إقالة وزيري الدفاع والداخلية بسبب الفساد.. ما الذي يحدث في الكويت الآن؟

قبل عام واحد بالتحديد عاش الكويتيون أزمة كبيرة لم تكف عقولهم حتى الآن عن استحضارها: فمشهد السيارات نصف المغمورة في مياه الأمطار، ومشهد الزوارق المطاطية تصطف على جانبي الطرق لا يبرح مخيلتهم.

تلك الأزمة التي نجمت عن الأمطار التي ضربت بلادهم في نوفمبر (تشرين الثاني) 2018، وأدت إلى شلل تمام بجميع المؤسسات الحكومية في بلد تشكل أصولها رابع أكبر صندوق ثروة سيادية في العالم، وتبلغ 592 مليار دولار.

اليوم وبعد عام من أزمة أمطار التي تسببت في خسائر مادية فادحة وحالة وفاة، لم يزل الكويتيون مقتنعين أن تلك الأزمة كشفت «عورة» الفاسدين لديهم. وكما يذكر تقرير وكالة «بلومبرج» الأمريكية: «على الرغم من الغضب الشعبي، فلم يزل حتى الآن يتعين إصلاح العديد من الشوارع. ولكن بدلًا عن ذلك، أمضت الحكومة معظم العام في التفكير في خطط لإقامة مدن جديدة، تعتبر محورًا لخطة مدتها 15 عامًا وتهدف إلى تنويع الإيرادات بعيدًا عن النفط».

الوضع السابق، أخرج مواطنو تلك الدولة الخليجية الوحيدة التي تشهد تظاهرات مندّدة بالحكومة في السابع من نوفمبر الحالي؛ إذ ندد الكويتيون أمام مجلس الأمة بالفساد داخل المؤسسات، وبعدم امتلاك أغنى دولة شوارع معبّدة بشكل صحيح.

ما الذي يحدث في الكويت الآن؟

تهيأ نواب مجلس الأمة الكويتي (البرلمان) لأن تكون جلستهم يوم 12 نوفمبر الجاري، جلسة استجواب عاصفة في إطار الصدامات المتكررة لهم مع الحكومة الكويتية. فقد أعلن رئيس مجلس الأمة الكويتي مرزوق علي الغانم عن تقدم 10 نواب بطلب لطرح الثقة عن وزيرة الأشغال العامة ووزيرة الدولة لشؤون الإسكان جنان بوشهري، على خلفية تهم تدور في فلك تقاعس الوزيرة عن الاضطلاع بمسؤولياتها للحفاظ على المال العام. والتي من أبرزها سوء الإدارة في أزمة الطرق، تلك الأزمة التي أطاحت قبل عام بوزير الأشغال العامة في حينها حسام الرومي، بعد تعرض طرق الكويت لأضرار فادحة بسبب الأمطار.

لم تتردد جنان بوشهري بالإعلان عن استقالتها من منصبها عبر منصة مجلس الأمة تحت «ضربات طرح الثقة الكثيفة» التي نالت منها، بعدها تواصلت في الجلسة ذاتها المفاجآت الثقيلة. فقد طُلب أيضًا طرح ثقة عن نائب رئيس مجلس الوزراء، ووزير الداخلية الشيخ خالد الجراح، ووجهت له اتهامات عديدة تتعلق بملفات «المصروفات الخاصة» و«غسل أموال بالمجلس الأولمبي»، و«الحسابات الوهمية»، وإلغاء الترقيات والتعيينات في الوزارة، وعدد آخر من الملفات.

وبعد يومين من استجواب كلا من جنان بوشهري وخالد الجراح، دفعت تلك الأحداث رئيس الحكومة الكويتية الشيخ جابر المبارك الصباح إلى تقديم استقالة حكومته التي ولدت في ديسمبر (كانون الأول) 2017، بحجة تسني إعادة ترتیب العمل الوزاري. وبالفعل قبل أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح هذه الاستقالة.

لكن المفاجأة الأكبر وقعت في اليوم الثامن عشر من الشهر الحالي، حين أصدر أمير الكويت أمرًا أميريًا بإعفاء النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع، نجله الشيخ ناصر صباح الأحمد الصباح، وكذلك وزير الداخلية الفريق خالد الجراح الصباح، من منصبيهما بحكومة تصريف الأعمال، ثم قام بتكليف الشيخ جابر المبارك بتشكيل حكومة جديدة.

بيد أنه بعد دقائق من نشر مرسوم تكليف المبارك بتشكيل الحكومة الجديدة، اعتذر المبارك عن تعيينه رئيسًا للوزراء وعن تكليفه تشكيل الحكومة الجديدة، التي كانت ستكون المرة السابعة على التوالي له.

رحلة بدأت من قاعدة عسكرية أمريكية.. كيف أصبحت الكويت أكسل دولة في العالم؟

صراع وزيرا الدفاع والداخلية.. نقطة سوداء في جبين العمل السياسي الكويتي

لم يمر قرار إقالة كل من وزير الدفاع ووزير الداخلية الكويتيان مرور الكرام، ففي سابقة نوعية تبادل الاثنان الاتهامات بينهما في صراع علني، فأدخلا البلاد في أزمة كبيرة غير مسبوقة.

إذ سرعان ما قدم وزير الدفاع بلاغًا ضد وزير الداخلية المقال يتهمه بتجاوزات مالية كبيرة في الجيش منذ عدة أعوام، وبناء على هذا البلاغ أحال النائب العام الكويتي الجراح إلى التحقيق بمحكمة الوزراء. وأصر وزير الدفاع الكويتي على أن المخالفات في التعاملات التي تتضمنها حسابات صندوق الجيش والحسابات ذات صلة بوزير الداخلية، وأكد أن الشبهات حصلت عندما كان وزير الداخلية الحالي وزيرًا للدفاع.

كما أكد بيان الجيش الكويتي أن «ما تم اكتشافه من تجاوزات مالية قد وقعت في صندوق الجيش خلال الفترة التي سبقت تولينا لحقيبة وزارة الدفاع، والتي تشير إلى مخالفات وشبهة جرائم متعلقة بالمال العام، والتي تجاوزت مبالغها 240 مليون دينار كويتي (ما يقدر بـ789 مليون دولار) حتى وقتنا الحالي».
لم يصمت وزير الداخلية كثيرًا على اتهامات وزير الدفاع ضده، فاتهمه بتعمد إخفاء الحقيقة الكاملة عن الشعب،

وقال الجراح، في بيان له نشرته صحيفة «القبس» الكويتية: إن «صندوق الجيش وحسابات الجيش قد تم إنشاؤها منذ تأسيس الجيش الكويتي، ولها أغراض تختص بالأمن الوطني للبلاد، وقد أشرف عليها وزراء الدفاع المتوالون منذ تأسيسها»، مضيفًا أنه حينما كان يتولى حقيبة وزارة الدفاع لم يغير الأهداف والأغراض التي أنشئ لها الصندوق والحسابات، ولم يخرجها عن النشاط المنشأ من أجله، بحسب تأكيده.

يقول المحلل السياسي الكويتي قيس الشطي، أنه وفقًا للمعلومات التي خرجت من وزارة الدفاع فمن الواضح أن هناك خلافات وأزمة سياسية حدثت لا يُمكن لأي عاقل أن يُنكرها، ولكن البلد تنتظر الآن القرار الرسمي العاقل الذي سبق وأن تعامل مع قضايا أكثر حساسية وأكثر تعقيدًا من هذا الملف.

ويقول الشطي لـ«ساسة بوست»: «نعم ما جرى حدث سياسي ضخم، ولكن الكويت اجتازت مشاكل أكبر من هذا الموضوع، فبالعودة إلى عام 2006 كان هناك انقسام في الأسرة الحاكمة بين الأمير الشيخ زايد والأمير الحالي الشيخ صباح الأحمد، ومع هذا احتكم الجميع إلى دستور 1962 وعبرت الكويت الأزمة، لذا أعتقد أن هذه الأزمة أصغر بكثير من أزمة 2006»، بحسب الشطي.

ويرى الشطي «في إقالة وزير الدفاع ووزير الداخلية ظاهرة جديدة في الحياة السياسية الكويتية، ودليل على أن البلد أكبر من الأشخاص، وأن القضاء هو الفيصل لأخذ الحقوق لأي من كان،  وقد أكد سمو الأمير في كلمة له أنه لا يوجد حماية لأي شخص يتجاوز القانون أو يستولي على المال العام، وقد أتى قرار الإقالة المذكور تنفيذًا للقانون الكويتي».

كيف ستخرج الكويت من أزمتها؟

يرى الكاتب الكويتي خالد النايل أن الكويت تعودت على المشاحنات والخلافات منذ أن أصبح لدى البلاد برلمان، ديمقراطيًا وحكومة تُشكل عبر رئيسها بعيدًا عن خيار الشعب المتمثل بمجلس الأمة المنتخب، وفي هذا الإطار جاءت إقالة وزير الدفاع و وزير الداخلية – حسب النائل – متوقعة وعادلة بعد أن أصبح الصراع علنيًا دون إعطاء أي حساب لأمن واستقرار البلد.

جنان بوشهري وزير الأشغال العامة ووزير الدولة لشؤون الإسكان

ويعقب بالقول: «مثل هذا التضاد لا يمكن أن يتجانس ويعمل معًا، والتفاهم سيصبح شبه معدوم إلا في حال كان هناك وزراء تكنوقراط يتم اختيارهم بناء على اختصاصهم وخبراتهم بعيدًا عن المحاصصة». ويشدد النايل على أن الإخفاقات المستمرة هي من دفعت رئيس الوزراء الكويتي للاستقالة، فقد وقف عاجزًا أمام إصلاح البيت الحكومي، ولم يستطع أن يقنع المواطن الساخط والمتذمر من تردي الخدمات الحكومية وتفشي ظاهرة الفساد والواسطة والمحسوبية.

فيما يشدد المحلل السياسي الكويتي مساعد العنزي على أن ما يحدث في الكويت هو نتيجة حتمية لتصادم المؤسسة التشريعية (مجلس الأمة الكويتي) مع المؤسسة التنفيذية (مجلس الوزراء الكويتي)، وقد تجسد ذلك من خلال الاستجوابات المقدمة التي ساهمت بتفاقم الفجوة بين السلطتين.

ويضيف العنزي – الذي يعتبر إقالة وزير الدفاع وهو ابن حاكم الكويت وأحد أبناء الأسرة الحاكمة دليل على أن الكويت دولة مؤسسات وقانون – أن «اعتذار جابر المبارك هو إجراء رجل مسؤول لا يود الصدام مع البرلمان الذي لوح بالاستجواب من بعض النواب، وهو  ما ينصب في مصلحة الوطن، ومن جهة أخرى جاء اعتذاره وأدًا للفتن وإجهاضًا لأي محاولة للعبث، فنحن الآن في انتظار نتائج ما يسفر عن ملف قضية صندوق الجيش، حيث إن الموضوع الآن بيد القضاء».

ويتوقع العنزي أن الخلاص من الأزمة السياسية في الحكومة الكويتية يتم بتحقيق التجانس من خلال حكومة تكنوقراط وكفاءات، وأن يكون هذا الفريق من الوزراء يستطيع مواجهة البرلمان في حال الاستجوابات، كما يجب أن لا تكون إستراتيجية الاستقالة هي الحل للخروج من شبح الاستجواب.

أما المحلل السياسي الكويتي قيس الشطي فيتوقع أن تشهد الكويت عقب اعتذار الأمير جابر عن تشكيل الحكومة بدء حلقة استشارات سياسية لاستقبال رؤساء الوزراء ورؤساء النواب السابقين، وبعد الاستشارات الجديدة سيقوم سمو الأمير بتسمية بعض الأشخاص لإصدار قرار أميري بتعيين رئيس وزراء جديد، وهذا متروك لتقديره، وقال معقبًا: «الكويت بلد مؤسسات وبلد دستور، سبق وأن عالج عدة أزمات، والآن لدينا أزمة سياسية لا يُمكن إنكارها، ولكن واضح أن لدينا دستور، ولدينا قانون، ومؤسسات تستطيع أن تتعامل مع هذه الأزمة».

«رؤية 2035».. طريق الكويت إلى العالمية أم «فقاعة وطنية» أخرى؟

الفسادالكويتجنان بوشهريمجلس الأمة

المصادر