يتواصل البشر فيما بينهم عن طريق اللغة، والتي غالبًا ما تتضمن مجموعة من الكلمات والرموز المستخدمة والمتفق عليها بين أفراد الجماعة الواحدة. تنقسم اللغة إلى قسمين: اللغة الاستقبالية، وهي اللغة التي يستقبلها الطفل من المحيطين به ويعالجها ويفهمها. واللغة التعبيرية، وهي اللغة التي يعبر بها الطفل عن نفسه، وتشمل الرموز والإشارات والإيماءات، ويعد الكلام هو أحد أشكال اللغة التعبيرية.

لكن كيف تتكون الكلمات؟

يولد الأطفال ولديهم قدرة على إصدار أكثر من 100 صوت. فالمناغاة والأصوات التي يصدرها الرُضع ما هي إلا نواة لعملية إصدار وتكوين كلمات، ومع نمو الأطفال وتطورهم يطورون هذه الأصوات إلى مقاطع صوتية، ثم إلى كلمات، ثم إلى تراكيب لغوية وجمل. ينشأ الكلام مع بداية مرحلة الطفولة المبكرة الفترة من عمر سنتين إلى خمس سنوات، وعلى الرغم من أن مرحلة الطفولة المبكرة هي بداية تعلم الكلام فإنها تشهد تسارعًا في تنمية وتطوير اللغة التعبيرية للطفل، وتشهد أيضًا ظهور بعض الاضطرابات اللغوية والاضطرابات الكلامية التي تؤثر في طلاقة الكلام مثل التلعثم، فما الفرق بين اضطرابات اللغة واضطرابات الكلام؟

اضطرابات اللغة vs اضطرابات النطق والكلام

يُشير اضطراب اللغة إلى صعوبة فهم الكلمات والأصوات، وعدم قدرة الطفل على معالجة وتفسير الأحاديث التي يسمعها، بالإضافة إلى صعوبة استخدام الكلمات وصياغتها بشكل صحيح، فيعجز الطفل عن التعبير عن أفكاره واحتياجاته.

Embed from Getty Images 

صورة طفل يحاول أن يصدر أصوات ويتكلم

على جانب آخر، قد يعاني الطفل المصاب باضطراب لغوي من مشكلات في القراءة أو الكتابة أو التحدث، حتى لو كان قادرًا على نطق الكلام بدقة وبشكل صحيح. 

بينما يشير اضطراب النطق والكلام إلى مشكلات في إنتاج الكلام والأصوات نفسها، فيتكلم الطفل بشكل غير واضح أو غير مفهوم أو يتلعثم، وعلى الرغم من أن عدم القدرة على التحدث بوضوح يمكن عدها عرضًا طبيعيًّا ومناسبًا لعمر الطفل، خاصة في بداية مرحلة الطفولة المبكرة، حين يكون الطفل قادرًا على فهم اللغة أكثر من قدرته على إنتاجها؛ فإنه عندما تستمر مشكلات الكلام إلى ما بعد انتهاء مرحلة الطفولة المبكرة يمكن عدها دليلًا على وجود اضطرابات في الكلام، مثل اضطراب الطلاقة أو التلعثم.

ما الذي يعنيه إصابة طفلك بالثأثأة؟

غالبًا ما يجري وصف الطفل الذي يميل إلى تكرار الحرف الأول من الكلمة أو الإطالة فيه، أو تكرار الكلمة نفسها عدة مرات بأنه يعاني من التلعثم أو اللجلجة أو الثأثأة وبحسب تعريف الدكتور عبد العزيز الشخص، أستاذ علم النفس والتربية الخاصة بجامعة عين شمس فإن الثأثأة: «أحد اضطرابات النطق والكلام التي تتضمن توقفًا لا إراديًّا، وتكرارًا غير عادي للحروف، بحيث يصاحبها اهتزاز الكلام وارتعاشه وتعثره».

وعلى الرغم من أن اللجلجة هي بالأساس اضطراب في النطق والكلام، فإن الكثير من الأبحاث في الماضي وصفت التلعثم بأنه اضطراب في اللغة؛ مما أدى إلى ترسيخ بعض المفاهيم الخاطئة بشأن التطور اللغوي للأطفال المصابين بالثأثأة، وأنهم يعانون من تأخر لغوي، فما الحقيقة وراء ذلك؟

التطور اللغوى vs التلعثم

استعرض دكتور إيهود بيري، أستاذ اضطرابات النطق والكلام بجامعة إلينوي بشيكاغو، في مقاله عن علاقة التطور اللغوي للأطفال والتلعثم، نتائج مجموعة من الدراسات الطولية التي استمرت على مدار 21 عامًا، فقد كشفت  هذه الدراسات التي أجراها برنامج أبحاث التلعثم بجامعة إلينوي الأمريكية، عن أنه وعلى عكس الشائع، فإن الأطفال المصابين بالثأثأة لا يعانون من تأخر لغوي!

صحة

منذ سنتين
لحديث أكثر طلاقة.. 6 نصائح قد تساعد في التغلب على التلعثم والثأثأة

بل وُجِد أن التطور اللغوى لهم يكون قريبًا جدًّا من التطور اللغوي للأطفال غير المتلعثمين في المرحلة العمرية نفسها، وغالبًا ما يكون أعلى من المعدل الطبيعي بنسب كبيرة.

يُشير دكتور بيري إلى أن هناك مجموعة من المختبرات البحثية في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا قدمت مجموعة من الدراسات والأبحاث الحديثة التي دعمت هذه النتائج، بالإضافة إلى العديد من التقارير واستطلاعات الرأي التي قدمها آباء الأطفال المتلعثمين، والتي أشارت إلى أن أطفالهم كان لديهم طفرة في النمو اللغوي تمثلت في استخدامهم تراكيب لغوية مركبة ومعقدة وجملًا أطول مباشرة قبل إصابتهم بالثأثأة.  

لكن التطور اللغوي لا يعني بالضرورة طلاقة لغوية!

يُشير دكتور بيري إلى أن العلاقة بين التطور اللغوي والطلاقة اللغوية علاقة عكسية بالنسبة للأطفال المتلعثمين. إذ يرجع السبب في ذلك الى أن أدمغة الأطفال المتلعثمين  تعمل بشكل أسرع  من أجهز النطق لديهم «الأجهزة المسؤولة عن إنتاج الكلام»،  فكلما زادت المهارات اللغوية للطفل قلت طلاقته اللغوية وظهر التلعثم.

ربما يفسر هذا السر وراء اقتراب الأطفال المتلعثمين من المعدل الطبيعي للتطور اللغوي أثناء مرحلة التعافي من التلعثم، حيث يقل معدل التطور اللغوي وتتطور الطلاقة اللغوية للطفل ويختفي التعلثم.

كيف تعمل أدمغة الأطفال المتلعثمين؟

نشر دكتور آن إل فونداس، الباحث بجامعة تولين الأمريكية تقريرًا عن الكيفية التي تعمل بها أدمغة الأطفال المتلعثمين موضحًا أنه أجرى دراسة مقارنة بين 32 شخصًا بالغًا، يعاني نصفهم من التلعثم، بينما النصف الآخر أشخاص غير متلعثمين.

Embed from Getty Images
صورة كرتونية لشكل الدماغ

وتوصل إلى أنه لدى الأشخاص المتلعثمين سمات تشريحية مختلفة داخل المناطق المسؤولة عن وظائف الكلام واللغة في المخ هي التي تؤثر في طلاقة الكلام مشيرًا إلى أن هذه النتائج ستساعد كثيرًا في علاج الثأثأة بجانب العلاج السلوكي والعلاج الدوائي.

ما أسباب التلعثم والثأثأة؟

يُصيب التلعثم ما يقرب من 5% إلى 10% من الأطفال في سن ما قبل المدرسة وحوالي 1% من البالغين، ولا يعرف الأطباء سببًا واضحًا ومحددًا وراء الإصابة بالثأثأة، فيرجعه البعض إلى أسباب وراثية بالإضافة الى الأسباب التالية:

  1. حدوث إصابة في الدماغ تؤثر في مراكز الكلام في المخ.
  2. العوامل الفسيولوجية العصبية مثل وجود خلل في المناطق المتعلقة باللغة والكلام في المخ.
  3. قد يتلعثم الأطفال المصابون باضطراب القلق الاجتماعي (SAD) أحيانًا عندما يكونون في مواقف اجتماعية مربكة بالنسبة لهم، كرد فعل للشعور بالخوف.

لكن.. ما أنواع الثأثأة؟

1- التلعثم النمائي: يعد هذا النوع هو الأكثر شيوعًا، وغالبًا ما يحدث في مرحلة الطفولة المبكرة، ومع تقدم الطفل في السن تتطور مهاراته الكلامية، ويتجاوز هذا النوع من اللجلجة. 

2- التلعثم العصبي: يصعب تجاوز هذا النوع من التلعثم، خاصة أنه يحدث نتيجة لسكتة دماغية أو بسبب إصابة بالغة في الدماغ تؤثر في مناطق تنسيق الكلام في المخ .

3- التلعثم النفسي: يعتقد بعض العلماء أن السبب وراء التلعثم أحيانًا هو تعرض الطفل لصدمات نفسية، مثل ولادة أخوة جدد، أو وفاة أحد الوالدين أو انفصالهما، إلا أنه في الحقيقة لا يدعم هذا الرأي إلا قلة من العلماء .

4- أوضحت الدكتورة نان برنشتاين راتنر الدكتورة بجامعة ميريلاند الأمريكية، بأنه لا بد من التفرقة بين «أسباب حدوث التلعثم ومحفزات حدوث التلعثم»؛ فالسبب هو الأساس الكامن وراء حدوث التلعثم، والذي غالبًا ما يكون وراثيًّا أو عصبيًّا، بينما المحفزات هي العوامل المساعدة التي أدت إلى  تنشيط ظهور الاضطراب الموجود بالفعل لدى الأشخاص الذين لديهم استعداد وراثي للإصابة بالتلعثم، لذلك اعتبرت بيرنشتاين أن الأسباب النفسية ما هي إلا محفزات لظهور التلعثم الموجود بالفعل، ولكنه لم يكن واضحًا قبل ظهور العوامل النفسية.

هل هناك إستراتيجيات لعلاج التلعثم؟

إن 80% من حالات التلعثم المبكر تختفي تلقائيًّا دون تدخل، يرجع ذلك إلى أن التلعثم مرحلة طبيعية في تعلم اللغة تختفي مع تقدم الطفل في السن، على الرغم من ذلك لا يوجد علاج قاطع للتلعثم، إلا أن هناك الكثير من الإستراتيجيات التي تستخدم في مساعدة الأطفال والبالغين على تطوير مهارات التواصل وطلاقة الكلام ومنها: 

العلاج السلوكي المعرفي (CBT):

العلاج السلوكي المعرفي هو إحدى طرق العلاج النفسي التي من خلالها يستطيع الاختصاصي النفسي دعم المريض من خلال مساعدته على التفكير بشكل إيجابي وواقعي نحو المشكلة النفسية التى يعانى منها، ففي حالة التلعثم يساعد العلاج السلوكي المعرفي في التخفيف من حالة التوتر والقلق التي تصيب الطفل المتلعثم، ودعمه في رؤية نفسه بشكل إيجابي من خلال إستراتيجيات متخصصة يقدمها الاختصاصي النفسي.

Embed from Getty Images
طفل في جلسة علاج النطق

علاج النطق:

يساعد اختصاصي التخاطب في تقديم مجموعة من الإستراتيجيات التي تساعد الطفل على التقليل من التلعثم مثل تنظيم التنفس والتحدث بشكل أبطأ، يميل بعض مختصي التخاطب إلى استخدام طريقة التظليل، وفيها يقرأ المختص نصًّا ويقرأ الطفل النص نفسه في التوقيت نفسه بفارق زمني بسيط، تعتمد هذه الطريقة على محاكاة طريقة المختص في الكلام .

العلاج الدوائي:

يميل بعض المتخصصين إلى استخدام العلاج الدوائي، خاصة الأدوية المستخدمة في علاج اضطراب القلق الاجتماعي والاكتئاب، على الرغم من عدم كفاية الأبحاث التي تؤكد فاعليتها بشكل كامل، فإنها تعمل على تقليل حدة التوتر والقلق التي تصاحب الطفل المتلعثم وتساعده على التحدث بطريقة أكثر هدوءًا.

بقي أن نشير إلى أهمية دور الأهل في علاج التلعثم، فإذا كان طفلك يعاني من التلعثم فإليك هذه النصائح:

– لا تُصحح له طريقة كلامه

إذا ظهرت علامات التلعثم على طفلك فاحذر أن تصحح له طريقة كلامه، أو أن تخبره بأن يتحدث ببطء، أو تلومه على تكرار الحروف أو الكلمات، هذه الطريقة تجعله يركز الانتباه السلبي على السلوك غير المرغوب، فتسوء الأمور ويكرره.

– ساعده بطريقة غير مباشرة

لا تضغط على طفلك بكثرة الحديث أو إطالته حاول أن تجعله يستخدم جملًا قصيرة وبسيطة، أو اكتفِ منه بإشارة بسيطة من رأسه أو يده، حاول أن تقلل من المشتات حول طفلك عندما يبدأ حديثه معك حتى لا يتوتر كأن تغلق التلفزيون، أو أن تترك الهاتف وتنتبه له.

– الأحداث الطارئة 

في بعض الأحيان يحدث التلعثم بشكل مفاجئ، خاصة بعد ظهور بعض المحفزات الجديدة في بيئة طفلك مثل ميلاد أحد الإخوة أو تعرضه لحادث صادم، الحل الأمثل هو مساعدة الطفل على فهم مشاعره الجديدة نتيجة لهذه الأحداث، سواء كانت هذه المشاعر سلبية أم إيجابية، ومساعدته على التغلب عليها ومعالجتها.

تربية

منذ 9 شهور
8 علامات تُخبركِ أن طفلك بحاجة إلى جلسات تخاطب وهذا ما يتوجب عليكِ فعله

– لا تصدق الآراء الشائعة المغلوطة

  1. هناك الكثير من الآراء الخاطئة بشأن التلعثم، منها مثلًا أن الأطفال المتلعثمين ليسوا أذكياء، في الحقيقة لا توجد علاقة بين نسبة ذكاء الطفل والتلعثم.
  2. يعتقد البعض أن المحاكاة والتقليد هما أحد أسباب التلعثم، كأن يقلد الطفل طفلًا آخر يعاني من التلعثم، في الحقيقة أن الوراثة والعوامل الفسيولوجية العصبية هي التي تسبب إصابة الطفل بالتلعثم.
  3. يميل بعض الأشخاص إلى الترويج لأنه يمكن علاج التلعثم بالأعشاب أو بالعسل، أو بممارسة بعض الطقوس الدينية في محاولة لابتزاز الكثير من الآباء، لكن من المهم أن يعي الآباء الحقيقة وراء هذه الآراء حتى لا يقعوا فريسة للمعلومات المغلوطة التي تضر أبناءهم. 

في النهاية إذا كانت هناك نصيحة واحدة سحرية تساعدك على تربية طفل سوي  فهى «التقبل»، اقبل طفلك كما هو، ادعمه بحبك غير المشروط سينعكس ذلك مباشرة على طريقة تقبله وحبه لنفسه، وثقته غير المحدودة في قدراته.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد