بلغ عدد القتلى أو المصابين نتيجة التعرض للألغام الأرضية ومخلفات الحروب في عام 2020، نحو 7073 شخصًا على مستوى العالم، وهو ما يعني أن 19 شخصًا في المتوسط يصابون أو يقتلون يوميًّا نتيجة تعرضهم لهذه الأسلحة. في عام 2019، كان عدد الخسائر البشرية نتيجة الألغام نحو 5853 ضحية، وذلك بحسب معهد الأمم المتحدة لبحوث نزع السلاح.

ووفقًا لأحدث التقارير الصادرة عن المرصد العالمي للألغام، فإن المدنيين يمثلون 80% من نسبة الضحايا الذين سقطوا في عام 2020، وذكر التقرير الذي أُعلن خلال مؤتمر صحفي للأمم المتحدة، أن نصف الضحايا المدنيين على الأقل من الأطفال، فيما أظهرت الإحصائيات أن سوريا كانت في المرتبة الأولى من حيث عدد الإصابات، بإجمالي 2729 ضحية، تليها أفغانستان.

تظهر هذه الأرقام كيف أن العالم لا يزال يعاني من أزمة الألغام الأرضية رغم انتهاء الكثير من الحروب التي كانت سببًا في وجودها، كما أن ارتفاع أعداد الضحايا من عام لآخر، يظهر كيف أن عملية إزالة الألغام لا تتم كما ينبغي حول العالم نتيجة العديد من التحديات، من بينها العامل الاقتصادي.

لماذا يصعب على العالم حل أزمة نزع الألغام؟

قبل أن نتطرق لخريطة توزيع الألغام، وخصوصًا في المنطقة العربية والشرق الأوسط، ربما يجب أن نسلط الضوء على حجم هذه الأزمة التي تواجه العالم كله، المشكلة تتمثل في صعوبات إزالة الألغام، فعلى الرغم من أن الألغام الأرضية قضية عالمية ملحة، فإن إزالتها صعبة للغاية لثلاثة أسباب رئيسية.

Embed from Getty Images

1- الوقت.. 11 قرنًا للتخلص من هذا الكابوس

يستغرق اكتشاف الألغام الأرضية وإزالتها وقتًا طويلًا، في الواقع، تشير التقديرات إلى أنه إذا استمرت إزالة الألغام الأرضية بالمعدل الحالي (مع عدم إضافة ألغام جديدة)، فسوف يستغرق الأمر ما يقرب من 1100 عام لتخليص كل العالم من هذا الكابوس تمامًا، فالآن يوجد في العالم أكثر من 110 ملايين لغم تحتاج للإزالة.

2- التكلفة.. 100 مليار لإزالة أدوات القتل الفعالة الرخيصة!

يكلف اللغم الواحد ما بين ثلاثة دولارات و30 دولارًا؛ مما يجعلها أدوات فعالة للقتال من حيث التكلفة وفعالية الإصابات، لكن المشكلة تظهر عند إزالتها؛ إذ يمكن أن يكلف إزالة اللغم الواحد ما بين 300 دولار إلى ألف دولار، ومن ثم، ستكلف إزالة جميع الألغام الأرضية ما بين 50 إلى 100 مليار دولار، ونظرًا إلى أن معظم البلدان المتضررة هي الدول الأكثر فقرًا، فإن تكلفة إزالة الألغام يمكن أن تكون حملًا كبيرًا للغاية.

3- الخطر.. الألغام تفاجئ الباحثين عنها وتقضي عليهم

معظم حقول الألغام لا تحمل علامات تدل عليها، لذلك أصبح من المألوف العثور على ألغام مزروعة في الحقول الزراعية، وحول أنظمة الري، وفي الغابات المجاورة لبعض القرى، هذا إن لم تكن الألغام موجودة داخل القرى نفسها؛ لهذا السبب يكون مختصو إزالة الألغام أنفسهم معرضين لخطر الموت أو الإصابة بجروح خطيرة، مقابل كل 5 آلاف لغم تمت إزالتها حتى الآن بنجاح، قتل خبير إزالة ألغام وجرح اثنان آخران.

وهذه خريطة توزيع الألغام حول العالم

تشير تقديرات عام 2019، إلى أن هناك أكثر من 110 ملايين لغم أرضي مزروعة على كوكب الأرض في الوقت الحالي، ويوجد حاليًا 60 دولة ومنطقة ملوثة بالألغام المضادة للأفراد حتى أكتوبر (تشرين الأول) 2020، من بين الستين دولة، هناك 33 دولة طرف في اتفاقية حظر الألغام، و22 دولة غير منضمة للاتفاقية، بالإضافة إلى خمس مناطق أخرى.

تصنف دول الصين وكوبا والهند وإيران وكوريا الشمالية وباكستان وروسيا وسنغافورة وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة وفيتنام من بين الدول الأكثر إنتاجًا للألغام. وبحسب مرصد الألغام، يعتقد أن التلوث الهائل بالألغام المضادة للأفراد (والذي يمتد لأكثر من 100 كيلومتر مربع) موجود في 10 دول ضمن الدول الموقعة لاتفاقية حظر الألغام وهي: أفغانستان، البوسنة والهرسك، كمبوديا، كرواتيا، إثيوبيا، العراق، تايلاند، تركيا، أوكرانيا، واليمن.

Embed from Getty Images

بينما يأتي التلوث الكبير (بين 20– 99 ألف كيلومتر مربع) في دول: تايلاند، أنجولا، تشاد، إريتريا، وزيمبابوي. ويمتد التلوث المتوسط (بين 5– 19 كيلومترًا مربعًا) في كل من كولومبيا، سيريلانكا، طاجيكستان، موريتانيا، الصومال، جنوب السودان، والسودان. ويمتد التلوث الصغير للألغام (أقل من 5 كيلومترات مربعة) في كل من الإكوادور، بيرو، قبرص، صربيا، عمان، فلسطين، جمهورية الكونغو الديمقراطية، غينيا بيساو، النيجر، والسنغال.

ويصعب الوصول لإحصائيات دقيقة في الدول غير الموقعة على اتفاقية حظر الألغام، لكن هناك ألغامًا منتشرة بكثرة في دول مثل مصر، سوريا، الصين، روسيا، باكستان، إيران، الهند، لبنان، والمغرب.

أما بالنسبة لترتيب دول العالم طبقًا لأعداد الألغام المنتشرة بغض النظر عن مساحة الانتشار، فتأتي في المقدمة مصر (23 مليونًا)، أنغولا (9-15 مليونًا)، إيران (16 مليونًا)، أفغانستان (نحو 10 ملايين)، العراق (10 ملايين)، الصين (10 ملايين)، كمبوديا (نحو 10 ملايين)، موزامبيق (نحو مليونين)، البوسنة (2-3 ملايين)، كرواتيا (مليونان)، الصومال (نحو مليونين)، إريتريا (مليون)، والسودان (مليون).

«الموت المؤجل»! هنا تكمن ألغام الشرق الأوسط

يعود توزيع الألغام المزروعة في الدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط إلى الحروب والنزاعات الحديثة، ويمتد بعضها إلى الحقبة الاستعمارية منذ 50 عامًا وأكثر، كما أدى انتشار بعض التنظيمات المسلحة دورًا في انتشار الألغام، خصوصًا في سوريا والعراق.

1- مصر: 20% من ألغام العالم في المحروسة

صنفت مصر على أنها الدولة الأكثر تلوثًا بالألغام الأرضية في العالم مع تقديرات بوجود نحو 23 مليون لغم أرضي (نحو 20% من عدد الألغام في العالم). وتعد مصر أيضًا خامس دولة بها أكثر الألغام الأرضية المضادة للأفراد لكل كيلومتر مربع. تتمركز الألغام في منطقة الساحل الشمالي نتيجة الأعمال العدائية بين عامي 1940 و1943 خلال الحرب العالمية الثانية،

كما تلوثت المناطق الواقعة إلى الشرق، بما في ذلك شبه جزيرة سيناء بين عامي 1956 و1973 بسبب الحرب بين مصر وإسرائيل.

تؤثر هذه الألغام في المشروعات التنموية في هذه المناطق، خصوصًا وأنها مناطق تتمتع بثروة نفطية ومعدنية كبيرة مثل البترول والغاز الطبيعي، تؤدي مشكلات الألغام الأرضية إلى مساهمة الساحل الشمالي بـ14% فقط من إجمالي إنتاج النفط والغاز الطبيعي في مصر.

الألغام الموجودة في الشريط الساحلي الواسع حتى الحدود الليبية، والمناطق الساحلية القريبة من منطقة قناة السويس، مثل البحيرات المالحة وساحل البحر الأحمر، تمنع استخدام مئات الآلاف من الكيلومترات المربعة، خصوصًا بعض الأراضي الصالحة للزراعة. ويمثل نقص الخرائط للموقع الدقيق لحقول الألغام والتغيرات المناخية والتغيرات في سطح الأرض في تلك المناطق وغيرها من العوامل، مشكلات كبيرة تعوق دون إتمام عملية تطهير الأراضي الملوثة.

2- العراق: الألغام ضريبة النزاعات المستمرة

العراق هو أكبر دول العالم طبقًا لمساحة الأراضي الملوثة بالألغام، انتشرت الألغام في العراق ضريبة للنزاعات المستمرة، بدءًا من الحرب العراقية الإيرانية عام 1980، ثم قيام نظام صدام حسين العراق بغزو الكويت عام 1991، وما تلاه من غزو أمريكي للعراق عام 2003، ثم الصراعات الطائفية، التي نجم عنها ظهور تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وسيطرته على ثلث مساحة العراق عام 2014.

حتى نهاية عام 2019، أبلغ العراق عن تلوث مساحة قدرها 1.2 ملايين كيلومتر مربع بالألغام المضادة للأفراد.

3- سوريا: مخلفات الحروب العربية الإسرائيلية وتنظيم «داعش»

التلوث بالألغام في سوريا يعود إلى مخلفات الحروب العربية الإسرائيلية المتتالية منذ عام 1948، لكنه تزايد بشكل خاص نتيجة للصراع في سوريا منذ عام 2011، وانتشار الجماعات المسلحة التابعة للنظام والمضادة له على حد سواء.

اعتبارًا من نهاية عام 2020، كان النطاق الكامل للتلوث في سوريا غير معروف، بينما زاد التلوث بالألغام بشكل خاص في المناطق التي احتلها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، من الرقة إلى محافظة الحسكة في الشمال الشرقي، وجنوبًا إلى دير الزور.

قتلت الألغام ما لا يقل عن 2601 مدنيًا في سوريا منذ عام 2011 وحتى عام 2020، من بينهم 598 طفلًا و267 امرأة، ويمثل النساء والأطفال 33% من إجمالي الضحايا، طبقًا لتقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان.

4- اليمن: 569 منطقة ملوثة بالألغام في اليمن «الحزين»

تلوث اليمن بالألغام يعود إلى الصراعات التي شهدتها البلاد بين عامي 1962- 1969 وبين 1970- 1983، والألغام التي زرعت في المناطق الحدودية بين شمال وجنوب اليمن قبل توحيدها عام 1990، والألغام الناجمة عن النزاعات المتتالية التي اندلعت منذ 1994، أضف إلى هذا الصراعات المستمرة التي اندلعت عام 2015، ولا يعرف بدقة حتى الآن مدى التلوث وانتشاره.

بحسب تقرير الشفافية الذي قدمه اليمن عام 2017 (وهو التقرير الأخير من نوعه)، فإن هناك 569 منطقة ملوثة بالألغام تغطي مساحة 2323 كيلومترًا مربعًا.

وهذا توزيع الألغام في دول شرق أوسطية وعربية أخرى

عام 2020، أبلغت تركيا عن تلوث بالألغام يقدر بمساحة 145 كيلومترًا مربعًا عبر 3834 منطقة. وغالبية هذه المناطق الملوثة توجد بمحاذاة حدودها مع أرمينيا، إيران، العراق وسوريا. بينما أبلغت فلسطين عن وجود 0.18 كيلومتر مربع من الألغام الأرضية، منها 85 ألف متر مربع بألغام مضادة للأفراد، و99 مترًا مربعًا بألغام مضادة للمركبات.

كذلك أبلغت الصومال عن وجود 6.1 كيلومترات مربعة من الألغام المضادة للأفراد من إجمالي 161.8 كيلومترات مربعة ملوثة بمختلف أنواع الألغام. بينما أفادت الصومال بأن هناك زيادة في استخدام الألغام البدائية منذ عام 2017.

واعتبارًا من نهاية عام 2020، أبلغت السودان عن مساحة قدرها 13 كيلومترًا مربعًا ملوثة بالألغام المضادة للأفراد، عبر ولايات النيل الأزرق، جنوب كردفان، غرب كردفان. بلغ مجموع التلوث الجديد 6.22 كيلومتر مربع، مع تسجيل 11 منطقة خطرة جديدة.

دولي

منذ 7 شهور
اللاسلطة والقرصنة والتجارب النووية.. هنا أعالي البحار

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد