مع عالمٍ وصل عدد سكانه إلى سبعة مليارات نسمة, ومع ازدياد الجدل حول الاحتباس الحراري والتغيرات المناخية, ومع التطور الصناعي المتطلّب وازدياد الطلب على الموارد الطبيعية يومًا بعد يوم, أصبح من المخيف أن الإنسان العصري قد لا يلتفت إلى مقدار الدمار الذي يخلّفه من ورائه على هذا الكوكب، ومن المثير للقلق أن التأثيرات السلبية للحضارة البشرية – في عدة عقود فقط – قد تمكنت من إحداث تغييرات جذرية غير قابلة للإصلاح فيما يختص بالمسطحات المائية كالبحار والأنهار والبحار.

في هذا المقال, وبمناسبة يوم المياه العالمي الذي يصادف الثاني العشرين من مارس من كل عام, سنكتشف أبرز المعالم المائية التي جفّت أو اختفت بالكامل حول العالم.

بحر آرال

هو بحر داخلي يقع في آسيا بين دولتي كازاخستان وأوزباكستان, وكان يعتبر رابع أكبر بحيرة مالحة في العالم حتى عام 1960, ففي تلك الفترة قرر السوفييت أن يحوّلوا مجرى عدة أنهار كانت تغذي هذا البحر في سبيل التوسع في زراعة المحاصيل الزراعية, وخاصة القطن، ومنذ ذلك الحين أخذ منسوب بحر آرال في الانخفاض التدريجي وجفت مساحات واسعة منه إلى أن وصلت مساحته حاليًا إلى 10% فقط من مساحته السابقة قبل حلول الكارثة.

وتعتبر كارثة جفاف بحر آرال من أضخم الكوارث البيئية التي حلت في العالم, وتركت العديد من المشاكل الاقتصادية والصحية في المنطقة المحيطة، ويكفي أن نعرف أن الآلاف من العاملين في مجال الصيد قد فقدوا مصدر رزقهم للأبد، كما تسبب الجفاف في ترك طبقات الأملاح والمبيدات التي تكدست عبر عشرات السنوات عرضة للرياح والعواصف, مما أدى إلى تلوث الهواء بهذه المواد السامة وأثّر مباشرة في ازدياد نسب الإصابة بسرطان الحنجرة وأمراض التنفس لدى السكان المحيطين بالبحر الجاف.

صورة بالقمر الصناعي لبحر آرال بين عامي 1989 و2008 (المصدر: Wikipedia)

بحيرة أورميا

وهي بحيرة مالحة تقع في الشمال الغربي لإيران, كانت تعتبر سادس أكبر بحيرة مالحة في العالم والأكبر في الشرق الأوسط، كما أنها تعتبر البيئة الطبيعية للعديد من الكائنات النادرة من الزواحف والبرمائيات والكائنات البحرية والطيور.

بدأ الجفاف يُلاحظ في البحيرة بعدما تزايد بناء السدود بشكل غير مدروس على الأنهار والروافد العديد التي تصب في البحيرة، بالإضافة لسوء استهلاك المياه في الأغراض الزراعية, والتوسع في الإنشاءات على حساب الاعتناء بالبيئة.

صورة بالقمر الصناعي لبحيرة أورميا بين عامي 1985 و2010 (المصدر: موقع ناسا)

بحيرة تشاد

من أكبر البحيرات العذبة في قارة إفريقيا, وتقع على حدودها دول النيجر, ونيجيريا, والكاميرون وتشاد. وبحسب تقرير للأمم المتحدة, فإن مساحتها قد نقصت تدريجيًّا منذ عام 1963 إلى 1998, إلى أن وصلت الآن إلى جفاف ما نسبته 95% من مساحتها الأصلية.

ويعزو الخبراء هذا النقص الحاد في منسوب المياه في البحيرة إلى العشوائية في بناء السدود وقلة التنسيق بين الدول المحيطة بالبحيرة من ناحية توزيع الحصص لأغراض الزراعة وما شابه، كما أن التغييرات المناخية في المنطقة قد زادت من معدل تبخّر الماء, وكل هذه العوامل مجتمعة قد ساهمت في جفاف البحيرة وقد تصل إلى اختفائها تمامًا من الخارطة الإفريقية.

صورة بالقمر الصناعي لبحيرة تشاد, أعوام 1972 (اليسار), 1987 (الوسط) و2002 (اليمين). (المصدر: موقع ناسا)

البحر الميت

تعد منطقة البحر الميت والأغوار الأكثر انخفاضًا في العالم (حوالي 400 متر تحت مستوى سطح البحر), كما أن ارتفاع نسبة الأملاح به تعد الأعلى في العالم, وهو ما يجعل من معيشة الكائنات البحرية فيه أمرًا مستحيلاً, ومن هنا جاءت تسميته بالبحر الميت.

هو أيضًا قد تعرض في العقود الأخيرة إلى الجفاف وانخفاض منسوب المياه فيه عامًا بعد عام, ويُرجع البعض هذا الانخفاض بسبب قلة الأمطار في المنطقة عمومًا وعلى مرتفعات الجولان التي تغذي نهر الأردن, وهذا بدوره يصب مرة في بحيرة طبريا (ذات المياه العذبة) ومرة في البحر الميت.

صورة بالقمر الصناعي للبحر الميت بين عامي 1972 و2011. (المصدر: موقع ناسا)

بحيرات داخلية في الولايات المتحدة

تتعرض العديد من البحيرات الداخلية (على سبيل المثال لا الحصر, بحيرة تولار وبحر سالتون وهما الأكبر في كاليفورنيا, بحيرة والكر وبحيرة ميد في ولاية نيفادا) للجفاف لأسباب تقارب ما حدث البحيرات السابق ذكرها, من حيث بناء السدود وتغيير مجرى الأنهار التي تصب فيها لأغراض زراعية, ولاستهلاك البلدات والمدن المحيطة.

نهر كولورادو

يقع على الحدود الجنوبية للولايات المتحدة والشمالية للمكسيك, وهو من أطول الأنهار في قارة أمريكا الشمالية (يبلغ طوله حوالي 2,400 كم) ويعتمد عليه ما يقرب من 30 مليون نسمة كمصدر للماء العذب اللازم في الزراعة والصناعة وتوليد الكهرباء والحياة اليومية عمومًا.

وقد لوحظ انخفاضه المستمر على مر السنوات, إلى أن توقف عن الوصول إلى مصبه الطبيعي المعتاد, وأدى الانحسار إلى ترسب الأملاح على ضفتيْ النهر, مسببًا ما يعرف بـ “العواصف الملحية” التي تحمل موادًّا سامة تضر بالتنفس وملوثة للهواء, كل هذا بالإضافة لهلاك الكائنات الحية وتأثُر السلسلة الحيوية في المنطقة برمتها.

أخيرًا, تجدر الإشارة إلى قيام العديد من المنظمات الدولية والمهتمة بالبيئة بالعديد من حملات التوعية وجمع التوقيعات وما شابه, محاولةَ لإنقاذ البيئة في الأماكن المتضررة السالف ذكرها, ويهتم الأمين العام للأمم المتحدة شخصيًّا بهذا الملف، وقد تنجح بعض هذه المحاولات في حشد الرأي العام وإجبار الحكومات على تطبيق حلول مناسبة وأكثر إدراكًا للخطر المحيط بالمسطحات المائية, إلا أن العديد من تلك الأضرار قد اتخذت أثرًا غير قابل للتحسن مهما كانت الجهود المبذولة لحلها.

 


 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد