يبرز اسم محمد العربي بن مهيدي، ذلك المناضل الشاب ضد الاستعمار الفرنسي، مثالًا يستدّل به لوصف الحالة الثورية للجزائريين ضدّ المستعمر ومصالحه في الجزائر. اعترف له أعداؤه وجلادوه، قبل رفاقه في السلاح، فمدحه الجنرال الفرنسي الذي عجز عن استنطاقه رغم تعذيبه، مارسيل بيجار: «لو كانت لي ثلة من أمثال محمد العربي بن مهيدي لغزوت العالم».

في هذا التقرير نستعرض مسيرة البطل الجزائري محمد العربي بن مهيدي الذي أعدمته سلطات الاستعمار الفرنسي بعد أن فشلت في استخلاص المعلومات منه.

«فنان ولاعب كرة قدم».. طفولة العربي بن مهيدي الغنية بالتجارب

ولد بن مهيدي بدوار الكواهي ببلدية عين مليلة بولاية أم البواقي في 10 يونيو (حزيران) عام 1923، أبوه هو عبد الرحمن بن مسعود بن مهيدي، وأمه عائشة قاضي بنت حمو، اللذان سمياه على اسم جدّه محمد العربي.

كسائر العائلات الجزائرية المحافظة، كان التعليم الديني أوّل مسارٍ ينتهجه الآباء في تعليم أبنائهم، فدخل الطفل محمد العربي إلى كتّاب تحفيظ القرآن في قريته ثمّ دخل المدرسة الابتدائية وتحصل على شهادتها بدرجة الامتياز.

تاريخ

منذ 7 شهور
«الرجل اللغز».. الذي اخترق مكتب شارل ديجول وأمد الثورة الجزائرية بالسلاح

كانت الأوضاع الاقتصادية لعائلة بن مهيدي غير مستقرة، فقد كان والده يعمل تاجرًا للتبغ سنة 1929، وأمّه ربة منزل، وأمام تزايد المضايقات الفرنسية قرّر والده الانتقال إلى الصحراء، للاشتغال في تجارة التمور.

في مدينة بسكرة الشهيرة بإنتاج وتجارة التمور، كانت حياة العربي بن مهيدي تأخذ مجرى مغايرًا، فقد كانت أمامه فرصةٌ ذهبية لتطوير شخصيته، بدءًا بحياته العلمية، وذلك من خلال التحاقه بالمدرسة الثانوية الفرنسية، ودخوله أيضًا مدرسة جمعية العلماء المسلمين، ليوازن بين المنهج العربي والفرنسي، وكان من بين شيوخه في جمعية العلماء المسلمين الشيخ الجزائري محمد العابد السماتي، الذي رصّع داخل شخصية محمد العربي مفهوم الحركة الوطنية وزرع فيه حبّ الوطن والدين.

كان للعربي بن مهيدي فرصةً أيضًا لإبراز مواهبه المتعددة والفريدة، فقد كان مسرحيًا موهوبًا، ولاعب كرة قدمٍ بارعًا، وسينمائيًا فذًّا، وذلك من خلال نشاطاته بمختلف النوادي والجمعيات التي انخرط فيها في فترة شبابه.

أسّس بن مهيدي فرقةً مسرحيةً تابعةً للكشافة الإسلامية سنة 1941، ومن بين العروض التي قدمها كانت مسرحية «في سبيل التاج» التي ترجمها الأديب المصري مصطفى لطفي المنفلوطي، وهي المسرحية التي فرضت بسببها السلطات الفرنسية على العربي بن مهيدي الإقامة الجبرية بمدينة بسكرة.

كما كان العربي بن مهيدي محبًا الموسيقى الأندلسية، ولوعًا بالسينما العالمية، فقد كان يكثر من مشاهدة الأفلام السياسية والتاريخية، كالفيلم الذي يدور محتواه حول الثائر المكسيكي «زاباتا»، الذي أعجب به كثيرًا حتى صار يلقبه رفاقه بـ«الحكيم زاباتا».

بحسب ما ذكره الباحث بن مؤمن إبراهيم في ورقته البحثية حول العربي بن مهيدي، لم يترك العربي منبرًا من منابر الوعي الوطني إلّا واقتحمه، فقد كان أيضًا لاعب كرة القدم، وأحد المدافعين الأساسيين في فريق الاتحاد الرياضي الإسلامي لبسكرة، الذي أنشأته الحركة الوطنية بقيادة مصالي الحاج.

ساهم التعليم والتكوين الذي تلقاه بن مهيدي طيلة مساره في حصوله على وظيفة مكتبية، إذ عمل محاسبًا في مصلحة التموين، بثكنةٍ عسكريةٍ تابعة للجيش الفرنسي، وهو العمل الذي لم يستمر فيه محمد العربي سوى أشهرٍ معدودة، بعد قيامه بسرقة قطعٍ حربية من الثكنة وتهريبها إلى الثوار الجزائريين، واستقالته بعدها من المنصب خشية افتضاح أمره للسلطات الفرنسية.

العربي بن مهيدي.. عينٌ على السياسة وساعدٌ على البندقية

في سن 19 سنة، كانت مسيرة العربي بن مهيدي أمام تحد جديد، وهو خوض غمار النضال السياسي ضد المحتل الفرنسي، فبعد تكوينٍ طويل امتدّ لسنوات ومزج بين التكوين البدني في فريق كرة القدم، والتكوين الفكري بجمعية العلماء المسلمين، والتكوين القيادي في الكشافة الإسلامية، انضمّ بن مهيدي سنة 1942 إلى حزب الشعب الجزائري، تحت قيادة مصالي الحاج، من أجل التحضير إلى تفجير الثورة، وذلك بعد أن جنده محمد عصامي، المسؤول عن الحزب في بسكرة.

زادت شعلة نشاط المناضل الجزائري العربي بن مهيدي فور التحاقه بحزب الشعب، حيث صار كاتبًا مكلفًا بمداومة الحزب، إضافةً إلى تطوعه لتدريس المنخرطين الجدد في الحزب، لتتحوّل قسمة حزب الشعب ببسكرة إلى رافدٍ هامٍ للحركة الوطنية بالشرق الجزائري.

في 8 مايو (أيّار) 1945، خرجت مظاهرات حاشدة في أنحاء التراب الجزائري للاحتفال بنهاية الحرب العالمية الثانية، ولمطالبة فرنسا بالوفاء بوعدها للجزائريين بمنحهم الاستقلال، فكانت فرصة حزب الشعب الجزائري لقيادة تلك المظاهرات، ونزل محمد العربي بن مهيدي حينها حاملًا العلم الجزائري ومتقدمًا الصفوف الأولى للمتظاهرين.

العربي بن مهيدي لحظة إلقاء القبض عليه.

العربي بن مهيدي لحظة إلقاء القبض عليه

لم يرق لفرنسا الخارجة حديثًا من الاحتلال النازي رؤية العلم الجزائري يرفرف عاليًا فوق سواعد الجزائريين، ولم يشفع للجزائريين مشاركتهم في تحرير فرنسا من الاحتلال الألماني، ليرتكب الجيش الفرنسي واحدةً من أبشع المجازر في التاريخ الحديث بقتله لأزيد من 45 ألف جزائري واعتقال عشرات الآلاف من المتظاهرين، وكان محمد العربي بن مهيدي أحد المعتقلين، فمكث في السجن 21 يومًا وتعرّض لاستجوابٍ شديدٍ من طرف السلطات الفرنسية.

بقيت صورة المجزرة حبيسة في مخيلة العربي بن مهيدي الذي عاد إلى النضال بعد الإفراج عنه، لكن بأفكارٍ غير التي كان يحملها قبل المجرزة، فقد تبلور لدى بن مهيدي وبعض القادة الشباب في الحركة الوطنية الخيار المسلح من أجل تحرير البلاد.

تماشيًا مع الأفكار الجديدة التي بات «الحكيم زاباتا» يعتنقها، التحق العربي بن مهيدي بصفوف المنظمة الخاصة، وهو الجناح المسلح السري لحزب الشعب الجزائري الذي كان يقوم بعمليات مسلّحة ضد الجيش الفرنسي، وفي عام 1949 تدرّج بن مهيدي في المناصب حتى صار مسؤول الجناح العسكري بسطيف وعمره لم يتجاوز حينها 26 عامًا، ونائبًا لرئيس التنظيم السري على مستوى الشرق الجزائري، الذي كان يتولاه يومئذ أحد رموز الثورة الجزائرية لاحقًا محمد بوضياف، وخلال تلك الفترة بنيت علاقة وطيدة بين الرجلين عجلت بقرار تفجير الثورة.

في سنة 1950 تولى محمد العربي بن مهيدي مسؤولية التنظيم في ناحية الشرق، وذلك بعد تكليف محمد بوضياف برئاسة التنظيم بالجزائر العاصمة وضواحيها، وفي العام ذاته وقع ما لم يكن في حسبان المنظمة السرية العسكرية، حين ألقت الشرطة القبض على أحد أعضائها وأفشى – تحت التعذيب الوحشي – بأسرار المنظمة التي يعرفها للشرطة الفرنسية، لتشنّ السلطات الفرنسية حملة اعتقالات واسعة، فزجت بأغلبية مسؤولي المنظمة بالسجون، وقامت إدارة حزب الشعب بحلّ المنظمة، واضطر العربي بن مهيدي للاختفاء عن الأنظار، ثم عاد إلى الظهور مسؤولًا عن الدائرة الحزبية بوهران حتى عام 1953.

«ألقوا بالثورة إلى الشارع يحتضنها الشعب»

في خضمّ تصاعد الانقسامات والانشقاقات التي عصفت بحركة انتصار الحريات وانقسام أعضائها إلى مركزيين بقيادة حسين لحول، ومصالين بقيادة مصالي الحاج، أخذ كلٌ من محمد بوضياف ومحمد العربي بن مهيدي المبادرة من أجل رأب الصدع بين المناضلين الجزائريين وتوحيد جهودهم نحو تفجير الثورة، فتأسست اللجنة الثورية للوحدة والعمل المتكونة من خمسة شبان هم: مصطفى بن بولعيد، محمد العربي بن مهيدي، ديدوش مراد، رابح بيطاط، محمد بوضياف، في شهر مارس (أذار) عام 1954.

كان العربي من بين عناصر اللجنة البارزين، ومع الفشل في مهمة جمع شتات مناضلي الحركة، أخذ العربي بن مهيدي ورفاقه على عاتقهم المضي قدمًا في قرار تفجير الثورة التحريرية من خلال عقد اجتماع «مجموعة الـ22» الذي أوكل للحكيم زاباتا ورفاقه الستة مسؤولية الإعداد والتحضير للثورة.

في بيت سري بحي «لا بوانت بيسكاد» بالعاصمة الجزائر، اجتمع في 23 أكتوبر (تشرين الأوّل) 1954، ستة رجال دخلوا مدينة الجزائر متخفين متنكرين، لوضع آخر اللمسات على ما سيصبح أعظم وأخطر قرار اتخذه الجزائريون في تاريخهم.

كان هؤلاء الستة هم ديدوش مراد، ورابح بيطاط، والعربي بن مهيدي، وكريم بلقاسم، ومحمد بوضياف، ومصطفى بن بولعيد، واتفقوا جميعًا على ساعة الصفر لاندلاع الثورة الجزائرية، وأعدوا بيان أوّل نوفمبر الذي يعدّ مرجعيةً مستمرة للجزائريين، كما اتفقوا على تأسيس جبهة وجيش التحرير الوطني.

مجموعة السنة التي فجرت التورة الجزائرية

مجموعة الستة التي فجرت التورة الجزائرية

يذكر محمد بشير ملاح، مؤلف كتاب «موجز تاريخ الجزائر الحديث والمعاصر: 1830-1989»، أنّ قيادة المنطقة العسكرية الخامسة، المسماة بالقطاع الوهراني، أسنِدت إلى محمد العربي بن مهيدي بمساعدة كل من بن عبد المالك رمضان وعبد الحفيظ بوصوف، وسط إمكانيات ضعيفة تعجز حتى عن شنّ هجومٍ فعالٍ واحدٍ.

غير أنّ إدارة بن مهيدي لتلك الإمكانيات جعلت المنطقة الخامسة واحدةً من أشرس المناطق ضدّ المحتل الفرنسي، ويشير محمد حربي في هذا السياق إلى الإمكانيات التي كانت تحت يد بن مهيدي، فيقدر عدد المقاتلين بنحو 60 مجاهدًا، يتوزعون عبر أنحاء المنطقة، التي اعتبرت من أكبر المناطق التاريخية من حيث اتساعها الجغرافي، ويذكر المجاهد المرحوم الحاج بن علا في مذكراته، الذي كان أحد مساعدي بن مهيدي، أن عدد أفواج مجاهدي المنطقة الخامسة عشية الانطلاقة في أول نوفمبر، كان يبلغ 12 فوجًا.

أمام مخاوف القيادة من فشل الثورة، خصوصًا بعض تعرّض العديد من قادتها إلى الاغتيال، والحصار الشديد الذي أطبقته فرنسا على منطقة الأوراس، وقف بن مهيدي مخاطبًا مجاهدي جبهة التحرير «ألقوا بالثورة إلى الشارع يحتضنها الشعب»، ليزداد لهيب الثورة الجزائرية باندلاع معركة الجزائر، التي كان بن مهيدي قائدًا لها.

حسب بشير ملاح، كان للعربي بن مهيدي دورٌ أساسي في اجتماع مؤتمر الصومام التاريخي الذي أعاد تنظيم الثورة الجزائرية من جديد، وهو الدور الذي لا يزال يثير نقاش المؤرخين والمهتمين بالتاريخ الجزائري، بسبب مخرجات المؤتمر، وعدم تمثيل جميع المناطق العسكرية فيه، والهجوم اللاذع الذي شنّه بن مهيدي على القيادي يوسف زيغود بسبب هجمات الشمال القسنطيني، إضافةً إلى الدور المبهم الذي لعبه عبّان رمضان واتهامه بالتدبير لكلّ ما له علاقة بمخرجات المؤتمر.

كلّها إشكاليات لا تزال تعالج في مخابر البحث التاريخي وتناقش عشية ذكرى المؤتمر.

رغم التعذيب.. ثبات بن مهيدي أمام جنرالات فرنسا

مع ما خلّفه مؤتمر الصومام المنعقد في 20 من أغسطس (آب) 1956 من صدمةٍ لدى الثوار والمناضلين الجزائريين، وبداية بزوغ الخط التفاوضي بين جبهة التحرير والاحتلال الفرنسي، يذكر سليمان باور في كتابه «حياة البطل الشهيد محمد العربي بن مهيدي» أنّ «الحكيم زاباتا» اختار مواصلة الخط الكفاحي سبيلًا لتحرير الجزائر، وذلك من خلال بدء ملحمةٍ جديدة من ملاحم الثورة الجزائرية، من خلال إشعال معركة الجزائر.

استقر الحكيم زاباتا بالعاصمة الجزائر رفقة كلٍ من بن يوسف بن خدة وعبان رمضان، وتنفيذًا لمخرجات مؤتمر الصومام الذي كُلف فيه محمد العربي بن مهيدي بالعمليات الفدائية في جيش التحرير، شرع العربي مباشرة في تنظيم خلايا فدائية في جميع أنحاء العاصمة الجزائرية، وشهدت معها العاصمة عمليات فدائية عديدة أربكت الاحتلال الفرنسي.

شملت العمليات وضع قنابل متفجرة في مراكز تجمع الجيش الفرنسي، وفي الحانات، ومراكز الشرطة، مثل تفجير كازينو «لاكورنيش» في 9 يونيو (حزيران) 1957، واغتيال بعض المتعاونين مع الاحتلال والمعمرين الفرنسيين، مثل أميدي فروجي الذي اغتيل في شوارع العاصمة نهاية 1956.

ونجح العربي في تنظيم عصيان مدني وإضراب شامل لثمانية أيام من يناير (كانون الثاني) 1957 ،والذي كان سببًا مباشرًا في تدويل القضية الجزائرية بالأمم المتحدة.

تكبّد الاحتلال الفرنسي خسائر كبيرة بسبب معركة الجزائر، وهو الأمر الذي دفعه إلى الانتقام من المدينة عبر شنّ عمليات اعتقال واسعة ومحاصرة العاصمة الجزائر قصد الكشف عن من يقف وراء معركة الجزائر.

وبعد مسيرة طويلة من الكفاح والنضال، جاء اليوم الذي انتهت معه قصة أحد مفجّري الثورة الجزائرية، حين ألقى الاستعمار الفرنسي القبض عى العربي بن مهيدي في 23 فبراير (شباط) 1957، بعد تعرّضه للخيانة من طرف معتقلين تعرضوا للتعذيب حتى الاعتراف بمكان القيادي بن مهيدي، لتلقي قوات المظلية الفرنسية القبض على قائد معركة الجزائر.

عربي

منذ سنتين
كيف تحاول فرنسا حتى الآن تجريم الثورة الجزائرية!

بحسب الدكتور محمد بن نعمان في كتابه «الجهاد وثورة الاستقلال»، تعرض محمد العربي بن مهيدي، لكل أنواع التعذيب طيلة فترة اعتقاله التي بلغت أسبوعين حتى يبوح بأسرار الثورة الجزائرية، لكنه «عذب الاستعمار» بصمته ورفضه خيانة ثورة ألقى بها إلى شعب الجزائر، واكتفى بجملة واحدة ردًا على التعذيب الكبير الذي تعرض له، فقال العربي بن مهيدي لجلاديه: «أمرت فكري بألا أقول لكم شيئًا».

وفي الرابع من مارس من ذات السنة، وأمام العجز الذي سبّبه لجلاديه، أعدم البطل الجزائري محمد العربي بن مهيدي شنقًا، تاركًا وصيةً للجزائريين مفادها «إذا ما استشهدنا دافعوا عن أرواحنا، نحن خُلقنا من أجل أن نموت، لكي تستخلفنا أجيال لاستكمال المسيرة».

ورغم الادعاء الفرنسي بأنه مات منتحرًا، اعترف الجنرال الفرنسي بول أوساريس لصحيفة «لوموند» في سنة 2001، أنه أعدم العربي بن مهيدي شنقًا بعد أن عجزت كلّ محاولات الاستجواب التي قام بها الفرنسيون، وذلك بعد نحو 50 عامًا من إخفاء السبب الحقيقي لوفاته.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد