«الوضع الميداني المتأزم، لم يحدث فيه تغيرات كبيرة منذ مدة، حتى وإن بدأت مباحثات الكويت بين الأطراف المتصارعة، والحديث عن وقف إطلاق النار، فضلًا عن حصار (تعز) الذي فُكّ مُؤخرًا، بدأ يعود بالتدريج، بعد تخاذل السلطة وتراخيها في مد الجبهات بالدعم الكافي. الجنوب تم تطهيره من قبل الحوثيين، دون أن تتولى السلطة الشرعية زمام الأمور، فيما يشهد الوسط معارك كر وفر».

هكذا اختصر الناشط اليمني «حمزة علي» الوضع الحالي في البلاد، خلال حديثه مع «ساسة بوست»، بالتزامن مع انطلاق مباحثات السلام، بين أطراف الصراع في اليمن، برعاية الأمم المتحدة، الخميس الماضي، بعد تأجيلها بسبب خروقات الهدنة وجدول أعمال المفاوضات.

المباحثات التي تأتي مع استمرار تردي الأوضاع الأمنية والإنسانية في معظم الأراضي اليمنية، يقابلها اليمنيون بتفاؤل حذر في حسم الخلافات السياسية الدائرة بين صناع القرار، والتي من شأنها وقف نزيف الحرب المستمرة منذ سنوات.

وعليه، فإن التزام الأطراف بوقف إطلاق النار، يأتي مع استمرار تبادل الاتهامات بين الأطراف المشاركة في المباحثات باستغلال الهدنة بالتزامن مع وقف الغارات الجوية عليهم من قبل قوات التحالف.

فسرت العديد هذه الاتهامات، بإعادة التموضع العسكري، وإرسال تعزيزات عسكرية إلى المناطق التي تشعر أن تواجدهم العسكري فيها أصبح ضعيفًا، أو يريدون تقويتها استعدادًالأية معارك مستقبلية متوقعة في حال فشلت مباحثات الكويت.

وبالتالي، فإن أولى الجلسات المشحونة بالخلاف بسبب امتناع وفد الحوثيين والرئيس المخلوع علي «عبد الله صالح»، عن الحضور كانت يوم الجمعة الماضية، وسط حديث عن مؤشرات مبكرة إلى فشلها، إثرتضارب المصالح بين الوفد المشترك.

حتى إن الوفد الحكومي الموجود في الكويت منذ الأسبوع الماضي، قال إنه سيغادر «ما لم تبدأ المباحثات، محملًا الحوثيين وحلفائهم مسئولية إفشال المشاورات في حالة عدم بدء انعقادها»، إضافة إلى أن الحوثيين وحلفائهم الموالين للرئيس صالح، امتنعوا بداية عن الحضور إلى الكويت، معللين ذلك بمواصلة قوات الرئيس عبد ربه منصور خرق وقف إطلاق النار الذي بدأ منتصف أبريل (نيسان).

ومن وجهة نظر كويتية، فإن المحادثات اليمنية تهدف إلى إعادة إحلال السلام وإعمار اليمن، ومساهمة دول الخليج العربي، على تمويل مشاريع إعادة إعمارها، والتي قد تبدأ في حال اتفق أطراف الصراع في اليمن.

أولًا: عدم التزام الأطراف بقرار مجلس الأمن الدولي (2216)

لذلك، فإن من أبرز التوقعات التي عززتها سيناريوهات فشل المباحثات، هي عدم رغبة الوفد المشارك الالتزام بالنقاط الخمس التي تضمنها قرار مجلس الأمن الدولي 2216، والذي صدر في أبريل (نيسان( من العام الماضي.

ومن أبرز بنوده: وقف العنف، وسحب القوات من جميع المناطق التي سيطرت عليها الأطراف المتصارعة في وقت سابق، بما في ذلك العاصمة صنعاء، إلى جانب الكف عن أعمال تعتبر من الصلاحيات الحصرية للحكومة اليمنية الشرعية.

المفاوضات اليمنية

جانب من الدمار الذي لحق باليمن نتيجة الحرب

بالإضافة إلى الامتناع عن أية استفزازات أو تهديدات للدول المجاورة، بما في ذلك الاستيلاء على صواريخ أرض- أرض، ومخازن أسلحة تقع في مناطق محاذية للحدود، أو داخل أراضي دولة مجاورة، والإفراج عن جميع السجناء السياسيين والأشخاص الموجودين تحت الإقامة الجبرية والموقوفين تعسفيًا، ووقف تجنيد الأطفال وتسريح جميع الأطفال في صفوف قوات الحوثيين.

المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن، «إسماعيل ولد الشي»، ربط البحث عن حل سلمي لليمن، بتنفيذ ما جاء في القرار الأممي، لكنه حذر في الوقت نفسه من وجود تسويات صعبة من كل الأطراف ورغبتها في التوصل إلى اتفاق.

ثانيًا: اختلاف الرؤى بين الأطراف المشاركة

الصراع بين الأطراف المشاركة في مباحثات الكويت، لم يكن وليد اليوم، بل ساهمت العديد من العوامل السياسية تحديدًا، والمصالح المشتركة بينهم في تعميقه، ما أسفر عن خلاف في الرؤى لحل الأزمة والوضع الراهن بعد الحرب.

وبالتالي، فإن هدف وفد الحوثي من المجيء إلى مباحثات الكويت، لقطف ثمرة جهودهم المسلح، بتسوية سياسية؛ تتيح لهم المشاركة في العملية السياسية المستقبلية، بينما حزب صالح، فإنه يواجه توجهات خصومهم المحليين، وكذا القوى الإقليمية والدولية، لإقصاء صالح وعائلته عن المشهد السياسي المستقبلي، وهذا ما لا يمكن الموافقة عليه من قبل ممثلي صالح في مباحثات الكويت.

مع بداية تفجر الأوضاع اليمنية عام 2011، ظهرت للعلن الخلافات بين أتباع الرئيس المخلوع صالح والحوثيين، إلى تضارب المصالح بين الطرفين والتباين في رهانات الخروج من الأزمة؛ إذ يتهم الموالون لصالح جماعة الحوثي بشن حملة إقصاء واستئصال بحقهم في مختلف المؤسسات الحكومية، وهي أبرز نقطة خلاف بينهما حتى اللحظة.

لكن، الجدير ذكره هنا، أن هذه الخلافات خرجت إلى العلن عقب انتهاء الجولة الأولى من مشاورات«جنيف2» في ديسمبر (كانونالأول( الماضي، بعد فشل صالح في تشكيل حكومة لسد الفراغ السياسي في صنعاء، والذي اعتبره الحوثيون محاولة من صالح لتقليص نفوذهم.

من بين خلاف الرؤى بينهما أيضًا، أن تشكيل الحكومة، يكون عبر اللجنة الثورية من وجهة نظر الحوثيين، بخلاف صالح الذي يسعى إلى تحويلها للجنة رقابية وتشكيل الحكومة عن طريق مجلس النواب الذي يضم الكثير من أنصاره.

مجالات الصراع بين كلا الحليفين، هي التنافس الحميم بينهما حول إدارة الحرب العسكرية، وإحكام السيطرة على كافة مناحي أدوات القيادة، والتي تطورت في الفترة الأخيرة إلى نجاح أنصار صالح في السيطرة المسلحة على المؤسسات والمرافق الحكومية، ومسرح العمليات العسكرية.

المفاوضات اليمنية

خلال انعقاد جلسة مباحثات يمنية كويتية

ويحظى صالح بدعم قيادات من الجيش، هؤلاء الذين كانوا جزءً من سلطته سابقًا، والذين يقودون أغلب العمليات العسكرية في المدن، فيما يستند الحوثيون على مقدرات الدولة اليمنية، سواء التي تمكنوا منها في المعسكرات أو المخزنة مع الجيش الموالي لصالح.

ثالثًا: ضبابية موقف الأمم المتحدة في التعاطي مع القرار الأممي

تتضح هذه النقطة، من خلال حديث الباحث السياسي اليمني «نبيل البكيري»، الذي لفت إلى أن رؤية الأمم المتحدة في حسم الصراع، غير متسلسلة في التنفيذ، من حيث البنود المتعارف عليها ضمن القرار الأممي، حيث تراجعت عن ترتيب النقاط الخمس المطروحة للنقاش.

وكان المبعوث الأممي، قد لفت إلى أن رؤية الأمم المتحدة لهذه النقاط، غير متسلسلة في التنفيذ، وسيتم النقاش فيها بشكل متواز، عبر لجان عمل تدرس آليات تنفيذية، بهدف التوصل إلى اتفاق واحد شامل يمهد لمسار سلمي منظم، بناء على مبادرة مجلس التعاون الخليجي ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني.

ويرى الباحث السياسي اليمني في حديثه لـ« ساسة بوست»، أنه لا جديد في هذه المباحثات سوى الفشل الذي ظهر قبل بدء المباحثات؛ حينما عجزت الأطراف المشاركة عن إبداء حسن نوايا من خلال فشلهم في وقف إطلاق النار الذي كان يفترض أن يتم في العاشر من الشهر الجاري.

وعليه، فإن هناك عقبات أخرى ستحول دون نجاح المباحثات، وهي الموضوعية في تناول الأزمة، وبنية الفكرة المذهبية للأطراف المشاركة، مضيفًا، أن «إعلان الفشل غير وارد؛ لأن الدور الفاشل والكارثي للأمم المتحدة ومبعوثها هناك سيحول دون إعلان ذلك ككل الجولات السابقة، وبالتالي كل الاحتمالات واردة عن جولات قادمة، والسعودية دورها مركزي في كل ما يحدث».

يتشارك الناشط اليمني حمزة، مع الباحث السياسي، في عدم التعويل على مباحثات الكويت، فهو يعتقد أن الجولة الحالية لن تؤدي إلى حل، وستفصح عن جولة سياسية أخرى؛ إذ سيفرض الحوثيون مطالب سياسية بعيدًا عن قرار مجلس الأمن ٢٢١٦.

ووفقًا له، فإن الطرفين سيذهبون إلى الميدان العسكري لبعض الوقت بغرض تحقيق مكاسب ميدانية، يتم ترجمتها فيما بعد إلى مكاسب سياسية ضمن جولة مفاوضات لاحقة.

ووجهة نظر حمزة تتفق مع ما تواتر عبر وسائل الإعلام، من أن المتمردين الحوثيين وقوات صالح أرسلوا تعزيزات عسكرية كبيرة نحو محافظات «تعز وأبو البيضاء والضالع وحجة وأطراف محافظة مأرب«، واعتبروا هذه التعزيزات العسكرية نوعًا من الاستعدادات المبكرة للمعارك المقبلة وترتيب الوضع العسكري لما بعد المباحثات في الكويت.

إلى جانب المخاوف من تحول فترة الهدنة المتزامنة مع مباحثات السلام إلى فترة إنقاذ للوضع العسكري المتفاقم، خاصة مع التقدم العسكري المتواصل لقوات السلطة الشرعية وتحقيق العديد من المكاسب العسكرية الميدانية في محافظات تعز ومأرب وحجة والضالع وغيرها.

في المقابل، فإن ضابط المُخابرات السعودية السابق، والمُستشار السابق لمجلس الوزراء السعودي، «أنور عشقي»، قال في تصريحات خاصة لـ«ساسة بوست»، إنه «ليس للسعودية أي دور في المباحثات الجارية بالكويت، سوى أنها ستساعد في إنجاح الحوار عبر الضغط على الأطراف المتصارعة القبول بما نصت عليه المبادرة الخليجية والقرار الأممي».

وعلى عكس الباحث السياسي اليمني، فإنه يرى أن استمرار المباحثات، يعني وجود احتمالات واردة لنجاحها، مضيفًا «الطرفان لهما مطالب، ويخشيان إن سلما السلاح سيتم تهمشيهما في العملية السياسية المقبلة، خاصة وأن مطالبهما حكومة وحدة وطنية شاملة».

وفي معرض رده عن احتمال فشل المباحثات، قال عشقي: «الحقيقة إن فشل المباحثات، يعني أن القتال سيستمر، وبالتالي فإن الطرف الأضعفهم هو الحوثيون، وبناء عليه سيستجيبون للمطالب الدولية والمبادرة الخليجية، وإلا سيتعرضون للمحاكمة في حال تعنتهم».

التفاؤل الحذر من عدم نجاح المباحثات، يأتي في سياق جملة الاتفاقات بين الأطراف المتصارعة خلال السنوات القليلة الماضية، والتي باءت بالفشل عند تنفيذ أي من بنودها، فقد فشلت أول جولة مشاورات بينهما في مدينة «جنيف» السويسرية منتصف يونيو (حزيران) الماضي.

المفاوضات اليمنية

مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى اليمن، ولد الشيخ أحمد

جولة مشاورات ثانية تلتها بعد أشهر قليلة في سويسرا، انهارت مع استمرار المواجهات في أكثر من منطقة باليمن، في إشارة واضحة إلى تعنت الأطراف المتصارعة وتمسكها بوجهة نظرها، فضلًا عن مباحثات على اتفاق للتهدئة في المناطق الحدودية بين اليمن والسعودية، قادته وساطات قبلية من البلدين، مطلع مارس (آذار) الماضي.

إلى جانب جولة الوساطة التي رعتها سلطنة عمان بين الحوثيين ومسئولين من حزب المخلوع صالح، لاسيما وأنها تؤيد الخروج الآمن للمخلوع، ومشاركته في التفاوض مع القوى الخليجية.

ومع إعلان مبعوث الأمم المتحدة إلى اليمن، أواخر الشهر الماضي، أن أطراف النزاع وافقت على وقف إطلاق النار في العاشر من الشهر الحالي تمهيدًا لعقد جولة مشاورات في الكويت، إلا أن قصفًا هو الأعنف ضرب مدينة تعز من قبل جماعة الحوثيين، وقوات الرئيس المخلوع، ما اعتبر أنه خرق للهدنة.

قبل هذه المشاورات، كان هناك مبادرة خليجية، وهي اتفاق رعته دول الخليج لتسوية الأزمة السياسية في اليمن عقب الثورة الشعبية التي اندلعت ضد نظام المخلوع صالح، عام 2011، وبموجبه تم تنحيه عن الحكم مقابل عدم الملاحقة القانونية، واختيار «هادي» خلفًا له.

عرض التعليقات
تحميل المزيد