اعتاد الشعب الجزائري منذ أعوام، على خروج وزير الخارجية الأسبق، الأخضر الإبراهيمي، بعد زياراته المترددة والمعلنة للرئيس عبدالعزيز بو تفليقة، مرتديًا ربطة عنقٍ زرقاء بمختلف درجاتها، وهو يضع يديه خلف ظهره، ليبدأ بشكر الرئيس بوتفليقة الذي سمح له وأعطاه بعضًا من وقته، للنقاش حول أوضاع المنطقة، واستمع لبعض الاتصالات الذي يجريها بوتفليقة على أساسٍ شخصيّ، ثم لا يلبث أن يمرر في نهاية حديثه للشعب الجزائري؛ رسالة الاطمئنان الذي اعتاد عليها الشعب، ويقول: «في تحسن في صحته، ممكن بطيء، ولكن واضح».

ليلة أمس، وبعد إعلان الرئيس بوتفليقة عدم ترشحه للولاية الخامسة، ودخول بلاده لفترة حكم انتقالي أو ما يدعوه بوتفليقة بمرحلة الإصلاح الدستوري، تحت إشراف ندوة وطنية. طل الإبراهيمي مرة أخرى بطلته الكلاسيكية، وبعد الشكر، ورسالة الاطمئنان؛ يُخبر الشعب الجزائري، وخاصة الشباب، أنّ هناك قرارات مترقبة من الرئيس، ويقول: «وأنا من هُنا أطلع متفائل، أنّ صوت الجماهير وخاصة الشباب مسموع وأنّنا بصدد مرحلة جديدة، وبناءة، تعالج الكثير من مشاكلنا، ستبدأ في المستقبل القريب جدًا».

نسلط الضوء في هذا التقرير على أهم محطات الأخضر الإبراهيمي ودوره محليًا في الجزائر، ودوليًا في الأمم المتحدة والجامعة العربية.

مبعوث جبهة التحرير إلى جنوب آسيا

وُلد الإبراهيمي في يناير عام 1934، ببلدة العزيزية جنوب العاصمة الجزائرية، ونشأ وسط عائلة ثريّة، وبعد وفاة والده؛ انتقل للعيش عنده أخواله، والتحق بأحد المدارس الأهلية في مدينة عين بسام. وبعد تخرجه من المدرسة، أكمل دراسته الجامعية في العلوم السياسية والحقوق في الجزائر، لينتقل بعدها إلى فرنسا لإكمال دراسته الجامعية. لدى الإبراهيمي ثلاثة أولاد، منهم ابنته ريم الإبراهيمي، مراسلة «سي إن إن» السابقة إبان الحرب العراقية، وقرينة الأمير علي بن الحسين الهاشمي.

أثناء فترة تعليمه في فرنسا، انخرط الإبراهيمي مع «جبهة التحرير الوطني»، الحزب الذي مثَّل جيش التحرير الوطني سياسيًا قبل الاستقلال.عُيّن الإبراهيمي عام 1956، وعمره 22 عامًا، ممثلًا عن «جبهة التحرير» في جنوب آسيا. وهُنا؛ كانت بداية عمله الدبلوماسي، عندما كان يتنقل بين جاكاراتا، وأفغانستان، وسيطًا بين الأطراف المتنازعة. وكما تصُنفه مجموعة حكماء العالم أنّه «محارب الحرية». يذكر الإبراهيمي في مقابلة له عندما سُئل عن مهمته الدبلوماسية في جنوب آسيا: «جعلني عنفوان الشباب أظن بأنّي أعرف كل شيء، وعندما أنظر إلى استلامي مهمة مبعوث جبهة التحرير في جنوب آسيا في عمر الـ22 عامًا أشعر بالحرج!».

شغل الإبراهيمي مناصب سياسية كثيرة، حكومية وغير حكومية. وفي مسيرته السياسية في الجزائر، شغل منصب وزير الخارجية عام 1991 إلى 1993. وعمل قبلها سفيرًا لبلاده في المملكة المتحدة ومصر والسودان.

والإبراهيمي كان أحد الوسطاء في اتفاقية الطائف، أثناء تعيينه مبعوثًا للجامعة العربية عام 1989 في لبنان، وُقعت الاتفاقية بعد انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية، ووزعت السلطات بين الأطراف اللبنانية المختلفة. واستمر عمله مع الأمم المتحدة، مبعوثًا رسميًّا، أو مستشارًا خاصًا في العراق، وأفغانستان، وجنوب أفريقيا، وكانت محطته الأخيرة عام 2012، مبعوث السلام للأمم المتحدة في سوريا خلفًا للأمين العام السابق كوفي أنان.

استقال الإبراهيمي من منصبه مبعوثًا للأمم المتحدة بعد سنة ونصف، بعد جهود حثيثة للوصول إلى اتفاق بين النظام السوري والمعارضة، وكان للإبراهيمي دور كبير في مؤتمر جنيف الثاني، بين حكومة الائتلاف والنظام السوري، الذي لم يجنِ ثماره. وفي مقابلة له مع الجزيرة الإنجليزية: «لم يكترث أحد لمصلحة الشعب السوري، فجميع الأطراف الدولية كان تنظر إلى مصلحتها في المنطقة، رغم محاولاتنا بإقناعهم بأنّ مصالحكم السياسية هي من مصالح الشعب». ويضيف أيضًا: «كانت روسيا تعرض الحل الواقعي للأزمة في سوريا».

للإبراهيمي، وجهٌ آخر غير معلن عنه، فقد ذكر السفير الفرنسي السابق في كتابه «الشمس لا تبزغ من الشرق»، أنّ الإبراهيمي كان رجل أمريكا أثناء الغزو العراقي، وأنّه أحد الممهدين لأمريكا في حربها الثانية ضد صدام حسين. وذلك بالرغم من تصريحاته الرسميّة؛ بأنّ أمريكا هي من أفشلت الدولة العراقية، ومهدت لخروج داعش في العراق.

العشرية السوداء.. الإبراهيمي يحرس العسكر في الخارج

أعتبر نفسي دبلوماسيًا، ولكنّ دبلوماسي يعمل في العالم الثالث. *الأخضر الإبراهيمي

كانت العشرية السوداء في الجزائر، حدثًا صعبًا، حمل معه ذكرياته المؤلمة للشعب الجزائري، وألغى مسار النظام الديمقراطي، وحملت ذكريات العشرية معها، رموزًا كانت ولا زالت جزءًا من المشهد السياسي الجزائري.

قبيل انقلاب الجزائر، عام 1991، تسلَّم الإبراهيمي مهمة وزير الخارجية الجزائري، وبحسب الناشط السياسي والدبلوماسي السابق، محمد العربي زيتوت، فقد لعب الإبراهيمي دورًا كبيرًا في تسويق الإنقلاب العسكري داخليًا وخارجيًا، وبعد سيطرة العسكر على المشهد السياسي، استمر سعيه التسويقيّ خارجيًا، لإعطاء النظام شرعيةً دولية، والسماح له لأنّ يكون لاعبًا إقليميًا ودوليًا.

الناشط السياسي العربي زيتوت عن الأخضر الإبراهيمي

ضمن الفرح الجماهيري للشعب الجزائري، بإعلان بوتفليقة عدم ترشحه للولاية الخامسة، لم تكن ردة فعل الشعب إيجابية بشكل عام، تجاه تعيين الأخضر الإبراهيمي، رئيسًا للندوة الوطينة، التي ستقود مرحلة الإصلاح الدستوري كما تُسمى. ونقلًا عن «رويترز» صباح اليوم؛ فالإبراهيمي سيرأس الندوة الوطنية التي اقترحها بوتفليقة كحل انتقالي ومؤقت. يطالب الشارع الجزائري بانتخابات نزيهة، وتقوم على ديمقراطية حقيقية، ينتخب فيهم مرشحهم، من دون إجبار أو انقلابات عسكرية. «مطالب الشعب الجزائري، هي سقوط العصابة كاملة»، كان هذا تعبير الشاب الجزائري المحتج على تأجيل الانتخابات.

يُقدم الصحافي عثمان تزغارت تحليلًا عن الأوضاع الحالية، أنّ رئاسة الإبراهيمي للفترة الانتقالية جاءت نتاج فشل بوتفليقة في تطبيق خطته البديلة، وجاء الإبراهيمي خطة مُعدلة لتهدئة الاحتجاجات، وتنفيس غضب الشباب.

في حديثه عن كيف نخلق سلامًا في الدولة التي تشهد حالة صراع داخليّ؛ يذكر الإبراهيمي: «لقد عشت طوال حياتي في ظل الصراعات، من الاستعمار في بلادي، إلى النزاعات في الدول الأخرى، في جنوب أفريقيا، وأفغانستان، والعراق». فأيّ نزاعٍ يعيشه الإبراهيمي اليوم؟

الجزائريون ينتصرون وبوتفليقة يتنحّى.. لكن هل ستتوقف احتجاجات الجزائر؟

 

المصادر

تحميل المزيد