أحمد طلب

21

أحمد طلب

21

2,619

ربما يمتلك الكويت خطة مثالية لحصار الوافدين للاستغناء عنهم، لكن هل تمتلك بدائل هذه العمالة؟، أو لديها الإمكانيات لتغطية النفقات الباهظة التي ستدفعها مقابل هذا الاستغناء؟

تستحق هذه الأسئلة المناقشة أكثر من الأسئلة التي تدور حول طريقة الاستغناء وخلافه من النقاشات الساخنة التي تسيطر على الساحة في الكويت، إذ إن ملف الوافدين في الكويت ملف شائك مقارنة بباقي دول مجلس التعاون، رغم أن نسبة وجود العمالة الأجنبية على أرضها، أقل من قطر التي سجلت العمالة الأجنبية فيها 91%، من إجمالي السكان (الأكبر في العالم)، وأقل كذلك من الإمارات، التي سجل الأجانب بها 89% من إجمالي سكانها، بينما تصل النسبة في الكويت إلى 72.1%، لكنها تشكل فيها أزمة أكثر في الحقيقة من الدولتين.

وتبرز الأزمة هنا بسبب تدهور الوضع الاقتصادي، أو عدم وجود حلول حقيقية للأزمة الاقتصادية، إذ لا تزال البلاد بعيدة جدًا عن فكرة التنوع الاقتصادي والاستغناء عن النفط باعتباره مصدرًا أساسيًّا وربما وحيدًا للدخل، وذلك بخلاف قطر والإمارات، لذا نجد أن الحاجة للاستغناء عن العمالة الأجنبية في الكويت ملحة أكثر، لكن يتفق الجميع أن الأمر صعب، بينما لا يغيب عن طاولة الحوار مع استمرار زيادة نسب البطالة بين الكويتيين، فلماذا إذًا يبدو الأمر صعبًا؟

لماذا تفشل خطط «التكويت»؟

دائمًا ما تعلن الكويت كل فترة عن خطط للتكويت -إحلال الكويتيين محل الوافدين- وذلك منذ هبوط أسعار النفط منتصف 2014، وتراجع إيرادات البلاد بنسب قياسية، وجاءت آخر الخطط عندما أصدرت دولة الكويت، مؤخرًا، قرارًا يقضي بالتزام الجهات الحكومية بتخفيض عدد الموظفين غير الكويتيين (الأجانب) العاملين لديها، خلال خمس سنوات، إذ يهدف القرار الصادر عن ديوان الخدمة المدنية الكويتي، إلى زيادة نسب الموظفين الكويتيين بين 70 و100% من إجمالي قوة العمل في المجموعات الوظيفية المصنفة.

القرار، أوضح أنه سيتم تحديد عدد الموظفين الأجانب الواجب إنهاء خدماتهم للوصول إلى تلك النسبة المئوية بعد خمس سنوات، وذلك من خلال إعداد دراسة سنوية تشمل تحديد المجموعات الوظيفية المشمولة بـ«تكويت» الوظائف، والنسب المئوية المستهدفة لعدد الموظفين الكويتيين من إجمالي قوة العمالة، وذلك لكل جهه حكومية على حدة.

سيتولى ديوان الخدمة المدنية إصدار هذه الدراسة، بينما تصل المعدلات المستهدفة في «تكويت» الوظائف الحكومية، إلى 100% في وظائف مجموعات نظم وتقنية المعلومات، والتطوير والمتابعة والإدارية والإحصاء، ومجموعة وظائف الدعم الإداري، والآداب والإعلام والفنون والعلاقات العامة، والوظائف البحرية، ونظم وتقنية المعلومات.

وستصل النسبة إلى 98% في مجموعة الأدلة الجنائية والوقاية والإنقاذ، و97% في مجموعة الوظائف الهندسية، ومجموعة وظائف الخدمات الاجتماعية والتربوية والرياضية، و95% في كل من مجموعة الوظائف المالية والاقتصادية والتجارية، ومجموعة وظائف العلوم، بينما تصل إلى 85% بمجموعة وظائف الخدمات و80% في مجموعة الوظائف الحرفية، وتصل في وظائف الثروة الحيوانية والزراعية والأحياء المائية، إلى 75%، ومجموعة وظائف التدريس والتعليم والتدريب 70%.

وبالطبع تبدو هذه الأرقام طموحة جدًا، في حال نظرنا إلى النسبة التي تمثلها العمالة الأجنبية بالكويت، إذ تمثل نحو 81.6% من إجمالي قوة العمل بالكويت (البالغة 1.96 مليون عامل) بنهاية مارس (آذار) الماضي، وتصل إلى 1.6 مليون عامل والباقي للمواطنين الكويتيين، وفق بيانات رسمية حديثة، لكن بالرغم من طموح الخطة، إلا أنه كان لوزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل وزيرة الدولة للشؤون الاقتصادية، هند الصبيح، رأي آخر، إذ أكدت أن «تعديل التركيبة السكانية يحتاج 15 عامًا لتخفيض 10% من العمالة الوافدة ليصبح المجتمع الكويتي 40% مقابل 60%».

وإن كان تصريح الصبيح، يكشف عن جزء من الواقع، إلا أن تراجع نسبة الوافدين في الأعوام القادمة، ربما لن يكون سببها خطط «تكويت” الوظائف التي تتبناها الحكومة الكويتية، بل إن السبب هو أن الكويت في ذيل ترتيب قائمة «أفضل وأسوأ الوجهات لإقامة الوافدين حول العالم»، بحسب تصنيف مؤسسة «إنترنيشنز» الدولية، الصادر مطلع الشهر الجاري، إذ حلّت الكويت في المرتبة قبل الأخيرة على قائمة التصنيف، في حين كانت قد شغلت المركز الأخير وفق التصنيف نفسه العام الماضي.

الكويت تقدمت على اليونان التي شغلت المرتبة الأولى بوصفها أسوأ وجهة لإقامة الوافدين على مستوى العالم، إذ إن أكثر من 2 من كل 10 وافدين في الكويت، أي 23% من إجمالي الوافدين المقيمين في الكويت غير راضين عن حياتهم بشكل عام، كما أن 62% من العمالة الوافدة في الكويت تحصل على دخل أسري، أقل من 50 ألف دولار سنويًا، في حين يزيد الدخل الأسري لثلث الوافدين بقطر على 100 ألف دولار أمريكي سنويًا.

وتشير دراسة «إكسبات إنسايدير» لـ«انترنيشنز» العالمية، -واحدة من أوسع وأشمل الدراسات التي تُجرى سنويًا عن الوافدين- إلى أن الكويت البلد الأقل سعادة في جميع أنحاء العالم بالنسبة للوافدين، إذ حصلت على تصنيف سلبي للغاية في الودّ تجاه المقيمين الأجانب.

لكن بعيدًا عن هذا التصنيف لماذا يصعب على الكويت الاستغناء الفوري عن الوافدين:

الرواتب.. مأزق يعوق الحل

ذكرنا أن خطط «التكويت» في الأساس جاءت بسبب تراجع إيرادات النفط التي بدورها رفعت مستويات البطالة، بمعنى أنه لو عاد النفط لسابق عهده ما وجدنا أن هناك أزمة كبيرة، وبما أن الأزمة في تراجع الإيرادات فيجب أن يكون الحل منخفض التكلفة، لكن نجد هنا الأمر مختلفًا فكلفة إحلال الكويتيين محل الوافدين أعلى بكثير من الوضع الحالي، لذلك لا تنجح هذه الخطط دائمًا.

توجد فجوة كبيرة في الرواتب بين العاملين الأجانب والمواطنين الكويتيين في الجهات الحكومية والقطاع الخاص، إذ كشفت وثيقة حكومية أن متوسط الراتب الشهري للوافد يبلغ نحو 264 دينارًا (871 دولارًا)، بينما يصل للكويتي إلى نحو 1093 (3600 دولار)، بفارق تبلغ نسبته 314%، وبحسب الوثيقة فإن عملية الإحلال «التكويت» ستكلف الدولة ما يزيد عن 3 مليارات دولار سنويًا، لتعويض الفارق في الرواتب في حال قامت الدولة بتنفيذ خطة إحلال شاملة في جميع القطاعات.

وفق توزيع العمالة حسب متوسط الأجر الشهري الصادرة نهاية مارس (آذار) الماضي عن الإدارة المركزية للإحصاء، فإن 73.4% من العاملين في الجهاز الحكومي من الكويتيين بعدد 283.3 ألف موظف، فيما يعمل 4189 موظفًا يحملون جنسيات لدول مجلس التعاون الخليجي ويمثلون 1.1% من إجمالي الموظفين، و2010 موظفين بدون جنسية يمثلون 0.5%، أما الوافدون فيصل عددهم إلى 96.7 ألف موظف ويمثلون 25% من إجمالي الموظفين بالأجهزة والمؤسسات الحكومية

بينما تمثل الرواتب، العبء الأكبر على بند المصروفات بالميزانية الحكومية في الكويت، إذ تصل إلى 54% من إجمالي مصروفات الحكومة بالموازنة الحالية 2017- 2018 بقيمة 10.75 مليارات دينار (34.4 مليار دولار)، مقابل 10.3 مليارات دينار بموازنة العام الماضي ونحو 9.99 مليارات دينار في العام المالي السابق 2015/2016.

7 قطاعات يمكن أن تنهار إذ غادر الوافدون

يقول مشعل الإبراهيم، الاقتصادي الكويتي، في تصريح صحفي لصحيفة «العربي الجديد»، إن إحلال الوافدين بالكويت ينذر بتعرض قطاعات اقتصادية مهمة للخطر، منها العقارات والسيارات وأنشطة التجزئة والمصارف والكفاءة البشرية، ما يدعو إلى ضرورة كبح إجراءات التضييق غير المبرر ضد الوافدين، حتى لا ينعكس ذلك بشكل سلبي على الاقتصاد الكويتي.

في الواقع يفرض الوافدون أنفسهم في المجتمع الكويتي باعتبارهم أحد أهم الركائز الاقتصادية، سواء على مستوى الاستهلاك أو حتى مختلف التعاملات بالدولة، ولكن لعل أكبر المتضررين، هي تلك القطاعات السبعة الممثلة في «العقار – الاتصالات – المصارف – السيارات – التعليم – المطاعم – التجزئة»، ويمثل الوافدين بالكويت قوة شرائية كبيرة، كما أنهم العمود الفقري للقطاع العقاري، إذ يمثلون ما يزيد على أكثر من 75% من المستأجرين.

بينما ستتضرر القطاعات الأخرى من خلال تراجع القوة الشرائية لهم بتراجع أعدادهم في البلاد، إذ يمثل جملة الإنفاق الكلي للأسر غير الكويتية ما نسبته 70% من دخلها، قياسًا على الحد الأقصى لدخل الشريحة الدنيا، فيما يصل إجمالي ما تنفقه الأسر غير الكويتية على المسكن والمياه والكهرباء والغاز نحو 41% من إجمالي الإنفاق الاستهلاكي، كما تبلغ حصة الاتصالات نحو 4% من إنفاقها الاستهلاكي، بالإضافة إلى 6 في المئة لصالح الإنفاق على السلع والخدمات الشخصية المتنوعة، ونحو 6% أيضًا لبند الإنفاق على النقل، و8% تنفق في متاجر التجزئة المتعلقة بالأحذية الملابس.

وتوضح هذه الأرقام مدى اعتماد معظم القطاعات الاقتصادية بالكويت على الوافدين، وهو ما يعني أن أي تراجع في عددهم سوف يمثل تراجعًا بالاقتصاد الكويتي.

كيف تحاصر الكويت الوافدين؟

رغم أهمية الوافدين في التكوين الاقتصادي للكويت، إلا أن البلاد تواصل حصارهم بشتى الطرق، إذ بدأت، مؤخرًا في تطبيق التعرفة الجديدة للعقار الاستثماري، وهي الشقق السكنية التي يسكن أغلبها الوافدون إلى الكويت، وتم استثناء سكن المواطنين الكويتيين من الزيادة على أسعار الكهرباء والماء، والتي وصلت إلى نحو 500% على الوافدين، بينما كشف مصدر مسؤول في بلدية الكويت، عن وقف توظيف الوافدين على العقود الجديدة، إضافة لإنهاء خدمات الموظفين المتكدسين، ومن تجاوزوا المدة القانونية.

اقرأ أيضًا:

تأتي هذه الإجراءات التي يمكن وصفها بالحصار للوافدين بعد القرار الكويتي في مطلع أغسطس (آب) بفرض زيادة على الرسوم الصحية، وهو القرار الذي اعتبره البعض كارثيًا، إذ ارتفعت بعض رسوم الخدمات الصحية التي وردت في بنود اللائحة لعشرة أضعاف، فعلى سبيل المثال بالنسبة للمقيمين في الكويت زادت رسوم مراجعة العيادات الخارجية من ستة دولارات إلى 30 دولارًا، كما زادت رسوم الإقامة في الغرفة الخاصة من 15 دولارًا يوميًا إلى 150 دولارًا، ورسوم الولادة الطبيعية من ستة دولارات إلى 166 دولارًا.

الحصار لا يتوقف عند هذا الحد، فقد أصدرت وزارة الداخلية الكويتية في 25 مايو (آيار) الماضي، قرارًا بإلغاء التحاق الأم والأب بالوافد العائل ووقف تجديد إقاماتهم، وهو ما وضع الوافدين بين خيارين أحلاهما مر، فإما أن يتخلى الأبناء العائلين عن آبائهم وأمهاتهم، وإما أن يغادروا معهم، إذ وصل عدد المستهدفين بالقرار نحو 13 ألف مقيم أغلبهم من كبار السن والمرضى.