تواجه الكويت أحد أسوأ الأزمات الاقتصادية في منطقة الخليج العربي؛ ويتوقع «دويتشه بنك» أن ينكمش الاقتصاد الكويتي بنسبة 7.8% هذا العام، ليسجل أكبر تراجع بين دول الخليج، فيما عدَّلت وكالة «ستاندرد أند بورز» النظرة المستقبلية للكويت من «مستقرة» إلى «سلبية».

يبلغ العجز المحتمل لموازنة الكويت العامة خلال السنة المالية 2020 /2021 19.3 مليار دينار، بحسب تقرير صادر عن مركز «الشال» للاستشارات الاقتصادية. وبوصوله إلى نحو 40% من الناتج المحلي الإجمالي في العام الحالي – كما توقعت «ستاندرد آند بورز» – تجد الكويت نفسها أمام وضع لم تشهده منذ عام 1991.

هذه الأرقام المخيفة تُخَيِّب توقعات صندوق النقد الدولي التي استبعدت أن تشهد أي دولة عجزًا يربو على 30% خلال العام الحالي، وتطيش معها أحلام ارتفاع معدل النمو الاقتصادي التي تحدث عنها «البيت الخليجي للدراسات والنشر» في عام 2017، ويخفت في ظلها التفاؤل الذي خيم على الأوساط الاقتصادية قبل عام، حتى لو أكد وزير المالية الكويتي براك الشيتان أن مركز بلاده المالي «متين».

وبينما يقول صندوق النقد الدولي إن الكويت لديها صندوق ثروة سيادية ضخم قادر على حمايتها من استنزاف ثروتها الإجمالية حتى عام 2052، فإن رصيد السيولة النقدية في صندوق الاحتياطي العام «نفد بالفعل» لسد العجز المتضخم الذي قد يصل إلى 11% من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام، مقارنة مع فائض 4.8% العام الماضي.

فيروس كورونا وأزمة النفط.. ضربة مزدوجة تفقد الاقتصاد الكويتي توازنه

تلقى الاقتصاد الكويتي خلال الفترة الأخيرة ضربة قوية نتيجة جائحة فيروس كورونا المستجد، التي تسببت في انهيار الاقتصاد العالمي، وجعلت الكويت في مواجهة توقعات قاتمة لما تبقى من عام 2020.

سياسة

منذ شهر
مترجم: هل حققت الصين أفضلية اقتصادية على أمريكا في الخليج؟

وسجل الكويت قرابة 61 ألف حالة إصابة مؤكدة بمرض كوفيد-19 الذي يسببه فيروس كورونا المستجد، من بينهم 9248 حالة تتلقى العلاج و127 حالة حرجة، بالإضافة إلى 417 حالة وفاة، بحسب الإحصائيات الرسمية لوزارة الصحة.

لكن الاقتصاد الكويتي كان يتباطأ بالفعل قبل تفشي الجائحة، في ظل ضعف قطاع النفط العالمي؛ نظرًا لاعتماد الكويت الكبير على قطاع النفط والالتزامات التي ترتبت عليها بموجب اتفاق بين أوبك وحلفائها لتخفيض مستويات الإنتاج.

تؤكد هذا التباطؤ البيانات الرسمية التي تشير إلى أن نمو الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة بلغ نسبة 0.4% في عام 2019 (130 مليار دولار)، بانخفاض عن 1.2% في عام 2018.

سلاح ذو حدين.. الثروة النفطية ليست ضمانًا أبديًا للرفاه الاقتصادي

تحتل الكويت المرتبة السادسة في قائمة أكبر مصدري النفط في العالم، وتملك احتياطيات نفطية تبلغ 104 مليار برميل وتمثل 8% من إجمالي نفط العالم. لذلك، تحصل الدولة على معظم ناتجها المحلي الإجمالي من إنتاج النفط.

ورغم أن دول الخليج تنتج النفط بتكلفة أقل، تقدر بين دولارين و6 دولارات للبرميل، إلا أن الاقتصاد الكويتي، مثل أغلب اقتصادات دول الخليج، كان من بين الأكثر تضررًا بعدما انخفضت الأسعار إلى ما دون العتبة اللازمة لمعادلة ميزانياتها.

ويشكل انخفاض أسعار النفط وتراجُع إنتاجه «عبئًا على آفاق النمو في المدى القريب، وعلى الرصيد الخارجي ورصيد المالية العامة»، بحسب بيان صادر عن صندوق النقد الدولي في فبراير 2020، وهو ما يستنزف سريعًا صندوق الاحتياطي العام الذي تعتمد عليه الكويت في تمويل ميزانيتها.

وبمراجعة ميزانية الكويت 2020/2021، نجد أن التقديرات المنشورة على الموقع الرسمي لوزارة المالية تعتمد على سعر برميل النفط عند مستوى 55 مليون دولار، وبرغم ذلك كان العجز في ميزانية 2021 يبلغ نحو 30 مليار دولار، بزيادة 19% عن ميزانية 2020.

لكن سعر برميل النفط حاليًا لم يتجاوز حاجز الأربعين دولارًا إلا بقليل، وهذا المستوى وإن كان يمثل تحسنًا ملحوظًا مقارنة بالانهيار الذي حدث مؤخرًا، لكن شركات النفط الكبرى تخشى ألا يعود الطلب على النفط إلى مستويات ما قبل الجائحة في أي وقت قريب.

وقدرت وكالة «موديز» أن يتراجع مدخول الكويت من النفط بنسبة 10% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما سيكون الانخفاض في الدول الخليجية الأخرى متراوحًا بين 4% و8% من الناتج المحلي الإجمالي.

ومع انخفاض أسعار النفط، وتراجع مؤشر سوق الكويت الرئيسي بقيمة 24.1%، قدّرت مؤسسة «كابيتال إيكونوميكس» الاستشارية أن ينكمش اقتصاد المنطقة بنسبة 1.7% هذا العام، وسيكون أسوأ انكماش منذ نحو أربعة عقود.

الإنفاق الحكومي الكويتي.. الأعلى عالميًا والأقل كفاءة خليجيًا

يلعب الإنفاق الحكومي المتضخم دورًا كبيرًا في أزمة الاقتصاد الكويتي، ويثقل كاهل الميزانية العامة، إذ يلتهم 56.4% من الناتج المحلي الإجمالي، ما يضع الكويت في صدارة دول مجلس التعاون الخليجي، بحسب إحصائية أعدها بنك الكويت المركزي؛ إذ تنفق عمان 51.5%، وقطر 42.7%، والسعودية 36.2%، والإمارات 30%.

وتظهر أرقام مكتب الإحصاء الأوروبي (يوروستات) أن نسبة الإنفاق إلى الناتج في الكويت أعلى من المتوسط الأوروبي البالغ 47%، بل ومن الولايات المتحدة التي تنفق 35.2%، واليابان 36.8%، وكندا 40.8%، وبريطانيا 39.4%.

الإنفاق الحكومي في الكويت. المصدر: تريدينج إيكونوميكس/ بنك الكويت المركزي.

لم يكن الإنفاق الضخم هو الأزمة في حد ذاته، بل التبذير الحكومي في غير موضعه، وعدم توجيه الإيرادات بكفاءة إلى المشروعات والمبادرات والخدمات والسلع بما يضمن مصلحة مواطنيها.

يتضح ذلك بالنظر إلى مؤشر المنتدى الاقتصادي العالمي الذي يضع الكويت في المرتبة الأخيرة خليجيًا والتاسعة عربيًا والـ59 عالميًا في كفاءة الإنفاق الحكومي، وهو ما ينعكس على آراء الكويتيين أنفسهم الذين يرى 25.3% منهم أن الفساد الإداري والمالي هو التحدي الأكبر الذي يواجه بلادهم، فيما يضع 56.3% منهم الفقر والبطالة وارتفاع الأسعار على قائمة التحديات.

تغيُّرات عالمية جامحة تضع الثروة النفطية في مهب الريح

إلى جانب فيروس كورونا المستجد، وأزمة النفط العالمية، والإنفاق الحكومي الضخم، تمثل الحملة العالمية للتخفيف من أثر تغير المناخ وتعزيز الطاقة المتجددة تهديدًا للثروة الهائلة التي تراكمت لدى منتجي النفط في الخليج العربي على مدى العقود الماضية، كما حذر صندوق النقد الدولي في فبراير الماضي.

وفي أقل من عقد ونصف (بحلول عام 2034)، يمكن للدول الستة الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي (البحرين والكويت وعمان وقطر والسعودية والإمارات) أن يشاهدوا ثرواتهم التي تبلغ 2 تريليون دولار أمريكي مجتمعة تتبدد إذا لم يسارعوا لتنفيذ إصلاحات مالية جادة، ويزيدوا عائداتهم غير النفطية، استعدادًا لوصول العالم إلى ذروة الطلب على النفط.

صحيح أن معظم التكهنات التي أثيرت في هذا الصدد منذ خمسينيات القرن العشرين أثبتت الأيام أنها مبالغ فيها، لكن الجائحة الحالية تسرّع الاتجاهات التي كانت حتى شهر فبراير (شباط) تبدو على بُعد عقد من الزمان على الأقل، وتحديدًا التحوُّل نحو اقتصادات أكثر اخضرارًا (تحافظ أكثر على البيئة) وتتسم بانخفاض حركة التنقل.

هل تنقذ الديون الاقتصاد الكويتي؟

الخطوة العاجلة التي تسعى الكويت لاتخاذها هي إصدار من  4 إلى 5 مليارات دينار (13 – 16 مليار دولار) من الدين العام خلال السنة المالية الحالية التي تنتهي في 31 مارس آذار 2021، إذا وافق البرلمان.

لكن قانون الدين العام الذي قدمته الحكومة أثار جدلًا واسعًا، وإذا لم يقرّه البرلمان؛ ستواجه الحكومة «أزمة حقيقية في كل شيء»، كما أكد مسؤول حكومي لرويترز طالبًا عدم الكشف عن اسمه.

وفي حال إقرار القانون، سيكون بإمكان الحكومة اقتراض 20 مليار دينار (65 مليار دولار) على مدى 30 عامًا، منها 8 مليارات لتمويل عجز الميزانية الحالية، لكن إجراءات الإعداد لإصدار ديون جديدة في الأسواق العالمية ستستغرق بين 3 إلى 4 أشهر بعد نيل موافقة البرلمان.

وحتى لو افترضنا عدم وجود قيود قانونية أو حتى سخط شعبي على الاقتراض، نجد أن سد فجوة التمويل الحالية يتطلب زيادة الدين الحكومي من 15% من إجمالي الناتج المحلي في 2019 إلى أكثر من 70% من إجمالي الناتج المحلي في 2025.

وفي حين يمكن أن تعتمد الكويت في اقتراضها الخارجي على تصنيفها الائتماني القوي للغاية، مع إمكانية استفادتها من فائض السيولة المصرفية عن طريق إصدار السندات المحلية، حذر صندوق النقد الدولي في فبراير الماضي من أن حجم الاقتراض على المدى المتوسط سيصل إلى مستوى غير مسبوق.

ولتجاوز بعض هذه التعقيدات، اقترحت وزارة المالية بيع 2.2 مليار دينار من أصول صندوق الاحتياطي العام إلى صندوق سيادي كويتي آخر أكبر بكثير، هو صندوق الأجيال القادمة، أو الاقتراض من البنك المركزي لتعزيز الوضع المالي للدولة.

Embed from Getty Images

رغم «التكويت» وترحيل «العمالة الهامشية».. شبح البطالة يهدد الكويت

في سياق المحاولات الحثيثة للخروج من أزمة الاقتصاد الكويتي، تتطلع الدولة إلى ما يُسمى «التكويت»، لإحلال العمالة الكويتية مكان العمالة الوافدة في القطاع الحكومي بالبلاد.

وتطمح الدولة لإسناد 100% من الوظائف التنفيذية والتقنية والإشرافية في قطاع النفط لمواطنين كويتيين بحلول عام 2021، إلى جانب زيادة عدد الشركات المحلية المتعاقدة مع شركة البترول الكويتية المملوكة للدولة بنسبة تتراوح بين 35% إلى 40%.

برغم ذلك، يرجح الخبير الاقتصادي مروان سلامة أن تضرب البطالة الكويت، مثلما سيحدث في جميع دول العالم، في ظل توقعات باختفاء نحو 650 مهنة متنوعة في عدة مجالات، بحسب تقرير المركز الدولي للاستشارات الاقتصادية (معتمد حكوميًا)، بعدما سرَّحت عشرات الشركات والمؤسسات آلاف من موظفيها مع بداية أزمة تفشي فيروس كورونا.

وخطة الدولة لترحيل «العمالة الهامشية»، حتى لو كانت لها آثار إيجابية على قطاعات الدولة، فإن عددًا من الاقتصاديين يحذرون من أنها «سلاح ذو حدين»؛ نظرا لتأثيرها المباشر – الذي قد يصل في السنوات القادمة الى 10% – على مقاولي العقارات الاستثمارية وموردي مواد البناء والكهرباء والأدوات الصحية، بالإضافة إلى قطاع الصيانة.

الكويت تطرق أبواب التقشف

لطالما لجأت دول الخليج إلى الحوافز الاقتصادية لترسيخ العقد الاجتماعي القائم – في جانبه المادي – على قاعدة «المال مقابل الولاء». لكن في ظل الأزمات الاقتصادية المتلاحقة بدأت دول الخليج تعكس هذا الاتجاه بفرض ضريبة القيمة المضافة، في سياق خطط التحول الاقتصادي بعيدًا عن النفط.

والكويت ليس بدعًا من جيرانها الذين سبقوها على هذا الطريق، فهي الآن تدرس مقترحات للإصلاح الاقتصادي تتضمن زيادة أسعار الكهرباء والماء والوقود بنسبة تراوح بين 25% و30%، وزيادة رسوم الخدمات المقدمة للمواطنين بنسبة 50% والوافدين بنسبة 150%.

ولن تتوقف إصلاحات الاقتصاد الكويتي عند حد خفض الدعم، الذي سيشمل تقليص أعداد المواطنين المستفيدين من العلاج في الخارج بنسبة 50%، بل ستفرض ضرائب تصاعدية على أرباح الشركات، وتطبق ضريبة السلع الانتقائية، وضريبة القيمة المضافة.

اقتصاد الناس

منذ شهر
«بلومبرج»: الوافدون يغادرون دبي.. كيف سيتأثر اقتصادها؟

وفرض ضريبة القيمة المضافة بمعدل 5% هو أحد التوصيات التي رفعها خبراء صندوق النقد الدولي قبل أشهر قليلة، بهدف «توسيع القاعدة الضريبية، وتحقيق إيرادات مستقرة، وتحقيق الاتساق بين الكويت من ناحية والبحرين والسعودية والإمارات من ناحية أخرى»، وهي الدول الثلاث التي تطبق هذه الضريبة مؤخرًا في إطار اتفاقية على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي.

وبعدما تجنبت الكويت تقليص الإنفاق الحكومي سابقًا، وافقت مؤخرًا تحت وطأة الضغوط الاقتصادية على خفض ميزانيات الجهات الرسمية بنسبة 20% على الأقل، وتسعى حاليا لجعل تحويل 10% من إيرادات الدولة إلى صندوق الأجيال القادمة مشروطًا بتحقيق فوائض في الميزانية، وهي خطوة يمكن أن توفر لها حوالي 3 مليارات دولار في السنة المالية الحالية.

وبينما تتجه الأنظار إلى قصقصة دخول الموظفين، تحت عنوان «إصلاح هيكل الأجور وخفض بعض المزايا والحوافز الوظيفية»، يبرز تساؤل عن الوضع في المستقبل حين تضطر دول الخليج إلى إعادة صياغة العقد الاجتماعي، الذي ظل لأجيال متجذرًا في مفاهيم دولة الرفاه من مهد المواطنين إلى لحودهم.

المصادر

تحميل المزيد