مع تزايد أعداد حالات الإصابة المؤكدة في مختلف أنحاء العالم يومًا تلو الآخر بفيروس كورونا، لا يبدو أن جائحة الفيروس التاجي الجديد ستغادرنا قريبًا. وفي خضم السباق المحموم الذي يجري على قدم وساق؛ لإنتاج علاج أو لقاح يحد من انتشار الجائحة المستشرية، تلعب حيوانات التجارب دور البطولة على مسرح معامل الأبحاث.

في السطور التالية، نلقي نظرة خلف الكواليس؛ لنشهد تجارب الأداء على خشبة مختلف المؤسسات البحثية في العالم، التي تأتينا من تأليف وإخراج المجتمع العلمي، بما يضمه من علماء وباحثين، وبطولة من عالم الحيوان، وقصة أشبه بقصص الجرائم البوليسية، والتي يسعى فيها المحققون لفك ألغاز جرائم متتالية يرتكبها قاتل يدعى كوفيد-19، والذي أودى بحياة مئات الآلاف من البشر حول العالم. فمن هم أبطال قصتنا؟

1. فئران معدلة وراثيًّا.. مصنع الأجسام المضادة!

تلعب الفئران دورًا أساسيًّا في التجارب التي تسعى لتطوير لقاح وعلاج لفيروس كورونا المستجد؛ وذلك لما تمتاز به من كونها غير مكلفة، ومتوفرة، ويسهل التعامل معها. لكن على الجانب الآخر، اكتشف العلماء خلال اندلاع فيروس سارس عام 2003؛ أن الفئران العادية ليست عرضة للإصابة بالفيروس التاجي، لذلك يعمل العلماء على تربية فئران معدلة وراثيًّا لجعلها عرضة للإصابة بفيروس كورونا.

ففي عام 2007، عمل ستانلي بيرلمان، عالم الأحياء الدقيقة بجامعة أيوا، وزملاؤه على هندسة الفئران وراثيًّا؛ لإنتاج النسخة البشرية من مستقبلات الإنزيم (ACE2) الذي تستخدمه الفيروسات التاجية في الالتصاق بالخلايا والتسلل إليها. وقال بيرلمان إن سلالة الفيروسات التاجية الجديدة التي اندلعت في أواخر العام الماضي تستخدم المستقبلات نفسها؛ لذا يجب أن تكون الفئران المعدلة وراثيًّا عرضة أيضًا للفيروس الجديد.

Embed from Getty Images

وقد جُمَّدت بعض الحيوانات المنوية من تلك الفئران المعدلة وراثيًّا، وأُرسلت عينات منها إلى مختبر جاكسون، (مؤسسة بحثية مستقلة متخصصة في إنتاج الفئران لأبحاث الطب الحيوي)، وإحدى أكبر الشركات في الولايات المتحدة التي تعمل على تربية الحيوانات، وتوزيعها على مختبرات أخرى حول العالم. وتقول عالمة الأعصاب كات لوتز، التي تدير مستودع الفئران في مختبر جاكسون: «لقد غمرتنا الطلبات. يجب أن يكون لدينا ما يكفي من الفئران للمجتمع العلمي؛ لإجراء التجارب بحلول منتصف يونيو (حزيران) الجاري». وقد تلقت المنشأة بالفعل طلبات من حوالي 50 مختبرًا لأكثر من 3 آلاف من الفئران، التي تنتج نسخة بشرية من بروتين (ACE2).

ومع أن تلك الفئران المعدلة وراثيًّا من المحتمل جدًّا أن تكون عرضة للإصابة بالفيروسات التاجية الجديدة، فإنها قد تُظهر أعراضًا أخف بكثير من التي أظهرتها لدى الإصابة بفيروس سارس. لذلك؛ اتخذت عالمة الفيروسات كانتا سوبارو، وزملاؤها في المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية، طريقًا آخر طوروا فيه سلالة من فيروس سارس القاتلة للفئران العادية.

صحة

منذ 6 شهور
هل يُنقذ علم الوراثة العالم من جائحة كورونا؟

وقد تمكنوا من فعل ذلك عبر تقنية تسمى المرور التسلسلي، والتي تنطوي على استخراج الفيروس من رئتي فأر مصاب، واستخدامه في تلقيح آخر، ثم تكرار العملية في فئران أخرى. وبعد 15 دورة، ابتكروا سلالة من السارس كانت مميتة بنسبة 100% للفئران. كذلك، مكنت دراسة الطفرات الجينية المعنية العلماء من دراسة كيفية تسبب الفيروس بالأمراض.

وفي الوقت نفسه، تُستخدم سلالة مختلفة من الفئران المهندسة وراثيًّا لتطوير الأدوية. وتشارك شركة «ريجينيرون (Regeneron)» للأدوية بنيويورك، ضمن السباق المحموم لطرح علاج قائم على الأجسام المضادة لفيروس كورونا المستجد. وتعتمد طريقتها على حصد كمية كبيرة من الأجسام المضادة، المُنتَجة من الفئران التي صُممت لإنتاج أجسام مضادة بشرية استجابةً للعدوى الفيروسية. وجدير بالذكر أنه قد جرى استخدام تلك السلالة من الفئران المعدلة سابقًا؛ لإنتاج أدوية لأمراض المناعة الذاتية، والسرطان، وأمراض معدية أخرى، بما في ذلك الإيبولا.

2. القرود.. المعيار الذهبي في اختبار العقاقير واللقاحات

يقول باري روككس، عالم الفيروسات بالمركز الطبي بجامعة إيراسموس في هولندا، إن الرئيسيات غير البشرية تعد المعيار الذهبي عندما يتعلق الأمر باختبار اللقاحات والعلاجات. وتملك القرود نظام مناعة مماثل للبشر، ولذلك تستخدم حاليًا في عديد من الدراسات حول فيروس كورونا في جميع أنحاء العالم. ومن أكثر القرود المستخدمة شيوعًا، قردة المكاك، والمكاك الريسوسي. ويُجري العلماء أيضًا دراسات على القرد الأخضر الأفريقي، وقرد البابون، وقرود القشة.

Embed from Getty Images

في أواخر فبراير (شباط) الماضي، وجد علماء صينيون أن قرود المكاك كانت عرضة للإصابة بفيروس كورونا المستجد، وقد ظهرت عليهم أعراض تشبه الالتهاب الرئوي. ولكن لم يُصب أي منها بالحمى، وكانت الأعراض خفيفة نسبيًّا. ولكن ديف أوكونور، أخصائي علم الأمراض في جامعة ويسكونسن- ماديسون، ومعاونوه أرادوا معرفة ما إذا كان من الممكن إثارة ردود فعل في قرود المكاك تشبه إلى حد كبير الأعراض البشرية الشديدة. لذا؛ استخدم فريقه منظارًا قصبيًّا للأطفال، والذي يستخدم عادةً لفحص مجاري الأطفال الهوائية، لإيداع الفيروس في أعماق رئتي القرود. وقد أظهرت صور الأشعة المقطعية التي التقطوها أضرارًا في الرئة مشابهة لتلك التي تحدث عند البشر.

ولأن عمر المصاب يعد أحد العوامل الرئيسية التي تؤثر في شدة أعراض الفيروس التاجي الجديد لدى البشر؛ يجري بعض الباحثين دراسات على الحيوانات في فئات عمرية مختلفة. ويقود روككس إحدى هذه الدراسات باستخدام قرود المكاك الصغيرة والكبيرة على حد سواء، ولكن لم يظهر أي منها أعراضًا علنية. ويقول روككس: «لا توجد علامات سريرية، لكنك ترى إصابات في الرئة». ويضيف أن هذا النموذج الحيواني قد يكون مفيدًا لاختبار ما إذا كانت الأدوية تُقلل من انتقال المرض، أو لها آثار ضارة. وقد اكتشف هو وزملاؤه وجود مزيد من الفيروسات العالقة لفترة أطول في القرود الأكبر سنًّا، لكن مرض هذه الحيوانات لم يكن أكثر حدة.

فضلًا عن ذلك، يجري الباحثون في معهد تكساس للأبحاث الطبية الحيوية الأبحاث على قرود المكاك، وقردة البابون، وقرود القشة في الوقت ذاته. ويقول ديباك كوشال، مدير مركز جنوب غرب تكساس الوطني لبحوث الرئيسيات: «نقارن العديد من أنواع الرئيسيات غير البشرية، لنرى ما إذا كان بإمكاننا تلخيص نطاق الأمراض الذي لوحظ في البشر». ولا يرى فريقه أيضًا اختلافات كبيرة في شدة المرض مع تقدم العمر.

وأيضًا كانت القرود أساسية في فهم رد الفعل المناعي للفيروس؛ إذ أظهرت دراسة صينية على قردة المكاك في منتصف مارس (آذار) الماضي، بعض الأدلة الأولى على أن الأجسام المضادة الناتجة من عدوى الفيروس المستجد، يمكن أن توفر مناعة ضده. ولكن لم يكن من الواضح إلى متى تستمر هذه المناعة. وقد أظهرت الدراسات البشرية أن بعض الأشخاص، قد لا يطورون ما يكفي من الأجسام المضادة لتوفير المناعة. ومع ذلك، تُعزز النتائج إجراء تجارب نقل بلازما الدم البشرية، والتي يجري العمل عليها حاليًا.

صحة

منذ 5 شهور
اعتمدته أمريكا وطلبت مصر شحنة منه.. ما هو عقار «ريمديسيفير» لعلاج كورونا؟

ومن ناحية أخرى، أظهر فريق أمريكي أيضًا في دراسة ما قبل الطباعة، أن قرود المكاك المصابة بالفيروس المستجد، أظهرت أعراضًا أخف من المرض، لدى إعطائها عقار ريمديسفير، مضاد الفيروسات الذي جرت الموافقة عليه مؤخرًا للاستخدام في حالات الطوارئ في علاج مرضى فيروس كورونا المستجد. كذلك، يجري استخدام قردة المكاك الريسوسي حاليًا في دراسة ما إذا كان من الممكن إعادة الإصابة بفيروس كورونا بعد التعافي من الإصابة الأولى.

وجدير بالذكر، أن أحد عيوب إجراء التجارب على القرود، اقتصار قدرة الباحثين على استخدام أعداد صغيرة نسبيًّا فقط منها؛ بسبب المخاوف الأخلاقية والعملية. وبالتالي؛ لا يمكن دراسة أعداد كبيرة بما يكفي للكشف عن جميع جوانب المرض، أو حتى حساب إحصائيات ذات معنى. ويرجع ذلك لخضوع الرئيسيات غير البشرية لأعلى شريط أخلاقي للبحث؛ لذا تستخدم باقتصاد في التجارب المعملية.

3. الهامستر.. مصل الدم من المتعافين يحارب الفيروس في المصابين

وفقًا لجمعية أبحاث الحيوان الأوروبية، تعد قوارض الهامستر نموذجًا جيدًا لدراسة تأثير الفيروس التاجي في الرئتين؛ إذ يمكن أن تظهر عليها أعراض مشابهة لتلك التي تظهر في الإنسان عند الإصابة بالفيروس. ويجعلها هذا التشابه أيضًا نموذجًا جيدًا لدراسة طرق انتقال الفيروس، وآثاره خاصة في الرئتين، وتطوير العلاجات المناسبة. ولذلك؛ استخدمت هذه الحيوانات في أبحاث سابقة على فيروس سارس.

Embed from Getty Images

مؤخرًا، أجرى العالم جاسبر تشان من جامعة هونج كونج وزملاؤه، دراسة أصابوا فيها ثمانية من حيوانات الهامستر بفيروس كورونا المستجد؛ ولوحظ أن الحيوانات فقدت وزنها، وأصبحت كسولة، ونما لها فرو مكشكش، وانحنى ظهرها، وتسارعت أنفاسها. وقد عُثر على مستويات عالية من الفيروس في رئتي الحيوانات، وأمعائها، والأنسجة المحددة بمستقبل (ACE2). وقال تشان والمؤلفون المشاركون إن هذه النتائج تشبه إلى حد كبير مظاهر عدوى الجهاز التنفسي العلوي والسفلي، الذي يسببه الفيروس في البشر.

وأظهرت النتائج أيضًا أن مصل الدم المأخوذ من الهامستر المتعافي من الإصابة بفيروس كورونا المستجد، يمكن أن يساعد في محاربة الفيروس في حيوانات الهامستر الأخرى المصابة. وقد ساهم فريق تشان في يناير (كانون الثاني) الماضي في واحدة من أوائل الدراسات، التي وثقت انتقال فيروس كورونا المسجد بين البشر، أي من إنسان إلى آخر، وإمكانية حدوث العدوى بدون ظهور أعراض.

4. النمس.. الفيروس ينتقل بالرذاذ لمسافات متباينة

تتشابه فسيولوجيا رئة حيوان ابن مقرض أو النمس مع نظيرتها لدى الإنسان، ويعد معرضًا للإصابة بالفيروس المستجد مثل البشر، ويُظهر أيضًا أعراضًا مشابهة عند الإصابة به، ويمكنه نقل الفيروس إلى قوارض أخرى عبر الهواء. لذلك؛ يُعد هذا الحيوان مناسبًا لدراسة آثار الفيروس وطرق انتشاره، وكثيرًا ما يُستخدم في دراسات الإنفلونزا لأسباب مماثلة.

يقول الباحث داريل فالزارانو، الذي تُركز أبحاثه على الفيروسات التاجية في مركز اللقاحات والأمراض المعدية التابع لمنظمة اللقاحات والأمراض المعدية في جامعة ساسكاتشوان: «إذا أصبت ابن مقرض ببعض فيروسات الإنفلونزا، تظهر عليه أعراض مشابهة جدًّا لتلك التي تظهر عند البشر. إنه في الواقع يسعل ويعطس. وتصاب رئته بأمراض مماثلة». ولكن هذا في حالة الإصابة بالإنفلونزا، وهو ليس متأكدًا بعد من تطابق الأمر نفسه، في حالة الإصابة بالفيروس الجديد.

Embed from Getty Images

وعلى الجانب الآخر، وجد فريق من الباحثين في كوريا الجنوبية أن النمس المصاب بفيروس كورونا المستجد، ترتفع درجة حرارته، وينشأ لديه مرض رئوي طفيف. وأظهرت ورقة بحثية نشرت بعد ذلك بأيام، أن الفيروس يتكاثر بكفاءة فقط في الجهاز التنفسي العلوي للحيوان، بدلًا من الجزء السفلي منه، الأمر الذي لا يعكس المرض الشديد الذي يحدث لدى البشر.

بالإضافة إلى ذلك، وجد الفريق الكوري الجنوبي أدلة على أن ابن مقرض قد يحاكي أحد جوانب الإصابة بفيروس كورونا المستجد، في انتقاله عبر الجهاز التنفسي. وأن الحيوانات التي أصيبت به لم تنقل الفيروس إلى رفاقها في أقفاص القفص وحسب، بل نقلته أيضًا إلى اثنين من ستة قوارض في أقفاص مجاورة.

ومع أن الباحثين يشتبهون في أن الفيروس التاجي الجديد، ينتقل في المقام الأول من خلال قطرات الجهاز التنفسي الكبيرة نسبيًّا التي تسقط بسرعة على الأسطح؛ فإن هذا الاكتشاف يشير إلى أن الجسيمات الدقيقة القادرة على الانجراف في الهواء لفترات أطول وعلى مسافات أطول، يمكن أن تحمل أيضًا فيروسات معدية. وأضاف جاي يونج، المؤلف المشارك في الدراسة: «أن عدوى الهباء الجوي ليست عالية الكفاءة مثل الاتصال المباشر، لكنها ممكنة».

5. الخنازير لاختبار فعالية أنواع جديدة من أجهزة التنفس!

تستخدم الخنازير في اختبار لقاح ضد فيروس كورونا المستجد؛ لمساعدة العلماء في فهم أفضل لمدى سلامة اللقاح الجديد المحتمل وفعاليته، وما إذا كان مناسبًا للتجارب البشرية. ويرجع ذلك لتشابه الجهاز التنفسي والمناعي لدى الخنازير مع نظيره في البشر، ولكونها أيضًا معرضة للإصابة بالإنفلونزا، وإنتاج جهازها المناعي أجسامًا مضادة للفيروس، والتي تتشابه في خصائصها مع تلك التي ينتجها الجهاز المناعي عند الإنسان؛ الأمر الذي سوف يساعد في اختبار نجاح تطوير لقاح ضد الفيروس المستجد. كذلك، تستخدم هذه الحيوانات لاختبار فعالية أنواع جديدة من أجهزة التنفس، قبل اختبارها على البشر.

علوم

منذ 6 شهور
متى سنحصل على مصل كورونا؟

6. الخيول والأحصنة.. البلازما الحيوانية قد تفيد

وعلى صعيد آخر، تعمل شركة «إيمرجنت بايو سولوشنز (Emergent BioSolutions)» على إنتاج علاج مبني على الأجسام المضادة للفيروس التاجي الجديد، ويعتمد على البلازما والأجسام المضادة من الخيول. وقد استخدمت الشركة بنجاح هذا النهج من قبل؛ لإنتاج علاجات للتسمم السُجقِّي (تسمم بوتولينوس). ولطالما استُخدِمت الأجسام المضادة للخيول منذ فترة طويلة ضد الخناق (الدفتريا). وقالت لورا ساوارد، عالمة البلازما في الشركة: «إذا لم يكن لديك مصدر بشري للبلازما، يمكنك النظر إلى هذه الأنظمة الحيوانية التي تمنحك مصدرًا ثابتًا. يمكنك الحصول على القليل من البلازما من الحصان».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد