لم يكن انفجار مفاعل تشرنوبل هو الكارثة النووية الوحيدة التي عرفها الاتحاد السوفيتي، بل سبقته «كارثة كيشتيم» التي يعد بعض العلماء أثرها، أكثر خطورة من تشرنوبل بمرتين ونصف!

سجل علماء الطاقة النووية في سبتمبر (أيلول) عام 2017، ظاهرة مرور سحابة كبيرة من النشاط الإشعاعي في سماء 14 دولة أوروبية، واستجابة للحادث الغريب، كون الاتحاد الأوروبي فريقًا من الباحثين من جنسيات متعددة لبحث الأمر.

خرج فريق العلماء والباحثين باستنتاج مهم في يوليو (تموز) عام 2019، وهو أن السحابة الإشعاعية التي اعتلت سماء القارة الأوروبية العجوز سببها تسرب إشعاعي من موقع مشروع «ماياك (Mayak)» الذي أسسه الاتحاد السوفيتي في منطقة سرية بهدف إنتاج قنبلة نووية، لكن المشروع فشل بسبب انفجار المفاعل في الحادثة التي تعرف باسم «كارثة كيشتيم (kyshtym disaster)»!

النصب التذكاري الخاص بكارثة كيشتيم – مصدر الصورة ويكيبديا

عندما تسمع أو تقرأ عن «انفجار مفاعل»؛ أول شيء قد تفكر فيه هو كارثة انفجار مفاعل تشرنوبل؛ لعدة أسباب، منها الأثر البالغ الذي سببه انفجار تشرنوبل، والذي امتد لعدة دول خارج حدود الاتحاد السوفيتي، أو الضجة الإعلامية التي أحدثتها حلقات المسلسل القصير «تشرنوبل» الذي صدر في العام قبل الماضي ليحكي تفاصيل الكارثة.

ولكن من الصعب، بل من الممكن أن يكون مستحيلًا، أن تفكر في كارثة «كيشتيم»، وذلك لسبب واحد واضح، وهو إخفاء الاتحاد السوفيتي الحادثة لأكثر من أربعة عقود عن العالم، ولم تُعرف أقل تفاصيلها حتى انهار الاتحاد السوفيتي في مطلع التسعينيات من القرن الماضي.

ولكن المعلومة التي يجب أن تعرفها، أن «كارثة كيشتيم» تُصنف على أنها كانت أول أخطر حادثة تسرب إشعاعي في التاريخ، ويمكن وضعها في المرتبة الثانية بعد كارثة انفجار مفاعل تشرنوبل.

المدن السرية.. من هنا بدأت الكارثة!

في بداية الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية في نهاية أربعينيات القرن الماضي؛ علم جوزيف ستالين، رئيس الاتحاد السوفيتي آنذاك، ببرنامج الطاقة النووية الأمريكي الذي يعمل على تطوير نوع جديد من القنابل النووية، ولذلك أمر ستالين حكومته ببناء مفاعل جديد لمشروع سري للعمل على إنتاج قنبلة نووية؛ حتى يمتلك الاتحاد السوفيتي السلاح نفسه الذي تمتلكه أمريكا، خوفًا من أن تميل كافة الحرب الباردة ناحية الولايات المتحدة.

بُني مشروع المفاعل النووي الذي سُمي «مشروع ماياك» في إحدى المدن السوفيتية السرية التي تعرف حاليًا باسم مدينة أوزرسك، وجدير بالذكر أن المدينة كانت من ضمن قائمة المدن السوفيتية السرية، ولم تكن حتى على الخريطة السوفيتية الرسمية حتى مطلع الثمانينيات في القرن المنصرم!

خريطة توضح موقع مدينة أوزرسك حيث المدينة رقم 40 وكارثة كيشتيم، المصدر صحيفة «الجارديان»

كان الاتحاد السوفيتي يتبع سياسة السرية في كل الأمور الحكومية، وبالأخص عند حدوث مشكلات قومية مثل أزمة تشرنوبل؛ بالإضافة بالطبع للمشروعات القومية ذات الطابع العسكري مثل المفاعلات النووية. 

السرية في السياسة السوفيتية لم تكن تشمل قرارات وعمليات وحتى مواقع عمل؛ بل شملت مُدنًا بأكملها، وهي المدن التي كانت تقع فيها المفاعلات النووية ومؤسسات البحث والصناعة الحربية؛ فضلًا عن عدد من المدن السرية التي كانت بها سجون كبيرة يقبع فيها المُعتقلون السياسيون على وجه الخصوص.

لا أحد كان له الحق في الدخول إلى تلك المدن إلا أهلها فقط، لا أحد يمكنه الزيارة دون أن يكون مقيمًا في المدينة، المدن لم تكن تُسجل على الخرائط الرسمية التي تقرها الحكومة السوفيتية، ولم تكن تُعامل في القرارات والعمليات السياسية باسمها الحقيقي بل كانت تُمنح رقمًا، مثل مدينة أوزرسك التي كانت تسمى لدى الحكومة باسم (المدينة رقم 40).

بدأت الحكومة السوفيتية في بناء المدينة رقم 40 حول مفاعل ماياك عام 1946، ونقل إليها آلاف العمال والمهندسين والعلماء الذين وُفِر لهم جميعًا فرص عمل في المشروع مع مميزات كثيرة تجعل حياتهم في المدينة سخية ومريحة، مثل حوافز شهرية وإعانات لكافة أفراد الأسرة، وكذلك وسائل ترفيه مجانية، ووجبات طعام وفاكهة مجانية، في مقابل أن يعيشوا حياة سرية داخل المدينة.

في السنوات الثماني الأولى بعد بناء المدينة، لم يسمح لأي فرد من سكانها الجدد بالخروج إلى مكان آخر، ولم يُسمح لهم بالتواصل مع العالم الخارجي من خلال الهاتف أو حتى كتابة الخطابات لأهاليهم. حياتهم كانت سرية تمامًا، حتى إن الانتقال إلى المدينة في البداية كان سريًّا، وكل من انتقلوا إلى «المدينة 40»، بُلغ من قبل أهلهم أنهم مفقودون.

وكان التبرير الذي تعطيه الحكومة السوفيتية لأهل المدينة، أنهم يعيشون تلك الحياة في «المدينة 40» لأن الاتحاد السوفيتي اختارهم لكي يكونوا مُنقذي العالم! في إشارة إلى أن «مشروع ماياك» أنشئ كي يحمي العالم من المشروع النووي الذي تمتلكه الولايات المتحدة الأمريكية في ذلك الوقت.

ولم يعرف أحد بوجود «المدينة رقم 40» حتى منتصف ثمانينيات القرن العشرين؛ عندما كشفت الطبيعة عن أول كارثة نووية كبرى في التاريخ، وذلك بسبب رصد رياح في عدة دول أخرى، تحمل تسريبات إشعاعية سامة، وعند تتبعها توصل الباحثون إلى مدينة أوزرسك التي كما ذكرنا من قبل، لم تكن على الخريطة، وعرف العالم لأول مرة عن «كارثة كيشتيم».

تمامًا كما حدث في تشرنوبل! فشل تقني يؤدي إلى «كارثة كيشتيم»

كان يجب أن يتطابق تصميم «مشروع ماياك» مع سياسات السرية السوفيتية، وكان هذا هو الدافع الذي جعل مهندسي المشروع يصممون أحواض النفايات النووية في حجرات عملاقة تحت الأرض.

وما حدث أدى إلى الكارثة. ففي الساعات الأولى من يوم 29 سبتمبر (أيلول) عام 1954، توقف نظام التبريد في أحد الأنابيب العملاقة التي كانت تنقل النفايات إلى الحجرات الضخمة تحت الأرض؛ ما أدى إلى ارتفاع سريع في درجة الحرارة نتج منه انفجار في أنبوب النفايات، ثم تبعته عدة انفجارات أخرى في المشروع كله.

الانفجار أدى إلى تسرب 20 مليون وحدة من الإشعاع السام، وفي خلال 10 ساعات فقط، انتقلت الوحدات المسربة في شكل سحب إشعاعية كالتي ظهرت في عام 2017، وسافرت تلك السحب عبر الهواء إلى أكثر من 20 كيلومترًا في محيط الانفجار.

امتد التأثير الإشعاعي إلى ما يقرب من 272 ألف شخص كانوا يعيشون في حوالي 200 مدينة على مقربة جغرافية من موقع «كارثة كيشتيم»، وعلى الرغم من ذلك؛ لم تُخلِ الحكومة السوفيتية إلا حوالي 10 آلاف شخص من تلك المدن.

وما يجب ألا نغفله هو أن التسرب الإشعاعي لا يزول بعد فترة قصيرة، بل يستمر في المناطق المحيطة لمئات السنين، لذلك أشارت العديد من التقارير إلى أن عدم إخلاء كافة المدن التي تأذت من التسريب يجعل حوالي نصف مليون شخص يعانون من التسرب الإشعاعي لكارثة كيشتيم حتى الآن.

كان أول من نبه العالم لحدوث كارثة كيشتيم هو العالم الروسي زوريس ميدفيديف عندما نشر ورقة بحثية عام 1976 يبرز فيها شكوكه عن البرنامج النووي السوفيتي، وتحدث عن وجود تسرب إشعاعي ما، لم تعلنه الحكومة السوفيتية في ذلك الوقت.

فما كان من الحكومة السوفيتية إلا أن أنكرت ونفت العالِم ميدفيديف خارج البلاد، ولم تعترف الحكومة بالكارثة إلا خلال جلسة استماع كارثة تشرنوبل أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة عام 1986.

وعلى الرغم من أن الاتحاد السوفيتي سقط، ومن المفترض أن الكثير من السياسات المضللة مثل سياسة السرية سقطت معه؛ فإن الحكومة الروسية ما زالت تفرض السرية عن «مشروع ماياك»!

وفي عام 2004 استجابت الحكومة الروسية لإحدى القضايا التي رفعتها عليها مجموعة من مؤسسات البيئة؛ وأعلنت أن «مشروع ماياك» توقف وتوقفت معه عمليات التخلص من النفايات التي تؤدي أحيانًا إلى حدوث تسربات إشعاعية. إلا أنه في عام 2017 قدمت إحدى مؤسسات الصحافة الإقصائية الروسية تحقيقًا يفيد بأن المشروع لا يزال يعمل حتى اللحظة!

ومن الجدير بالذكر أن التحقيق الاستقصائي نُشر في أغسطس (آب) عام 2017، أي قبل شهر واحد من رصد السحابة التي حملت إشعاعات سامة في بعض الدول الأوروبية، وأرجع العلماء فيما بعد مصدرها إلى «مشروع ماياك».

تجدر الإشارة أيضًا إلى أنه في عام 2015، بينت إحدى الدراسات أن التسريب في المنطقة المحيطة بـ«مشروع ماياك» أو «كارثة كيشتيم» قد ارتفع، ووصلت كمية الإشعاع في البحيرات المحيطة إلى ما يقرب من 120 مليون وحدة، وهذا يزيد بنسبة مرتين ونصف على كمية الوحدات الإشعاعية التي تسربت في انفجار مفاعل تشرنوبل!

لكن إلى متى سوف تخفي الحكومة الروسية الحقائق عن «مشروع ماياك» الذي أدى إلى «كارثة كيشتيم»؟ وهل ما زالت هناك مدن سرية لا يعرف العالم عنها؟ وهل تؤدي سياسات الحكومة الروسية فيما يتعلق بالمشروعات النووية، إلى حدوث كارثة نووية مستقبلية؟

في الحقيقة هذه أسئلة من الصعب تقديم إجابات قاطعة عنها، لكن ما رأيك أنت عزيزي القارئ؟

علوم

منذ سنة واحدة
«هنا غويانيا».. حين تسبب لصان في مأساة كادت أن تصبح تشيرنوبل جديدة

المصادر

تحميل المزيد