تقع جزر الفلبين في أقصى جنوب شرقي قارة آسيا، في الركن الجنوبي الغربي من المحيط الهادي، ويقدَّر عدد تلك الجزر بأكثر من 7 آلاف جزيرة، تتفاوت كثيرًا في المساحة، من بضعة كيلومترات مربعة، إلى آلاف الكيلومترات. يُعتَقَدُ أنَّ الإسلامَ قد وصل إلى تلك الديار البعيدة للمرة الأولى عام 270هـ، عن طريق بعض الدعاة المنفردين، ثم تتابع وصول الدعاة والتجار على مدار القرون التالية، فيتأثر بها سكان تلك الجزر، ويدخل الآلاف منهم تدريجيًا في الإسلام. 

من ناحية أخرى، وعلى بعد آلاف الكيلومترات من الفلبين إلى الغرب، وبنهاية القرن الخامس عشر الميلادي، لا سيَّما بعد اكتمال سيطرة الإسبان على غرناطة، آخر ممالك الأندلس الإسلامية، بدا جليًّا أن إسبانيا وكذلك البرتغال، لم يصبحا دولتيْن كاثوليكيَّتيْن كبريَيْن فحسب، بل أصبحتا قوتيْن عالميَّتيْن، لا سيما مع نمو قوة أساطيلهما، واكتشاف فاستعمار العالم الجديد (الأمريكتيْن).

لكن لم تكتفِ أنظار الإسبان والبرتغاليين بالتوجه غربًا لسبر أغوار العالم الجديد، فقد حرصوا – لا سيَّما بعد اكتشافهم طريق رأس الرجاء الصالح الذي يدور حول قارة أفريقيا – على التوجه شرقًا وجنوبًا، للالتفاف حول العالم الإسلامي، والوصول إلى جنوب آسيا وجنوبها الشرقي، والهيمنة على ثروات الهند وجوارها، لا سيّما التوابل التي كانت سلعة ثمينةً آنذاك، وبذلك يحققون جملةً من المكاسب الدينية والاقتصادية والسياسية والعسكرية أيضًا.

في سياق الزحف الإسباني – البرتغالي على جنوب شرق آسيا، وقبل خمسة قرون بالتمام، وبالتحديد في عام 1521م، شهدت إحدى جزر الفلبين حدثًا بارزًا، حيث تمكن المئات من المقاتلين المحليين في إحدى جزر الفلبين صغيرة الحجم، من هزيمة وقتل واحد من أشهر المستكشفين في تاريخ إسبانيا، وهو البرتغالي «فرديناند ماجلان»، الذي يُسجَّل في التاريخ بوصفه أول من قام بمحاولة جدية للالتفاف حول الحالم بأسطوله البحري. 

كان القائد المحلي الذي هزم ماجلان، وخلَّده الوعيُ الشعبيُّ الفلبينيّ بطلًا، هو محاربٌ محلي اسمه «لابو لابو»، والذي أحاط باسمه وبكثيرٍ من تفاصيلِ حياته ستائرُ من الغموض والتناقضات. في السطور التالية سنمرُّ سريعًا على أهم ما نعرفه عن حياتيْ الرجليْن المتحاربيْن، ثم نعرضُ للمعركة التاريخية التي تواجَها فيها، وهي «معركة ماكتان».

ماجلان.. الذي قاده الطموح الشخصي والديني ليجوبَ بحار العالم

وُلِدَ المستكشف البرتغالي فيرديناند ماجلَّان عام 1480م، في ميناء بورتو البرتغالي وفقَ أشهر الروايات، لأسرةِ من أصول نبيلة. كانت البرتغال آنذاك تمور بروحٍ صليبيَّة عسكرية متقِّدة، لا سيَّما مع نجاح البرتغال خلال ذلك القرن في الهيمنة على بعض مناطق المغرب الأقصى، وغرب أفريقيا الإسلامية. أثرَّت تلك الحالة بشكلٍ بارز في تشكيل شخصية وهوية ماجلَّان، والذي أصبح منذ شبابه بحارًا ومحاربًا.

عام 1505م، تطوَّعَ ماجلان للانضمام إلى أسطول القائد البرتغالي دي ألميدا، والذي انطلق صوب المحيط الهندي، من أجل مواجهة المد الإسلامي في الهند وأفريقيا. ثم في العام التالي شارك ماجلان في حملة بحرية برتغالية وصلت إلى سواجل موزمبيق في جنوب شرقي قارة أفريقيا، حيث أقام البرتغاليون معقلًا لهم هناك.

عام 1509م، شارك ماجلان في موقعة ديو البحرية الشهيرة التي حقّق فيها الأسطول البرتغالي انتصارًا ساحقًا ضد الأسطول المملوكي المدعوم ببعض السفن العثمانية، ليفرض سيادته على المحيط الهندي، وتكون له الكلمة العليا في سواحل الهند. وبعد عاميْن، شارك ماجلان في حملة القائد البرتغالي البحري الشرس «ألبوكركي» لاحتلال مضيق مالقا – في ماليزيا الحالية – والذي تمر خلالَه طرقٌ تجارية حيوية. 

وتنسب المصادر الإسلامية لماجلان والأساطيل التي عمل بها العديد من الانتهاكات، لا سيَّما استهداف ونهب سفن الحجاج المُسالمين غير مرَّة، ليسقط المئات منهم قتلى وغرقى، وكذلك القصف العشوائي، والقتل بلا هوادة، للمواني الإسلامية التي كانوا يسيطرون عليها في الهند وسواها.

عام 1513م عاد ماجلان إلى لشبونة – عاصمة البرتغال – لكنه لم يسكنْ للراحة، إنما خرج على الفور للمشاركة في حملة عسكرية برتغالية ضد المغرب، أصيب خلالها ماجلان في ساقه، مما سبَّب له العرَج فيما بقي من حياته. لكن خلال تلك الغزوة، اتُّهِم ماجلان ببيع بعض الغنائم بشكلٍ غير شرعي للمغاربة.

في السنوات التالية، قدَّم ماجلان إلى ملك البرتغال أكثر من عريضة يطلب فيها زيادة راتبه تقديرًا لجهوده البحرية، لكن رُفِضَ طلبه، وبدأ يشعر بأنَّه لم يعُد مرغوبًا به في البلاط البرتغالي، ولذلك قرَّر تغيير ولائه عام 1517م، وطلب الانضواء تحت لواء الإمبراطور شارل الخامس، ملك إسبانيا، وقُبِل طلبه في العام التالي.

عام 1519م، انطلق ماجلان في حملة بحرية إسبانية للإبحار حول العالم من الغرب إلى الشرق للوصول إلى جزر التوابل – في إندونيسيا الحالية بجنوبي شرق آسيا – وكان الهدف هو البحث عن طريق للإبحار المباشر من المحيط الأطلنطي إلى المحيط الهادي.

كانتِ الحملة مكونة من خمسة سفن قديمة نوعًا ما، على متنها 270 بحارًا جلُّهم من الإسبان والبرتغاليين، وانطلقت في سبتمبر (أيلول) 1519م من السواحل الإسبانية، لتصل إلى البرازيل في ديسمبر (كانون الأول) من العام نفسه، ثم تتجه جنوبًا. لأكثر من عام، ظلَّ أسطول ماجلان يبحث عن الممر الذي سيمكنه من العبور إلى الغرب، وخلال تلك الفترة حدث تمرد كبير من بعض الضباط الإسبان، فقمعهم ماجلان بقوة، وقتل أحدَهم، وترك آخر على الساحل.

أواخر عام 1520م، عبر أسطول ماجلان إلى المحيط الهادي من خلال ممر صغير في أقصى جنوب أمريكا اللاتينية عبر أراضي دولة تشيلي الحالية، ليحمل هذا الممر اسم «ممر ماجلان». وقد تفاجأ الأسطول بهدوء الأمواج لحظة عبوره إلى المحيط، ليحمل من حينها اسم المحيط (الهادئ).

في المائة يوم التالية، مرَّ الأسطول في مجاهل المحيط الهادي، دون أن يرى بحَّارته أيَّ ساحل، ونفدَ معظمُ ما بحوزتهم من مؤن، وأصيب أكثرهم بنقص التغذية، وداء الإسقربوط – نقص فيتامين سي – والهزال. وفي مارس (آذار) 1521 هبط الأسطول في جزيرة جوام في أقصى جنوب شرق آسيا، حيث حصلوا على المؤن والطعام الطازج لأول مرة منذ انطلاقهم من ممر ماجلان، وحيث – وهذا الأهم – عرفوا أنهم قد نجحوا في الجزء الأهم من رحلتهم للإبحار حول العالم من الغرب إلى الشرق.

بعد الراحة لبضعة أيام، تحرك الأسطول صوبَ جزر التوابل، الهدف الرئيس من الحملة، لكن توجَّه الأسطول أولًا إلى جزر الفلبين، حيث فرض ماجلان المتحمس على جاكم جزيرة «سيبو» إعلان الولاء لملك إسبانيا، والتحول إلى المسيحية، وأخذ يعمل على السيطرة على المزيد من الجزر الفليبينية لتكونَ معقلًا له قبل غزو جزر التوابل. لم يتصوَّر ماجلان، وعينُه على جزر التوابل التي أصبحت غيرَ بعيدةٍ عن متناوله، أنه لن يصلَ إليها أبدًا، وأن شهرًا أو يزيد قليلًا، تفصله عن لحظة موتٍ صادم ومفاجئ ودمويٍّ، كان بطلها محارب فلبيني محليّ هو «لابو لابو».

لابو لابو.. الذي اختلف الناس على كل شيء حوله إلا جدارته

يعتبر «لابو لابو» بلا منازع، بطلًا قوميًا للفلبين إلى اليوم، وهو من رموز المقاومة ضد الاحتلال الأجنبي، لا سيَّما الإسباني. ولا غروَ أن ينتصبَ في جزيرة ماكتان – حيث دارت الموقعة الشهيرة بينه وبين ماجلان – تمثال نحاسي ضخم لهذا المحارب الاستثنائي، يبلغ طوله 20 مترًا، وليس هذا هو التمثال الوحيد لهذا البطل القومي في الفلبين، إذ تنتشر تماثيله في مناطق عدة، أبرزها في قلب العاصمة مانيلا، في حديقة ريزال العامة، ويُعرَف التمثال هناك بتمثال حارس الحرية.

وتنظم السلطات المحلية احتفالات سنوية في السابع والعشرين من أبريل (نيسان) من كلّ عام، لتخليد ذكرى موقعة ماكتان التي انتصر فيها «لابو لابو» على ماجلان، وأسهمت في تعطيل التمدد الاستعماري الإسباني لأكثر من 40 عامًا تالية. كما تكرَّر امتداح الرئيس الفلبيني الشعبوي دوتيرتي لشخصية لابو لابو، ومواجهته للإسبان.

تاريخ وفلسفة

منذ 11 شهر
بعيدًا عن الأندلس.. أوطان سابقة للمسلمين تحولوا فيها إلى أقلية

لكن ما يزال الجدل إلى اليوم دائرًا بخصوص تفاصيل نشأته الأولى، وديانته، هل كان مسلمًا أم وثنيًا؟ وكذلك ما الدافع القوي له لمقاومة حملة ماجلان، ولمحاربة التنصير، هل كان هذا لنوازع شخصية، أم لحميَّة دينية أو وطنية؟

على الأرجح وُلد «لابو لابو» عام 1500م، وتتناقل الكثير من القصص الشعبية الشفهية، لا سيَّما تلك المتداولة بينَ مسلمي الفلبين، أنه كان مسلمًا متدينًا، ولذا فقد رفضَ الخضوع لماجلان، وإظهار أيِّ ولاءٍ سياسيٍّ أو دينيٍّ للإسبان.

في المقابل، تذكر العديد من المصادر الأوروبية أن تلك المناطق من الفلبين لم يصلْها الإسلام، وأنَّ «لابو لابو» كان أقرب إلى الوثتية، وتحديدًا لعقيدة تسمى «الأرواحية» والتي تعتقد بوجود الروح في كل شيءٍ حتى الجماد، ولا يُعرَف الكثير عن تفاصيل حياة «لابو لابو» في 20 عامًا عاشَها بعد موقعة ماكتان، حتى وفاته عام 1542م، والأرجح أنه ظلَّ زعيمًا لتلك الجزيرة، دون منغِّصاتٍ كبيرة.

موقعة ماكتان.. السهوم المسمومة خدعة لابو لابو السحرية

في أجواء ذاب فيها تمامًا الحد الفاصل بين الواقع والتاريخ والأسطورة، دارت أحداث تلك الموقعة التاريخية في يوم 27 أبريل (نيسان) من عام 1521م، في جزيرة «ماكتان» إحدى جزر أرخبيل الفلبين. لا يُعرَف على وجهِ التحديد ما السبب الأكيد الذي دفع ماجلان لمحاولة احتلال جزيرة «ماكتان»، لكن يرجّح بعض المؤرخين أن ذلك كان بتحريضٍ من أحد الملوك المحليين الموالين لماجلان، وهو ملك جزيرة سيبو، والذي كان على خلافٍ مع لابو لابو، زعيم جزيرة ماكتان.

وصل ماجلان إلى حدود جزيرة ماكتان بعد منتصف ليل 27 أبريل 1521م، لكن لم تستطِع سفنه الرسو على ساحلها بسبب الصخور والعوائق، فرستْ على مقربةٍ منها، واستقلَّ ماجلان ومن معهم القوارب الصغيرة إلى الشاطئ. كان ماجلان يستهين كثيرًا بقوة خصمه، فهبط إلى الجزيرة رفقة 50 من مقاتليه فحسب – والذين بقي منهم 150 من أصل 270 بدأ بهم رحلته قبل أعوام – واثقين تمام الثقة من كثافة وصلابة ما يرتدونه من دروع، تكاد تغطي كل بقعةٍ من أجسامهم، فكانوا كما قال المتنبي قبل قرونٍ في وصف الروم:

أتوْكَ يجرُّون الحديدَ كأنما .. سروْا بجيادٍ ما لهُنَّ قوائمُ

إذا برقُوا لم تُعرَفِ البيضُ منهمُ .. ثيابُهُمُ من مثلها والعمائمُ

عرض ماجلان على «لابو لابو» السلام مقابل الإذعان لملك جزيرة سيبو الموالي له، وإعلان الخضوع للعرش الإسباني، واعتناق الكاثوليكية، لكن رفض «لابو لابو» ذلك العرض، وأصرَّ على المقاومة، وقُدَِّر من كان تحت قيادته من المقاتلين بأكثر من 1500، بدون دروعٍ تقريبًـا، ويحملون السيوف والرماح، ومفاجأة خاصة للغزاة تمثَّلت في الأسهم المسمَّمة.

في الصباح، أمر ماجلان بإحراق بعض الأكواخ على الشاطئ، لإرهاب السكان، وحملِهِم على الاستسلام، لكن كان لهذا تأثيرٌ عكسيٌّ، حيث اضطرمت نفوس «لابو لابو» ومقاتليه، فهجموا على الإسبان كالسيل، وقتلوا منهم اثنيْن على الفور بالتركيز على النقاط غير المحمية بالدروع من أجسامهم، وأصيب ماجلان بسهمٍ مسموم في ساقه، فخرَّ على الأرض.

علوم الثورة

منذ سنة واحدة
حين هزمت السلمية الدبابات.. قصة «ثورة قوة الشعب» في الفلبين

حاول بعض جنود ماجلان حمايته، وإنقاذه، لكن ركزَّ الفليبينيون ضرباتهم باتجاه ماجلان، بعد أن علموا أنه القائد، فقتل عدد من الإسبان، وانسحب الباقون نحو السفن، وقد أصبحت دروعهم الثقيلة عبئًا قاتلًا، تلاحقهم سهامُ الموت، وصيحات الغضب الممزوجة بنشوة الانتصار.

ولم تكن تلك آخر مآسي حملة ماجلان في الفلبين، إذ ما لبث ملك جزيرة سيبو الموالي للإسبان، أن دسَّ السم لأكثر من 27 من بحارة ماجلان في وليمةٍ نظَّمها على شرفهم، وكان السبب في ذلك أنه ضاق بكثرة تحرشهم واغتصابهم للفتيات والسيدات في الجزيرة.

ما بعد ماجلان

بسفينةٍ واحدة من أصل خمسة انطلق بها ماجلان من إسبانيا عام 1519، تمكَّن أحد مساعديه، وهو خوان سباستيان، من إكمال رحلة الالتفاف حول الكرة الأرضية، عندما وصل إلى إسبانيا بنجاح، بعد رحلة شاقة، وبصحبة 19 ناجٍ فحسب، في سبتمبر (أيلول) من عام 1522، أي بعد حوالي 19 شهرًا من مصرع ماجلان.

بعد مقتل ماجلان في جزيرة ماكتان الفليبينية، لم يتوقف الإسبان عن السعي من أجل احتلال الفلبين، ونشر المسيحية الكاثوليكية بها وبجوارها، وإيقاف تمدد الإسلام في تلك المناطق، فشنُّوا عدة حملات بحرية عسكرية في العقود التالية لهزيمة ماكتان، تعرّض معظمها لمقاومة شرسة، لا سيَّما في الجزر ذات الغالبية المسلمة، فلم تحقق أهدافَها، وباءت بفشلٍ ذريع.

لكن، وبعد وفاة ماجلان بأقل من نصف قرن، نجحت حملة القائد الإسباني «ميجيل لوبيز» في الاستيلاء على معظم جزر الفلبين الشمالية، وإقامة قاعدة حصينة للحكم الإسباني في تلك المنطقة البعيدة في مدينة مانيلا، العاصمة الحالية للفلبين، ليستمر الاستعمار الإسباني لأكثر من ثلاثة قرون تالية، والآن يشكل الكاثوليك الغالبية العظمى من سكان الفلبين، بينما تًقدَّر نسبة المسلمين بحوالي 10%.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد