«قل ألا تزال هذه الراية الموشحة بالنجوم ترفرف

على أرض الأحرار وموطن الشجعان؟«

هكذا تنتهي الفقرة الأولى من النشيد الوطني الأمريكي. لا زالت الراية — عمليًا — ترفرف، لكن هل لا زالت الولايات المتحدة الأمريكية أرضًا للأحرار؟

شهدت أمريكا منذ يونيو 2013 موجة التسريبات الأكبر في تاريخها لوثائق تتعلق بأعمال تجسس داخل وخارج أمريكا، وببرامج مراقبة الإنترنت التي اعتمدتها وكالة الأمن القومي الأمريكي (NSA)، ووكالة الاستخبارات المركزية (CIA) بالتعاون مع حكومات وشركات أمريكية وأوروبية؛ وأدت إلى أزمة كبيرة بين لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الأمريكي و«سي آي ايه».

031514_0932_2.jpg

 سياسة الخصوصية حبر على ورق

عند التسجيل في أي موقع أو خدمة جديدة على الإنترنت، ينبغي عليك الموافقة على «سياسة الخصوصية» الخاصة بالموقع؛ غالبًا ما تؤكد تلك السياسة على أن بياناتك الخاصة سيتم حمايتها والتعامل معها بسرية، ولن يتم تسليمها دون علمك إلى أي جهة أخرى.

حسنًا؛ هذا الوعد لم يعُد بإمكان المواقع الإلكترونية التي تستخدمها يوميًا مثل «فيسبوك» أو غيره ضمانه لمستخدميها؛ فقد كشفت تقارير اعتمدت على الوثائق التي سرّبها «إدوارد سنودن» الموظف السابق في وكالة الأمن القومي الأمريكي أن برنامج «كوانتم» التابع للوكالة لا يستهدف فقط مراقبة «الإرهابيين المحتملين»، بل إنه يسمح للوكالة التجسس على الأنشطة الإلكترونية لأي شخص تريد الوكالة مراقبته.

تسبب تلك التقارير قلقًا شديدًا للمستخدمين، لكنها تثير غضب الشركات الكبرى التي تعتمد على وجودها في الولايات المتحدة الأمريكية — بدستورها وقوانينها التي تمنع التجسس على المواطنين — لتقدم وعودًا لمستخدميها بأن بياناتهم وأنشطتهم مؤمنة بالكامل؛ مما دفع «مارك زوكربيرج» مؤسس «فيسبوك» ورئيسه التنفيذي أن يتصل بالرئيس الأمريكي «باراك أوباما» شخصيًا ليعبر عن «إحباطه بشأن الدمار الذي تلحقه الحكومة بمستقبلنا كله».

[c5ab_facebook_post url=”https://www.facebook.com/zuck/posts/10101301165605491?stream_ref=10″ ]

ما حجم المشكلة؟

قد يبدو التجسس على الأنشطة الإلكترونية للمستخدمين أمرًا صعبًا بوجود المليارات من الأجهزة والمستخدمين والشبكات، لكن وكالة الأمن القومي تفعله من المصدر مباشرة؛ فقد طوّرت الوكالة برامج بإمكانها تحديد هوية مستخدمي الإنترنت وتعقب أنشطتهم حتى عبر الشبكات السرية بتتبع البيانات التي ترسلها أجهزتهم على خوادم الإنترنت.

خرجت التسريبات التي كشفت عن هذه البرامج في أواخر عام 2013، ولا زالت التقارير تتوالى عن حجم أعمال التجسس التي قامت بها وكالات الاستخبارات الأمريكية بالفعل. الجديد في الأمر هذا الشهر هو أن وكالة الأمن القومي لم تكتفِ باستخدام برامج التجسس في تعقب أنشطة غير الأمريكيين و«الإرهابيين المحتملين» بشكل غير قانوني، بل امتدت إلى المكالمات وأنشطة الإنترنت وأجهزة المحمول الذكية الخاصة بمواطنين أمريكيين عاديين.

قال «زوكربيرج» بعد اتصاله بالرئيس الأمريكي «أوباما» إن مهندسي «فيسبوك» حين يعملون دون كلل لتطوير الحماية فإنهم يفعلون ذلك لحماية المستخدمين من المجرمين، لا من الحكومة، والأهم؛ إن الأمر «يبدو أنه سيستغرق وقتًا طويلاً جدًا لإجراء إصلاح حقيقي وشامل.»

اتهامات متبادلة ومستخدمون بلا حماية

الإصلاحات التي يفرضها الكشف عن هذه البرامج الخطيرة قد تحتاج إلى وقت أطول بكثير مما تحتمله شركات الإنترنت والخدمات الإلكترونية؛ مما يؤدي إلى شد وجذب دائمين بينها وبين الحكومة، لكن يبدو أن المستخدمين أنفسهم يمثلون الحلقة الأضعف في هذا الصراع.

تتبادل الشركات الكبرى العاملة في مجال الإنترنت والتكنولوجيا الاتهامات بشأن عدم شفافيتهم في التعامل مع بيانات المستخدمين؛ فقد هاجم المدير السابق لوكالة الأمن القومي الأمريكي «كيث ألكسندر» تلك الشركات لعدم توفيرها المعلومات المطلوبة عن طرق جمعها لبيانات المستخدمين لاستخدامها في الإعلانات، وردت الشركات بأنها تفعل ذلك طبقًا لسياسات الخصوصية التي يوافق عليها المستخدمين عند تسجيلهم في خدماتها؛ وأن الوكالة تقوم بأعمال مراقبة لأنشطة الإنترنت دون سند قانوني أو تشريعي، حتى بعد وعد «أوباما» بإخضاع برامج الوكالة لإطار قانوني واضح وتعيين مدير جديد للوكالة: الأميرال في البحرية الأمريكية «مايكل رودجرز».

يبقى المستخدمون بلا قدرة حقيقية على الدفاع عن بياناتهم ومعلوماتهم الشخصية وسط صراع وكالة الأمن القومي مع شركات الإنترنت؛ فبعض تلك الشركات نفسها متورطة في جمع بيانات المستخدمين وتسهيل حصول الوكالة عليها بطريقة غير قانونية، حسب التقارير التي كشفت عنها صحيفتي «واشنطن بوست» الأمريكية و«ذا جارديان» البريطانية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد