لم يكد العالم يستفيق من إعادة الرئيس الأمريكي إصدار الأمر التنفيذي القاضي بمنع دخول مواطني ست دول ذات أغلبية مسلمة إلى أراضي الولايات المتحدة الأمريكية، هي «اليمن والسودان وسوريا والصومال وليبيا وإيران»، حتى استفاق فجأة على قرار آخر بمنع نقل الأجهزة الإلكترونية إلى مقصورة المسافرين بالرحلات الجوية المباشرة إلى الولايات المتحدة انطلاقًا من عشر مطارات في الشرق الأوسط.

بالنسبة لمؤيدي ترامب، فإن تفسير تلك القرارات واضح ومنطقي للغاية ويمكن تبريره بجمل بسيطة من قبيل: «الولايات المتحدة لا تفضل أن تحظى بالمزيد من المهاجرين»، و«أمريكا تحت خطر الإرهاب الإسلامي»، و«تلك القرارات ستجعل أمريكا عظيمة ثانية».

فهل تلك المبررات حقيقية؟ أم أنها محض «أساطير» بحاجة إلى التفكيك والرد.

1- من يحرمك من «اللاب توب» على الطائرة: الإرهاب أم المنافسة التجارية؟

بداية من 21 مارس (آذار) الجاري، لن يعود بمقدور المسافرين إلى الولايات المتحدة انطلاقا من عشرة مطارات في الشرق الأوسط حمل أجهزتهم الإلكترونية – الأكبر من الهاتف النقال – إلى المقصورة، وسيضطرون إلى تركها مع الأمتعة.

ينطبق هذا الإجراء على المسافرين القادمين من «مصر والأردن والكويت والمغرب وقطر والمملكة العربية السعودية وتركيا والإمارات العربية المتحدة»، على متن رحلات شركات مصر للطيران وطيران الإمارات والاتحاد للطيران والخطوط الجوية الكويتية والخطوط الجوية القطرية والخطوط الملكية المغربية والخطوط الملكية الأردنية والخطوط الجوية العربية السعودية والخطوط الجوية التركية.

في تبريرها الأولي للقرار المفاجئ للكثيرين، نقلت صحيفة «دايلي بيست» عن ثلاثة مصادر استخباراتية أن هذا القرار جاء لسبب أمني تمامًا، نتيجة معلومات تم الحصول عليها مؤخرًا، تفيد بنجاح تنظيم القاعدة في تطوير قنابل مدمجة على شكل «بطاريات» يمكن تخزينها داخل أجهزة الكمبيوتر المحمولة أو أجهزة أخرى يُعتقد أنها قوية بما فيه الكفاية لإسقاط طائرة.

ونقلًا عن المصدر ذاته تقول الصحيفة إن تلك البطاريات المتفجرة تحتاج إلى تشغيلها يدويًا، وهذا هو سبب حظر الأجهزة الإلكترونية بالمقصورة الرئيسية للطائرة فقط، وليس في الأمتعة التي تم فحصها ووضعها بمقصورة الشحن.

لكن ثمة سببين يدفعان بالبعض لعدم تصديق تلك الحجة، أولهما طبيعة البلدان التي يشملها ذلك القرار، وهي كلها بلدان حليفة للولايات المتحدة، أغلبها يتمتع بقدر كبير من الأمان النسبي، والإجراءات المدققة في المطارات، وقد تساءل رئيس طيران الإمارات «تيم كلارك» متعجبًا: «التلميح إلى أن دبي لا تملك قدرات مساوية أو أفضل من الأوروبيين والأمريكيين والآسيويين على صعيد التفتيش والمنع والمراقبة يبعث على الدهشة».

لكن ثمة تفسير بديل قد يبدو مقنعًا، نتحدث هنا عن رغبة في توجيه «ضربة» اقتصادية لقطاع الطيران الخليجي، الذي ظل على الدوام منافسًا صعبًا لشركات الطيران الأمريكية، الحديث هنا يدور عن شركات «طيران الإمارات والاتحاد للطيران والخطوط الجوية القطرية» تحديدًا، لطالما اتّهمت تلك الشركات من قبل نظيراتها الأمريكية بتلقي مساعدات من حكومات بلادها، الأمر الذي يؤثر على فرص التنافس التجارية في هذا القطاع شديد الحيوية.

ومن المتوقع أن يمثل هذا القرار تحديًا كبيرًا لشركات الطيران الخليجي المذكورة، إذ ستفقد الكثير من عملائها على درجة رجال الأعمال والدرجة الأولى، والذين سيجدون أنفسهم مضطرين إلى عدم اصطحاب أجهزتهم الإلكترونية معهم، فماذا سيكون تصرفهم الطبيعي؟ على الأرجح الانصراف عن تلك الشركات إلى شركات ومحاور جوية أخرى لا يشملها الحظر المذكور.

2- «الوقوع من على السرير» أخطر على الأمريكيين من الإرهاب

تمثل «الحماية من خطر الإرهاب» الذي يتهدد الأمريكيين الحجة المفضلة لترامب لتبرير كل تصرفاته ونواياه، قد تبدو تلك الحجة مقنعة للوهلة الأولى، لكن هل تواجه الولايات المتحدة أخطارًا إرهابية فعلًا تستدعي كل هذا الصخب؟

بمعنى أنه لو تجاوزنا الخطابات الرنانة والتهديدات الإرهابية المتخيلة، هل المواطن الأمريكي فعلًا يواجه خطر الإرهاب كأحد التحديات الحقيقية؟

قبل أن نجيب على هذا السؤال، سنطرح عليك بعض الإحصاءات البسيطة التي نشرها «ساسة بوست» في تقرير سابق، والتي تحلل أسباب موت الأمريكيين في الفترة بين 2002 و2015.

  • في تلك الفترة بلغ عدد الأمريكيين الذين لقوا حتفهم بين مقصات جزازات العشب 947 فردًا، بالإضافة إلى وفاة 3679 فردًا بسبب ماكينات الزراعة المختلفة.
  • مات في الفترة المذكورة 9942 شخصًا بسبب سقوطهم عن أسرتهم، فيما مات 5781 شخصًا وقوعًا من على كراسيهم المتحركة و 3350 بسبب الوقوع من على الكراسي العادية.
  • لقي نحو 165 ألف أمريكي حتفهم باعتداء مسلح من مواطنين مثلهم، فيما قتل أكثر من ربع مليون أمريكي نفسه متعمدًا باستخدام أسلحة ذات أوزان مختلفة.

مفاجآت أخرى ستحملها تقارير وإحصاءات مختلفة، فضحايا العنصرية في الولايات المتحدة أكثر من ضحايا الإرهاب، بل إن ضحايا الحرب على الإرهاب أكثر من ضحايا الإرهاب نفسه، وبين عامي 2002 و 2015، فإن 95% من ضحايا العمليات الإرهابية كانوا من المسلمين، و98% من العمليات الإرهابية قد وقعت في دول خارج الولايات المتحدة وأوروبا.

تشير الإحصاءات السابقة إذا ما تم النظر إليها بهدوء إلى المفاجأة التي قد تبدو مدهشة للكثيرين، الإرهاب ليس بتلك الخطورة التي تحاول الإدارة الأمريكية أن توهم بها الأمريكيين، لا نعني هنا أنه ليس ثمة «خطر إرهابي» قد يتهدد الأمريكيين، لكنه ليس بتلك الخطورة الكونية الوجودية التي يتم تسويقه بها على الأرجح وبحسب الأرقام والإحصاءات، كما أن إحصاءات أخرى قد أثبتت أن أغلب الإرهابيين في أمريكا هم من أبناء المجتمع الأمريكي نفسه، وليسوا «مهاجرين» أو «لاجئين»، بل إن تلك الفئات هي الأقل وجودًا في قوائم الإرهابيين.

الوقوع من السرير يهدد أمريكا أكثر من الإرهاب! حقائق لا يريدك ترامب أن تعرفها

3- «فردوس المهاجرين» لا ترحب بالمهاجرين

لا يترك ترامب مناسبة بغير أن يؤكد على عدائه للمهاجرين، متوعدًا بغلق أبواب الولايات المتحدة أمامهم، بل وطرد المهاجرين غير الشرعيين الذين يقيمون بالفعل على الأراضي الأمريكية.

يمثل هذا العداء للغرباء، والتعامل مع الوطن الأمريكي باعتباره «فردوس الأرض» الذي لا يُتاح للمرء دخوله إلا بعد سلسلة طويلة من العذابات والاختبارات، ركيزة مهمة في الخطاب القومي المتعصب الذي يطرحه ترامب، قد يبدو للوهلة الأولى أن لهذا الخطاب مبررًا ما، باعتبار أن من حق الأمريكيين أن يسمحوا ويمنعوا كيفما يشاؤون، لكن تلك الحقيقة «القانونية» تحمل في جذورها تجاوزًا لبعض حقائق التاريخ.

في أحد خطاباته التي ألقاها خلال مراسم منح الحنسية الأمريكية لـ«مواطنين جدد» رد الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما عى  تصاعد الدعوات ضد الهجرة والمهاجرين قائلا: «ما أسرع أن ننسى، ما أسرع أن ننسى، جيل يمضي، جيلان يمضيان، ولا نعود نتذكر من أين أتينا»، قبل أن يردف قائلًا: «نحن لا نرحب بالوافدين الجدد فحسب، نحن أبناء مهاجرين، هكذا نحن، الهجرة حكاية أصلنا».

أوباما نفسه كان مهاجرًا، وهذا يشير إلى الخصوصية التاريخية للولايات المتحدة، والتي تجعل من عدائها للمهاجرين أمرًا «كوميديا» بامتياز بالنسبة للبعض، فالولايات المتحدة هي دولة حديثة للغاية، قامت قبل قرون قصيرة على أنقاض قبائل الهنود الحمر الذين تعرضوا للإبادة على أيدي «المهاجرين»، وعلى طول الفترة التي تلت التأسيس، نظر إلى المهاجرين كطاقات بشرية واعدة تستفيد منهم »الأمة الأمريكية» بقدر ما يستفيدون هم بالانتقال إلى أراضي العالم الجديد.

ترامب نفسه ينحدر من أصول مهاجرة، فوالدته التي تحمل الجنسية البريطانية قد ولدت في اسكتلندا، قبل أن تهاجر إلى الولايات المتحدة عام 1930 لتتزوج من أبيه فريد ترامب، الذي كان ابنا لأب ألماني هاجر إلى الولايات المتحدة عام 1885، ومن بين زيجات ترامب الثلاثة، فإن زوجتين ينحدران من أصول غير أمريكية، من بينهما زوجته الأخيرة ميلانيا التي تحمل اليوم لقب السيدة الأولى في البلاد.

ليست عائلته فقط، بل شركاته أيضًا، إذ يعتمد ترامب على عدد كبير من العمال الأجانب، بل إن بعض شركاته تشترط في إعلانات طلبات العمل أن يكون المتقدم أجنبيًا، هذا فضلًا عن أن عددًا كبيرًا من الوكلاء والسماسرة المقترحين من جانب شركاته هم آسيويون أو شرق أوسطيون.

نلخص الأمر هنا، فنقول إن رئيس الأمة الأمريكية العظمى،التي هي في الحقيقة ليست إلا فسيفساء من المهاجرين أو أبناء المهاجرين من أصقاع الأرض المختلفة، صار هدفه الأول والأخير منع تدفق المزيد من المهاجرين إلى البلاد.

المهاجرون والأجانب في حياة ترامب: أمه وزوجته وأكثر من ألف عامل في شركاته الخاصة

4- «أمريكا أولًا» ربما لن تجعل «أمريكا عظيمة مجددًا»

«إن الولايات المتحدة لن تصبح في القمة إذا قبلت النصيحة من ضجيج يحدثه مندوب مبيعات وشخص يصيح في الكرنفالات بأن أقوى دولة على الأرض تستطيع أن تظل عظيمة من خلال الانعزال والاختباء وراء جدران»، بهذه الكلمات كان وزير الخارجية الأمريكي السابق «جون كيري» قد هاجم السياسات الانعزالية التي نادى بها ترامب خلال حملته الانتخابية، وتابع كيري محذرًا أن السياسات الانعزالية والحمائية هي التي أدت إلى اندلاع الحربين العالميتين في القرن الحادي والعشرين، وأن التواصل مع العالم الأوسع والأكبر هو شرط من شروط من يتولون المناصب العليا.

جعل ترامب من شعار «اجعلوا أمريكا عظيمة مجددا Make America Great Again» شعارًا لحملته، لكن الأكيد في نظر العديد من المحللين أن الطريق الأمثل للحفاظ على مكانة الولايات المتحدة كقوة عظمى لا يكون بالانعزال عن عالم يصير بسرعة الصاروخ إلى العولمة الكاملة، ولا يكون بترك الدول المختلفة تصرف شؤونها بمفردها، والتغاضي عن المشكلات الكبرى التي إن زادت اشتعًالا فسيصيب لهيبها الأمريكيين شاءوا أم أبوا.

شعار «أمريكا أولا» إذا الذي ينادي به ترامب، لن يجعل أمريكا عظيمة ثانية كما يتمنى، بل سيدفع بها شيئًا فشيئًا بعيدًا عن دفة القيادة، ولعل هذا هو السبب في أن الكثير من التحليلات صارت تتوقع أن يكون ترامب – حال أصر على الاستمرار في نهجه الانعزالي- هو «غورباتشوف أمريكا» الذي قد تبدأ الدولة العظمى مسيرة انهيارها على يديه.

قائمة «ساسة بوست» لأبرز 10 أحداث اقتصادية في العالم لعام 2016


عرض التعليقات
تحميل المزيد