خطط الكويت على زيادتها.

موازنة دولة الكويت للسنة المالية 2019/2020

على الجانب الآخر تشمل هذه الإيرادات الضرائب على الدخل والأرباح والمكاسب الرأسمالية والضرائب على الملكية والرسوم الجمركية والضرائب على الصادرات والضرائب الأخرى على المعاملات الدولية، فيما توضح الموازنة أن معظم مصروفات البلاد تذهب إلى الرواتب فـ 71% من المصروفات مخصصة للمرتبات والدعم، بينما لا تشكل المصروفات الرأسمالية سوى 17% فقط، وهو ما يشير إلى خلل هيكلي في اقتصاد البلاد ولا يعكس هذا الوضع وجود تنوع حقيقي سيحدث في المستقبل القريب.

مدينة الحرير.. أمل المستقبل للكويتيين

تعتبر مدينة الحرير هي محور الكويت الجديدة أو كويت 2035، فبحسب نائب رئيس الوزراء وزير الدفاع الكويتي الشيخ ناصر صباح الأحمد الصباح، تعتزم البلاد تنفيذ مشروع منطقة الشمال على أن يستوعب استثمارات تتراوح بين 450 و600 مليار دولار، وذلك لضمان تحول الكويت إلى مركز مالي وتجاري عالمي جاذب للاستثمارات المحلية والأجنبية.

موازنة دولة الكويت للسنة المالية 2019/2020

وتتمثل فكرة مشروع مدينة الحرير في إنشاء منطقة تجارية حرة مستقلة وتكون خاضعة للسيادة الكويتية كليًا مع تمتعها بالاستقلال إداريًا وماليًا وتشريعيًا، ومن المخطط أن تكون المنطقة ذات كثافة سكانية عالية من مختلف الجنسيات، وتعتمد المدينة على استغلال الجزر الكويتية من خلال تمويل احتياجاته من أسواق المال ورؤوس الأموال الخاصة إضافة إلى مساهمة الدولة في تمويل هذا المشروع.

تتوقع الحكومة أن يستغرق إنشاء مدينة الحرير نحو 25 سنة تقريبًا بكلفة تقدر بنحو 86 مليار دولار، وذلك في منطقة الصبية بشمال شرق الكويت على مساحة تقدر بواقع 250 كيلومترًا مربعًا، وستتسع المدينة لنحو 700 ألف نسمة، يتضمن إنشاء برج بطول 1001 متر (250 طابقًا) وسيكون أحد أطول الأبراج بالعالم، ويضم المشروع أحد أطول الجسور لربط العاصمة بمدينة الحرير وهو (جسر جابر) البحري، بالإضافة إلى إنشاء مشروع (ميناء مبارك الكبير) الذي سيساهم في انفتاح البلاد على العالم تجاريًا واقتصاديًا.

يبدو الحديث عن المدينة مبالغة في التفاؤل، بل ربما تكون التوقعات خالية من الواقعية، فنفس الأهداف وجدناها عند السعودية في روية 2030، وكذلك في مصر بالحديث عن العاصمة الجديدة، لكن لا شيء يضمن أن يستجيب المستثمرون الذين هم في الأساس رأس مال مثل هذه المشاريع.

الفساد والواسطة أهم العراقيل

وفق نتائج استطلاع حديث نشر في يناير (كانون الثاني) الماضي، أجرته وزارة الإعلام الكویتیة، فإن أهم العوائق أو الأسباب التي يراها الكويتيين مهددة لرؤیة «كویت 2035»، هي الفساد والواسطة والمحسوبیة، إذ أن 58% من المواطنين الكويتيين الذي شملهم الاستطلاع، يرون أن الفساد أحد أھم معوقات تحقیق رؤیة «كویت 2035»، فيما قال 45% منهم إن الواسطة والمحسوبیة أهم المعوقات.

الوزارة ذكرت أن الاستطلاع تم إجراؤه من خلال عینة تمثل المجتمع الكویتي طبقًا للقواعد الإحصائیة المعتمدة، وشملت العینة محافظات البلاد الست، وروعي فیھا تمثیل الفئات العمریة المختلفة من الجنسین والتوزیع الجغرافي للسكان، وهو ما يوضح أن هاجس الفساد يطارد معظم الكويتيين تقريبًا، وخلال السنوات القليلة الماضية زاد انتشار الفساد في الكويت بشكل ملحوظ، فوفق «منظمة الشفافية الدولية»، فإن الكويت تحتل المرتبة 78 دوليًّا مؤشر مدركات الفساد للعام 2018، بينما كانت تحتل المرتبة 75 دوليًّا في 2016.

ويعتبر هذا الترتيب أقل كثيرًا من ترتيب الجيران الخليجيين وخاصة الإمارات وقطر، وهو مستوى لا يساعد الكويت على جذب المستثمرين لتحقيق آمال 2035، وهو بالطبع ما يقوض من نجاح هذه الخطط، الأهم في كل هذا هو أن الحكومة لا تمتلك خطة لمكافحة الفساد، وهو ما اعترف به بعض المسؤولين في عدة مناسبات.

«التكويت».. نموذج مصغر من فشل خطط الحكومة

يمكن اعتبار عدم نجاح الكويت في التخلص من سيطرة الوافدين على الوظائف في البلاد، دليل واضح على أن خطط التنوع الطموحة ستنال نفس المصير، فمنذ هبوط أسعار النفط منتصف 2014، وتراجع إيرادات البلاد بنسب قياسية، وكل فترة تعلن الكويت عن خطط للتكويت -إحلال الكويتيين محل الوافدين-.

وجاءت آخر الخطط عندما أصدرت دولة الكويت، قرارًا يقضي بالتزام الجهات الحكومية بتخفيض عدد الموظفين غير الكويتيين (الأجانب) العاملين لديها، خلال خمس سنوات، حيث يهدف القرار الصادر عن ديوان الخدمة المدنية الكويتي، إلى زيادة نسب الموظفين الكويتيين بين 70 – 100% من إجمالي قوة العمل في المجموعات الوظيفية المصنفة.

وتبدو الأرقام طموحة جدًا مقارنة بالعمالة الأجنبية الموجودة في البلاد، حيث تمثل نحو 81.6% من إجمالي قوة العمل بالكويت (البالغة 1.96 مليون عامل) بنهاية مارس (آذار) 2017، وتصل إلى 1.6 مليون عامل والباقي للمواطنين الكويتيين، وفق بيانات رسمية، لكن بالرغم من طموح الخطة، إلا أنه كان لوزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل وزيرة الدولة للشؤون الاقتصادية، هند الصبيح، رأي آخر، إذ أكدت أن «تعديل التركيبة السكانية يحتاج 15 عامًا لتخفيض 10% من العمالة الوافدة ليصبح المجتمع الكويتي 40% مقابل 60%»، وهو ما يوضح التناقض بين الخطط والواقع.

«حصار الوافدين».. لماذا ستفشل خطط «التكويت» في الكويت؟

التعليم.. فرصة الكويت الضائعة

يتفق الاقتصاديون على أن التعليم هو قاطرة النمو الاقتصادي والتنمية، لذلك من المفترض أن تبدأ أي خطط للإصلاح من التعليم لرفع مخزون الرأسمال التعليمي في المجتمع أولاً، وبالتالي تحقيق قاعدة تعليمية قوية تستند إليها في حركتها التنموية، لكن على مستوى الكويت يبقى التعليم هو من أكبر العوائق تنفيذ رؤية 2035، فوفق «تقرير التنافسية العالمية» 2017-2018 فإن جودة التعليم العالي والتدريب في الكويت قد تم تخفيضها إلى المرتبة 95، من بين 137 دولة بعد احتلالها المركز 94 في عام 2016-2017.

وبقيت الكويت في المركز الأخير في الخليج، وفي الوقت الذي تعتمد فيه البلاد على كليات إدارة الأعمال لتحقيق رؤية الكويت 2035، واصلت جودة تلك الكليات تراجعها، إذ وصلت إلى المركز 111 على مستوى العالم، وفي نفس الاتجاه انخفضت جودة التعليم الابتدائي والرياضيات وتعليم العلوم بمقدار نقطة مئوية واحدة مقارنة بـ 2017، إذ احتلت الكويت المرتبة 104 و 106 من بين 137 دولة. وهكذا توضح الأرقام أن هناك خللًا كبيرًا في التعليم في الكويت، وهو تحدّ رئيسي يهدد بقوة فرص نحاج خطط الكويت 2035.

القوانين الكويتية لا تطمئن المستثمرين

تعتبر القوانين والتشريعات هي أهم محركات الاستثمارات في دول العالم، فاتجاه المستثمر يتناسب دائمًا مع المناخ التشريعي في الدولة، وعلى مستوى الكويت يعتبر هذا الأمر مأزقًا كبيرًا، إذ أن نائب رئيس الوزراء وزير الدفاع الكويتي الشيخ ناصر صباح الأحمد الصباح، يشترط أن تكون القوانين المنظمة لمدينة الحرير مثلا جذابة لكي تحقق ما تخطط له الحكومة، لكن في المقابل رفض النواب الكويتيون السماح بالخمور والكازينوهات في مدينة الحرير، ما قد يقلل من جائبيتها للمستثمرين أو السياح الأجانب.Embed from Getty Images

 

على الجانب الآخر ووفقًا لتقرير صادر عن وزارة المالية الكويتية عن شهر فبراير (شباط) الماضي، تمت التوصية بأهمية استعجال إصدار عدد من القوانين المتأخرة، ومعالجة تعثر الإنفاق على عدد من المشروعات، وتعزيز دور القطاع الخاص في تنفيذ المشروعات ومعالجة أسباب تواضع هذا الاتصال بين جهات متابعة التنفيذ.

بينما يطالب التقرير، الصادر في الأساس عن إحدى وزارات الحكومة بإيجاد آلية مناسبة لمعالجة تحديات عدم تنفيذ بعض المشروعات التي لم تشر إلى أي نوع من أنواع التحديات التي يتضمنها تقرير المتابعة، هذا المشاكل تواجه الموازنة السنوية فكيف هو حال الرؤية بعيدة المدى؟، هذا الأمر دليل آخر على أن القوانين في الكويت ستكون سبب رئيسيًا في فشل خطط البلاد، ما لم يجد جديد.

الخليج أنفق أكثر من ميزانيّة موريتانيا على جامعات الغرب! 3 مشاكل عربية كانت لتُحل بهذه الأموال

 

المصادر

تحميل المزيد