توفي أمس الأربعاء، الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني) لخضر بورقعة، أحد كبار القادة الثوريين أثناء حرب التحرير الجزائرية (1954- 1962). وبالإضافة إلى قتاله في صفوف «جبهة التحرير الوطني» أثناء الثورة التحريرية في الولاية الرابعة وسط الجزائر، يعد بورقعة أحد أبرز المعارضين لنظام الحكم الجزائري منذ الاستقلال.

عارض نظام الرئيس بن بلة من خلال تأسيسه لـ«جبهة القوى الاشتراكية» بالإضافة إلى معارضته نظام الرئيس بومدين ودخوله السجن بسبب ذلك، كما تحوَّل إلى رمز للحراك الشعبي الذي أسقط الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، وذلك بعد تأييده للحراك وانتقاده السلطة الفعلية الحاكمة بعد رحيل بوتفليقة، التي ردَّت بسجنه في سنِّ 86 سنة، وهو ما حوَّله – في أعين محبِّيه – إلى رمز للنضال  ضد الاستعمار والاستبداد، حسب تعبيرهم.

«شاهد على اغتيال الثورة».. المناضل يروي تفاصيل صراع الأشقاء

التحق لخضر بورقعة بصفوف الثورة التحريرية وتدرَّج في صفوفها ليصل إلى رتبة «رائد» في الولاية الرابعة الواقعة في وسط الجزائر، وذلك تحت قيادة محمد بوقرة، وقد شارك في العمليات القتالية في جبال بوزقزة ومنطقة متيجة، وغيرها من المواقع الاستراتيجية بحكم قربها من العاصمة.

تاريخ وفلسفة

منذ سنتين
مؤتمر الصومام.. الاجتماع الذي غيّر مجرى الثورة التحريرية في الجزائر

كان بورقعة شاهدًا من الداخل على تحوُّلات الثورة والمواقف الصعبة التي عاشتها، بالإضافة إلى الخلافات بين القادة الثوريين العسكريين والسياسيين، وكذا الانقلابات والاغتيالات التي حصلت داخل الثورة؛ وهو ما وثَّقه بالتفصيل في مذكراته التي عنونها بعنوان قوي وبليغ: «شاهد على اغتيال الثورة»، ويحكي فيه تفاصيل الصراع بين القادة الثوريين بعد مؤتمر الصومام، ثم اشتداد الصراع على السلطة قبل أشهر من الاستقلال وبعده.

يؤكد بورقعة اتهام الضبَّاط الجزائريين المنحدرين من الجيش الفرنسي، والذين يمتلكون الكفاءة والمهارة ولكن «يفتقدون للروح الوطنية»، في اغتيال الثورة وانحرافها عن أهدافها حسب قوله؛ وقد طالب بتحييد هؤلاء وإلغاء الحكم الفردي والقيام بإصلاحات في عهد كل من الرئيسين بن بلة وبومدين، وقد تعرَّض بسبب ذلك للسجن.

الأمير خالد - الجزائر

مباشرة بعد الاستقلال، كان بورقعة شاهدًا مباشرًا على «صراع السلطة» بين الأشقاء الثوريين، والسباق المحموم للسيطرة على العاصمة بين مختلف الأطراف الثورية، وعلى رأسها جماعة تلمسان بقيادة الهواري بومدين وبن بلَّة من جهة، وجماعة تيزي وزو بقيادة آيت أحمد ومحمد ولحاج من جهة أخرى، أو ما تعرف باسم «حرب الولايات»؛ وقد كانت الولاية الرابعة التي قادها لخضر بورقعة رفقة امحمد بوقرة بين طرفَي كماشة؛ إذ إنها قريبة من العاصمة التي تتنافس  جميع الأطراف في السيطرة عليها.

وبالتالي فقد كانت هذه الولاية في مسرح للحرب بين رفقاء السلاح. حاول بورقعة في هذه الفترة العمل على إطفاء «الحرب الأهلية» بين الولايات من خلال لقاءات مطولة مع قادة الولايات، لكن هذه الجهود فشلت وانتهت الحرب بسيطرة جماعة تلمسان بقيادة بن بلة وبومدين على العاصمة، وبالتالي السيطرة على السلطة.

الرائد بورقعة رفقة العقيد عميروش

 عمل بورقعة لفترة وجيزة مع النظام الجديد داخل الجيش، ثم المجلس التأسيسي بعد الاستقلال، لكن الهوَّة بين القيادة والمجاهد كانت تتَّسع بسرعة بحسبه، ليقرِّر الخروج من فلك السلطة والالتحاق بالمعارضة؛ إذ ساهم في تأسيس أحد أكبر الأحزاب المعارضة «جبهة القوى الاشتراكية»، رفقة آيت أحمد ومعارضين آخرين من قدماء جبهة التحرير الوطني.

وكانت مطالب الجبهة المعارضة تتمثَّل في إلغاء الحكم الفردي وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين والقيام بإصلاحات سياسيَّة، وقد تركز أعضاء الجبهة في جبال منطقة تيزي وزو الوعرة، وكان عناصرها مسلَّحين، وهو ما عدته السلطة حركة انفصالية تهدف لتقسيم البلاد بالقوة؛ لكن الاتصالات بين الجبهة المعارضة والنظام لم تتوقَّف، ولم تحدث معارك قتالية دموية بين الطرفين.

 جاءت حرب الرمال سنة 1963 لتكون مناسبة لبداية محادثات بين السلطة وجبهة القوى الاشتراكية، إذ أراد آيت أحمد وبورقعة المساهمة في رد العدوان المغربي على الجزائر المستقلة حديثًا من وجهة نظرهم، وهو ما حدث بالفعل؛ إذ شاركت قوات من الجبهة بورقعة في العمليات العسكرية ضد القوات المغربية، واتحدت مع الجيش الجزائري.

لكن خلاف الرائد لخضر بورقعة مع نظام هواري بومدين وتورُّطه في المحاولة الانقلابية الفاشلة لوزير الدفاع طاهر زبيري سنة 1967، جعلته في مرمى النظام وتحت مراقبته اللصيقة، وبعد اجتماعات في الخارج مع القائد الثوري المعارض كريم بلقاسم الذي كان يسعى إلى قلب النظام، جرى اعتقال لخضر بورقعة والحكم عليه بالسجن لمدة 30 سنة، قضى منها سبع سنين خلف القضبان، حيث تعرَّض لمختلف أنواع التعذيب حسب شهادته، قبل أن يُطلق سراحه.

ابتعد بعد ذلك عن ممارسة السياسة طوال تلك الفترة. وقد جمعت «السي لخضر» بقائد أركان حرب القوات المسلحة المصرية أثناء حرب أكتور 1973، الفريق سعد الدين الشاذلي صداقة حميمة، أثناء إقامة الأخير في الجزائر، إذ قدَّم له مذكراته المذكورة سابقًا.

من مجابهة الاستعمار إلى مقاومة الاستبداد.. بورقعة والشباب

أرفض أي مسعى للإفراج عني قبل الإفراج عن شباب الحراك كلهم دون استثناء، لو عُرض علي الإفراج سأرفضه *بورقعة أثناء حبسه الأخير

بعد أكثر من 60 سنة من انطلاق ثورة التحرير التي شارك فيها بورقعة، معتصمًا في جبال بوزقزة الواقعة في منطقة الوسط؛ وجد «السي لخضر» مرة أخرى في مفترق طرق، بين أن يبقى صامتًا أمام الثورة الشعبية التي تطالب برحيل الرئيس بوتفليقة وإلغاء العهدة الخامسة للرئيس المريض، فاختار الانحياز للشعب وأعلن مساندته للحراك الشعبي، كما كرَّر قناعته الراسخة التي وثَّقها في كتابه «شاهد على اغتيال الثورة» وفي لقاءاته الصحفية وظهوره الإعلامي، وذلك بالتصريح بأن النظام السياسي الجزائري «غير شرعي من الاستقلال إلى يومنا هذا».

بالإضافة إلى انتقاده لقائد أركان الجيش، والحاكم الفعلي في تلك المرحلة، الفريق أحمد قايد صالح؛ إذ عده «محافظًا سياسيًّا» لبوتفليقة منذ العهدة الرابعة، كما صرَّح بالقول: «إنه يتهم الشارع بأنه محرك من أطراف خارجية، رغم أنه هو من يسافر للإمارات، ويرسل شركاءه إلى أوروبا».

هذا التصريح، الصادر عن قامة ثورية كبيرة، والذي جاء في ظرف دقيق متمثل في مظاهرات الحراك الشعبي، أدى بالعقيد البالغ من العمر 85 إلى دخول السجن مجددًا في آخر أيام حياته، وعمدت الصفحات الإلكترونية في مواقع التواصل الاجتماعي، وكذا بعض وسائل الإعلام القريبة من السلطة إلى التشكيك في مشاركته في الثورة واتهامه بانتحال صفة الغير.

في نظر محبِّيه، فإن لخضر بورقعة من خلال تأييده للحراك الشعبي الذي انطلق في 22 فبراير (شباط) 2019 ضد الرئيس بوتفليقة، أعطى هذه الحركة الاحتجاجية بُعدًا تاريخيًّا مرتبطًا بثورة الفاتح نوفمبر 1954؛ خصوصًا أن النظام السياسي الجزائري لطالما اعتمد منذ الاستقلال على «الشرعية الثورية» مصدرًا لشرعنة وجوده في الحكم بوصفه حاملًا لقيم الثورة التحريرية، كما اعتمد على تأييد منظمات المجاهدين مصدرًا للشرعية.

وبالتالي فإن انخراط بورقعة في الحراك الشعبي ومساندته لمطالبه كانا مصدر إزعاج كبيرين للنظام، ولذلك فقد وصل الأمر بالسلطة الحاكمة آنذاك إلى الطعن في حقيقة مشاركة بورقعة في الثورة، واتهمته بانتحال صفة مجاهد آخر، ونشرت هذه الإشاعات في التلفزيون الوطني، وهو ما أثار استياء الكثيرين.

رفع المشاركون في الحراك الشعبي صور المجاهد الثوري في المسيرات الاحتجاجية، وصرخت الحناجر هاتفة باسمه ومطالبة بإطلاق سراحه، وتحوَّل بيته إلى مزار لنشطاء الحراك من جميع المحافظات الجزائرية، لتصبح صورته أيقونة للنضال المزدوج ضد الاستعمار والاستبداد، حسب محبِّيه.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد