نشر الباحثان فاطمة عادل وعمر رمضان دراسة في مركز كارنيجي للشرق الأوسط تناولت الحركة العمالية في مصر ما بعد حركة الجيش في يوليو، والقيود الجديدة التي فرضها النظام الجديد بخصوص تحركات العمال ومطالبهم. وحاولت الدراسة رسم الملامح الرئيسة لتعامل النظام الجديد في مصر مع العمال، مع محاولة لاستشراف مستقبل الحركة العمالية في مصر وفقًا لمستجدات المرحلة.

ونشر المركز دراسته تحت عنوان “السلطوية منخفضة التكاليف: نظام السيسي والحركة العمالية في مصر”، وجاءت في زهاء 7000 كلمة نستعرض أبرز عناصرها من خلال التقرير التالي.

(1) كيف تطورت العلاقة بين الدولة والحركة العمالية في مصر؟

1- وفقًا للدراسة، نشأ الاتحاد العام لنقابات عمال مصر في بداية الخمسينيات من القرن الماضي، كإستراتيجية تحتكر من خلالها الدولة الناصرية تمثيل العمال، وقام العقد الاجتماعي بين الدولة والعمال في هذه الحقبة على مبادلة الحريات السياسية مقابل الامتيازات الاقتصادية، حيث قامت الدولة بحظر التعدد النقابي وحق الإضراب وأنشأت كيانًا موحدًا خاضعًا لسطلتها، وفي مقابل ذلك أعطت العمال امتيازات وظيفية شملت التوسع في التعيين في القطاع العام والمشاركة في مجال إدارات الشركات.

“المحلة: احتجاجات 6 أبريل 2008”

 

2- نجحت الحركة العمالية في اكتساب بعض المساحات الخاصة بها بداية من عام 2004، وبدأ العمال في تأسيس نقابات مستقلة لهم: نقابة العاملين بالضرائب العقارية، ونقابة المعلمين، ونقابة الفنيين الصحيين، ونقابة أصحاب المعاشات، رغم عدم الاعتراف الرسمي بها. وجاءت الصحة العمالية في ذلك التوقيت متأثرة بالعديد من العوامل وعلى رأسها موجة خصخصة الشركات، وتآكل أجور العمال بفعل التضخم، وارتفاع الأسعار، وكانت أبرز تحركات العمال في ذلك الوقت هو إضراب 6 أبريل الشهير عام 2008. وكانت الحركة أحد المكونات الفاعلة لثورة يناير إلا أن أنظمة ما بعد الثورة لم تمنحها الكثير.

3- لم تقدم دولة ما بعد الثورة أي جديد يتعلق بالترتيبات المؤسسية أو بحرية التنظيم النقابي أو حتى الحد الأدنى للأجور. تم الاحتفاظ بالإطار المؤسسي للنقابية الحكومية، ووفقًا للدراسة فقد استمرت الإستراتيجية ذاتها خلال فترة حكم الرئيس الإخواني محمد مرسي التي لم تقدم ضمانات للتعدد النقابي في دستور عام 2012 وتم دمج عناصر الإخوان ضمن الإطار النقابي الحكومي الذي تسيطر عليه الأرستقراطية العمالية لدولة مبارك، وسعى الاتحاد الحكومي إلى وقف الإضرابات باسم دوران عجلة الاقتصاد الوطني.

4- تفاقمت أوضاع الحركة العمالية مع صعود نظام سلطوي مدعوم من الجيش في عام 2013، حيث تمت مصادرة المجال العام للحركة العمالية وأخضعت إلى رقابة أمنية لصيقة تزامنًا مع ارتفاع وتيرة القمع العام الموجه بحق جميع الحركات السياسية، كما طال النقابيين المستقلين العديد من إجراءات الاعتقال والمحاكمة والفصل التعسفي.

5- في مقابل العقد الاجتماعي الناصري، لم تقدم دولة 3 يوليو للعمال أي مكاسب اقتصادية، بل خفضت الدعم الحكومي لهذه الطبقة ولم تستهدفهم بزيادات الأجور أسوة بالجهاز الإداري للدولة، إضافة إلى تمرير قانون الخدمة المدنية الذي ينتقص من مميزات العمال. كما بذلت الدولة جهودها لتهميش النقابات المستقلة لصالح الاتحاد النقابي الحكومي، ونزع الشرعية عنها في مشروع قانون العمل الجديد. كما جرى استيعاب الحركة النقابية المستقلة داخل النظام بتعيين الناشط كمال أبو عيطة كوزير للقوى العاملة في حكومة حازم الببلاوي.

(2) كيف قوضت دولة ما بعد 3 يوليو النقابات العمالية المستقلة؟

1- في أعقاب الإطاحة بمبارك، أعلن وزير العمل أحمد البرعي اعترافه بحق العمال في تأسيس نقاباتهم، إلا أن الأمر لم يترجم باعتراف رسمي كامل من الدولة بهذه النقابات التي فشلت في استكمال هياكلها التنظيمية، ولم يتم تمثيل هذه النقابات في المجلس القومي للأجور، كما لم تُمثَّل في مجلس إدارة صندوق الطوارئ أو في مجالس إدارة شركات القطاع العام وقطاع الأعمال العام. كما تم تحجيم مسألة قيام النقابات المستقلة بالتفاوض نيابة عن العمال في مواقعها بذريعة أن قانون العمل يحصر هذه المسؤولية في الاتحاد الحكومي.

2- استمرت البيروقراطية الإدارية في تعويق عمل النقابات المستقلة سواء في أمور الاشتراكات أو حتى بعدم الاعتراف القانوني بها الذي وصل إلى اتهام نقابيين مستقلين أمام القضاء بانتحال صفات غير قانونية، وتم تعطيل قانون الحريات النقابية أكثر من مرة من قبل المجلس الحاكم بعد ثورة يناير، واتسع نطاق استهداف النقابيين المستقلين في منشآت القطاع الخاص، وتمت ممارسة الفصل التعسفي بحقهم في أكثر من حالة وثقتها الدراسة.

3- وظهر اتجاه قصر التمثيل النقابي على الجهات الحكومية واضحًا مع حكومة إبراهيم محلب، فتم استبعاد ممثلي النقابات المستقلة تمامًا من تشكيل المجلس القومي للأجور بعد أن كانوا يمنحون حق الحضور دون التصويت في عهد حكومة الببلاوي، وتكرر الأمر مع مجلس إدارة هيئة التأمينات؛ حيث تم تقليص ممثلي العمال من 4 ممثلين في عهد الببلاوي إلى ممثل وحيد هو رئيس الاتحاد، كما صدر قانون الخدمة المدنية لعام 2015 دون التشاور مع أي نقابات، ولم ينص القانون على أي من الحقوق المفترضة مثل حقوق التنظيم أو التمثيل أو التعددية النقابية، كما لم توجه الدعوة إلى أي من القيادات النقابية المستقلة لحضور حفل عيد العمال الأخير.

(3) إذًا، كيف قامت الدولة بتحجيم الإضرابات العمالية؟

1- وفقًا للدراسة، بدأت عملية تحجيم الحركة العمالية بعد ثورة يناير مبكرًا عبر تشويه الإضرابات العمالية وتصويرها على أنها عملية تعطيل لحركة الإنتاج، قبل أن تصدر قوانين لتجريم الإضراب منذ عام 2011 رغم فشل الدولة في تطبيقها مباشرة بسبب ضعف آلتها القمعية.

ويظهر الرسم البياني ارتفاعًا ملحوظًا في وتيرة الإضرابات العمالية بعد الثورة (رغم كونها مجرمة قانونًا) قبل أن تشهد انخفاضًا حادًا في النصف الثاني من عام 2013، بسبب عودة آلة الدولة القمعية بعد 3 يوليو، وصدور قانون مغلظ للتظاهر والتجمعات عام 2013، ثم قانون تأمين المنشآت العامة للعام 2014 الذي يعرض مخالفه للمحاكمة العسكرية. كما صدرت أحكام قضائية بإحالة موظفين إلى التقاعد وتأجيل الترقيات الخاصة بآخرين بسبب مشاركتهم في تحركات عمالية. كما سجلت حالات فض اعتصامات وإضرابات بالقوة بلغت حد إطلاق الرصاص الحي على العمال المضربين.

ويظهر الشكل البياني الانخفاض الحاد في أعداد الإضرابات العمالية ما بين النصفين الأول والثاني من عام 2013؛ حيث تقلصت النسبة إلى 18% فقط في النصف الثاني من العام مقارنة بالنصف الأول بسبب سياسات التخوين والإجراءات القمعية الموسعة.

(4) ما هي الإستراتيجيات الأخرى التي اتبعتها الدولة لتقويض الحراك في القطاع العمالي؟

1- استيعاب رموز الحركة النقابية ضمن الجهاز الحكومي

تم تعيين كمال أبو عيطة أول رئيس لنقابة مستقلة في مصر ورئيس اتحادات النقابات المستقلة في منصب وزير القوى العاملة، كما تم تعيين النقابي المستقل كمال عباس عضوًا في المجلس القومي لحقوق الإنسان، وهو ما مكن سلطة 3 يوليو من تغليب العناصر النفعية والحصول على اعتراف بالنظام، فضلًا عن الطعن في مصداقية هذه القيادات والرموز التي شاركت في تبني توجهات الدولة مثل الدعوة للتصويت بنعم على دستور 2014 على الرغم من هضمه التام لحقوق العمال.

2- تجزئة مطالب الحركة العمالية

تم إعطاء امتيازات للعاملين في الجهاز الإداري للدولة على حساب العاملين في القطاعين العام والخاص، قد ظهر هذا التعامل غير المتكافئ بشكل واضح في قضية الحد الأدنى للأجور، والذي لم يطبق على كافة العاملين بالدولة؛ حيث تم استبعاد العاملين في الهيئات الاقتصادية والخدمية والعاملين في شركات قطاع الأعمال العام وأصحاب المعاشات، فضلًا عن أن الدولة لم تلزم القطاع الخاص بقرار مماثل، في حين أن 71% من قوة المشتغلين في مصر تعمل في القطاع الخاص.

3- تقليص امتيازات العمال ومكاسبهم

تراجعت مكاسب العمال بعد 30 يونيو إزاء أصحاب الأعمال بما في ذلك الحكومة، وظهر ذلك في قانون الخدمة المدنية الذي ظهر عشية المؤتمر الاقتصادي في مارس 2015، والذي سهل التخلص من العمال عبر منح سلطات الفصل للمديرين دون المحكمة الإدارية.

كذلك ألغى دستور عام 2014 الحصة الإلزامية للعمال والفلاحين في مجلس الشعب، وهي من مكتسبات العهد الناصري. كما كان تمثيل العمال ضعيفًا في صياغة دستوري 2012 و2014 (3 أعضاء من مائة في 2012 وعضو واحد من 50 في عام 2014).

كذلك تثور حالة كبيرة من الجدل بشأن مسودة قانون العمل البديل بسبب غياب الحوار المجتمعي حولها، وانسحاب النقابات المستقلة من ناحية، وما تتيحه المسودة من صلاحيات الفصل التعسفي وتقنين العمالة غير الرسمية عبر شركات توريد العمالة حيث تحرم العمالة من الكثير من حقوقها. إضافة إلى تجريم الاعتصام وتقييد الإضراب.

(5) ختامًا، ما هي السياسة التي يحاول نظام ما بعد 3 يوليو ترسيخها في تعامله مع العمال؟

يرسخ النظام البعد القمعي كبعد رئيسي في مقاربته للمسألة العملية، ويأتي ذلك في سياق التنامي الدعوة إلى الاصطفاف الوطني ضد الإرهاب، ما يظهر الحراك العمالي في ثوب الخيانة، حيث يسعى النظام إلى مقاربة ثنائية في التعامل مع الأول تشمل استيراد بنية الدولة الناصرية القديمة في تقييد الحرية النقابية، ومصادرة حق الإضراب واحتكار التمثيل للجهات الحكومية، لكنه في المقابل لا يقوم بمنح العمال أيًّا من الامتيازات الاقتصادية للعهد الناصري؛ ما يعني اتباع الناصرية السياسية فيما يتم تجاهل الناصرية الاقتصادية، وفقًا لما ورد في الدراسة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد